تقارير دولية: القوة الشرائية في السنوات المقبلة أقرب إلى «التآكل التدريجي»
تغيير إجباري في أنماط الاستهلاك.. والدخل الحقيقي يتراجع رغم ارتفاع الأجور
إعداد: محمد الساعي
لم يعد الحديث عن التضخم مجرد موضوع اقتصادي متخصص، أو مشكلة محلية تتعلق بهذا الاقتصاد أو ذاك، بهذا المجتمع أو ذلك، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية للأفراد والأسر في أغلب المجتمعات. وامام ارتفاع الأسعار وتكاليف الحياة، بات الكثيرون يشعرون بأن قدرتهم الشرائية تتراجع بشكل مطرد حتى لو زاد معدل دخلهم بعض الشيء.
المقلق في الأمر ان تقارير مثل وكالة International Monetary Fund، التابعة لصندوق النقد الدولي تشير إلى أن القوة الشرائية في السنوات المقبلة تبدو أقرب إلى مسار «التآكل التدريجي»، حيث يبقى الدخل الاسمي قائمًا، لكن قيمته الحقيقية تواجه ضغطًا مستمرًا من ارتفاع التكاليف، فإن التحدي الاقتصادي المستقبلي لن يكون فقط في مستوى الدخل، بل في قدرة هذا الدخل على الحفاظ على قيمته عبر الزمن، وهو ما يجعل إدارة المال، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الإنتاجية الفردية عناصر أكثر أهمية من أي وقت مضى.
في هذا الموضوع نحاول ان نتعمق في العلاقة بين مستوى الدخل ومشكلة التضخم الدولية، بحثا عن فهم أعمق لظاهرة تآكل القوة الشرائية. ونحاول أن نجد إجابات لتساؤلات محورية، منها: ما الفرق بين الراتب الحقيقي والراتب الاسمي؟ كيف يمكن للفرد حساب «القيمة الحقيقية» لراتبه بطريقة بسيطة؟ وكيف يمكن قراءة الراتب الحقيقي في ظل التضخم؟ كيف أعاد التضخم تشكيل أولويات الأسر؟ ما هي السلع والخدمات التي باتت أكثر استنزافًا لرواتب الأسر؟ ما الفرق بين التضخم الرسمي والتضخم الذي يشعر به المواطن يوميًا؟ وماهي القطاعات أو الوظائف التي تضررت أكثر من غيرها في موجة التضخم؟ كيف يمكن للأفراد ترتيب أولوياتهم وميزانياتهم لمواجهة الغلاء؟
ثم.. ما أثر التضخم على الطبقة المتوسطة في أي مجتمع؟ هل أصبحت هذه الطبقة أكثر هشاشة من ذي قبل؟ وهل التضخم العالمي الحالي مؤقت أم أننا بتنا في مرحلة «الغلاء الدائم»؟ وهذا ما يجعلنا نتساءل عن كيف ستكون القدرة الشرائية في السنوات المقبلة؟
والسؤال الذي لا يقل أهمية عن كل ما سبق: هل يمكن اعتبار ارتفاع الأجور حلا لمشكلة التضخم؟
الراتب الحقيقي.. والإسمي
بداية يجب الإشارة الى أن هناك فرق بين «الراتب الحقيقي» و«الراتب الاسمي». ببساطة، الراتب الاسمي هو ذلك المبلغ الذي ينزل نهاية كل شهر في حسابك البنكي، وهو مبلغ قد يبقى ثابتًا لسنوات طويلة، مما يعطي شعورا زائفا بان معدل الدخل ثابت ولا يتغير.
ولكن يبرز هنا مصطلح اخر هو «الراتب الحقيقي»، وهو القيمة الفعلية لراتبك الاسمي، بمعنى ما الذي تستطيع اليوم شراءه بهذا الراتب مقارنة بالفترات السابقة.
فمثلا راتب اسمي يبلغ 1000 دينار، كان يغطي قبل عدة سنوات تكاليف مختلفة مثل الإيجار والفواتير والمواد الغذائية، وقد يبقى جزء للادخار. وبالتالي فإن الراتب الاسمي والراتب الحقيقي ربما يكونان متساويين إلى حد ما.
ولكن اليوم ومع ارتفاع الأسعار بنسب كبيرة، فإن هذا الراتب الاسمي يعتبر أكبر من الراتب الحقيقي الذي انخفض لأن قدرته الشرائية أصبحت أضعف. وهذا ما يجل الكثير من الافراد يشعرون أنه على الرغم من ثبات دخلهم الا أن رواتبهم لم تعد تكفي، لأن التضخم ببساطة يلتهم جزءًا من قيمة الدخل مع مرور الوقت. ويشعر الفرد أنه على الرغم من أن نمط حياته واستهلاكه لم يتغير، فإن راتبه يتبخر ولم يعد يكفي كالسابق. وهو إحساس شائع اقتصاديًا ولا يعود الى تغيّر في سلوك الفرد بقدر ما هو تغير في البيئة الاقتصادية نفسها، وأهمها التضخم وتراكم التكاليف الصغيرة. وما يزيد من هذا الشعور:
- ارتفاع الأسعار بشكل تدريجي (التضخم).
- ثبات الدخل مقابل حركة الأسعار المرتفعة. مما يخلق فجوة متزايدة وتقل القوة الشرائية من دون أن يشعر الشخص مباشرة.
- تراكم الزيادات الصغيرة التي ترتفع هي الأخرى بشكل بسيط ومتفرق لكنها مجتمعة تحدث فرقا كبيرا مثل الفواتير والاشتراكات والخدمات والرسوم وغيرها.
- تغير الكلفة مع ثبات الأنماط الاستهلاكية، مثلا ارتفاع كلفة المواصلات بسبب ارتفاع الوقود، وارتفاع قيمة نفس الوجبات بسبب ارتفاع أسعار المواد الأولية.
والخلاصة أن التضخم لا «يسحب» المال مباشرة من حسابك، لكنه يقلل من قدرة هذا المال على شراء نفس الأشياء التي كنت تشتريها في السابق.
احتساب القيمة الحقيقية
أمام ذلك، كيف يمكن للفرد حساب «القيمة الحقيقية» لراتبه؟
الطريقة بسيطة من خلال مقارنة الدخل الحالي (الاسمي) بمعدل ارتفاع الأسعار (التضخم). فالمحور الرئيسي هنا ليس كم يتقاضى الفرد، وإنما ماذا يستطيع راتبه أن يشتري فعليًا.
والمعادلة الرياضية هنا: الدخل الحقيقي هو: (المرتب الاسمي مقسوما على معدل التضخم+1).
وبالتالي إذا ارتفعت الأسعار بينما بقي الراتب ثابتًا أو ارتفع بنسبة أقل، فإن القوة الشرائية تنخفض. فمثلا إذا كان الراتب قبل سنوات 1000 دينار، وزاد المرتب بنسبة 10% ليبلغ اليوم 1100 دينار. لا يعني ذلك ان قدرته الشرائية زادت إذا ما علمنا ان الأسعار ارتفعت بنسبة 25%. وبالتالي قد يبدو الراتب أعلى «اسميًا»، لكنه في الواقع اقل من السابق لأنه فقد جزءًا من قيمته الشرائية لسبب بسيط هو ان تكاليف المعيشة ارتفعت بوتيرة أسرع من زيادة الدخل. وما كان يمكن شراؤه سابقًا بـ1000 دينار قد يحتاج اليوم إلى 1250 دينارا تقريبًا.
لهذا يؤكد الاقتصاديون أن زيادة الراتب لا تعني دائمًا تحسن الوضع المعيشي طالما أن الأسعار ترتفع بوتيرة أسرع من نمو الدخل.
القدرة الشرائية
مقارنة القوة الشرائية بين اليوم وما قبل 5 أو 10 سنوات كفيلة بأن تكشف حجم التغير الذي طرأ على حياة الأفراد، وهذا ما تؤكده الدراسات الاقتصادية بأن القوة الشرائية في أغلب دول العالم تراجعت مقارنة بما كانت عليه قبل 10 سنوات، خصوصاً بعد موجة التضخم الكبيرة بين 2021 و2024. فمثلا تؤكد تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD – مثل تقرير «Real Wages Continue to Recover»، أن الأجور الحقيقية (بعد احتساب التضخم) في كثير من الدول مازالت أقل من مستوياتها قبل أزمة التضخم الأخيرة، رغم تحسنها التدريجي. ويوضح أن التضخم وصل إلى أعلى مستوياته منذ أربعين سنة في دول عديدة، ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل واضح، حيث إن الأسعار ارتفعت أسرع من الرواتب في كثير من الدول، وكانت الطبقة المتوسطة وذوو الدخل المحدود الأكثر تأثرا. وحتى مع زيادة الرواتب، فإن «الأجر الحقيقي» أصبح غالباً أضعف بسبب التضخم.
وبالتالي في الوقت الذي كان الكثير من الأسر قادرة سابقًا على تغطية احتياجاتها الأساسية والادخار أو الترفيه بجزء من الدخل، أصبح الراتب نفسه اليوم يذهب بالكاد ليغطي المصاريف الثابتة.
وفي السابق، كانت بعض السلع والخدمات تُعد في متناول الطبقة المتوسطة بسهولة، مثل تناول الطعام خارج المنزل بشكل متكرر، السفر السنوي والرحلات، شراء سيارة جديدة بأقساط مريحة نسبيًا، الادخار للطوارئ أو المستقبل.
كل هذه الأنماط الاستهلاكية باتت اليوم أشبه بترف أو رفاهية غير متاحة بالنسبة للكثيرين لأن الأمور أصبحت أكثر كلفة، ما دفع كثيرًا من الأسر إلى تقليل المصاريف الترفيهية، الاعتماد أكثر على العروض والتخفيضات، تأجيل شراء منزل أو سيارة، خفض أو الغاء الادخار.
استنزاف الدخل
* ولكن.. ما السلع والخدمات الأكثر استنزافًا لرواتب الأسر في ظل ما يشهده العالم من تضخم؟ وما المؤشرات التي يجب أن يراقبها الفرد لمعرفة إن كان دخله يتحسن أم يتراجع فعليًّا؟
في الوقت الذي تختلف أولويات الإنفاق من أسرة إلى أخرى، فإنه بشكل عام، هناك سلع وخدمات أصبحت تستحوذ على الجزء الأكبر من الرواتب مع موجات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة خلال السنوات الأخيرة بعد ان كانت تتطلب نصيبا اقل بكثير.
ويرى مختصون أن أخطر ما في ارتفاع تكاليف المعيشة هو أن معظم هذه المصروفات تُصنف ضمن «الاحتياجات الأساسية»، وليس الكماليات، ما يقلل قدرة الأسر على الادخار أو الاستثمار أو مواجهة الطوارئ المالية.
وإجمالا يأتي السكن في مقدمة أكثر البنود استنزافًا للدخل في اغلب المجتمعات سواء من خلال الإيجارات أو أقساط التمويل العقاري.
وحتى من يمتلك سكنا مستقلا، باتت المواد الغذائية تشكل عبئًا متزايدًا على الميزانيات المنزلية، مع ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن والزيوت والخضراوات والمنتجات الأساسية، ما جعل الأسر تنفق مبالغ أكبر على الاحتياجات اليومية مقارنة بالسنوات الماضية. يضاف الى ذلك:
* فواتير الكهرباء والماء والاتصالات والإنترنت.
* الوقود والمواصلات وتكاليف صيانة السيارات.
* التعليم، خصوصًا المدارس الخاصة والدروس الإضافية.
* الرعاية الصحية والأدوية والتأمين الطبي.
* القروض والبطاقات الائتمانية والأقساط الشهرية.
* الترفيه والمطاعم والتسوق الإلكتروني.
يضاف الى ذلك، تغير اجباري في نمط الاستهلاك والاولويات خلال السنوات الماضية، فمثلا أصبحت الخدمات الرقمية والاشتراكات الشهرية جزءًا ثابتًا من الإنفاق لدى الأسر، وعلى الرغم من انها تبدو مصاريف صغيرة منفردة لكنها تتراكم شهريًا.
هنا نعود الى السؤال الثاني، ما المؤشرات التي يجب أن يراقبها الشخص لمعرفة إن كان دخله يتحسن أم يتراجع فعليًا؟
في الواقع، لا يكفي النظر إلى رقم الراتب فقط، بل يجب مراقبة مجموعة مؤشرات تعكس «القوة الشرائية» والوضع المالي الحقيقي. وأبرز هذه المؤشرات:
أولا: القوة الشرائية. وهو المؤشر الأهم، حيث يجب ان تتساءل عما اذا كان راتبك يستطيع شراء نفس كمية السلع والخدمات كما في السابق؟ هل باتت نفس السلة في السوبرماركت تكلف أكثر؟ إذن هذا يعني أن القوة الشرائية تتراجع. في حين إذا كنت قادرا على الشراء بنفس المعدل أو أكثر فإن هذا يعكس تحسنا حقيقيا في الدخل.
ثانيا: نسبة الدخل المخصصة للضروريات: هناك ثلاثة جوانب يجب ان تراقبها وهي كلفة السكن، الغذاء، الفواتير. فإذا ارتفعت نسبة الانفاق على أي منها مع الوقت، فهذا يعني أن وضعك المالي يتدهور حتى لو زاد الراتب.
ثالثا: القدرة على الادخار. وهنا يجب ان تقارن: هل تستطيع الادخار نهاية الشهر؟ هل انخفض مبلغ الادخار مقارنة بالسنوات السابقة؟ إذا حدث تراجع في هذا الجانب مع ثبات أنماط الاستهلاك والاولويات، فهو يعني تراجع الدخل الحقيقي حتى لو زاد راتبك الاسمي.
رابعا: مستوى الديون: ومن أبرز المؤشرات هنا، هل بت تحتاج إلى قروض أو بطاقات ائتمان أكثر من السابق؟ هل تزداد الأقساط الشهرية؟ فزيادة الديون مؤشر ضغط مالي وليس تحسنا.
خامسا: جودة الحياة الفعلية. وهذا ما يشمل تراجع القدرة على الترفيه والسفر، والاضطرار الى اختيار خيارات أرخص من السابق، والاضطرار الى تأجيل مشتريات كنت تشتريها بسهولة سابقًا.
سادسا: مقارنة الراتب مع التضخم: وهو كما أشرنا، إذا كانت زيادة راتبك أقل من ارتفاع الأسعار، فإن ذلك يعني أن دخلك الحقيقي يتراجع حتى مع الزيادة. والعكس صحيح.
سابعا: مؤشرات السوق. هنا نعتمد على البيانات الرسمية مثل مؤشر أسعار المستهلك (CPI) وتقارير التضخم من البنوك المركزية والدراسات الاقتصادية.
في الجزء الثاني من الموضوع نستعرض العلاقة بين ارتفاع الأجور والتضخم، وتأثر التضخم على الطبقات المتوسطة في المجتمعات، وعلى تغير أولويات الأسر في هذه الطبقات.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك