جاء نصف نهائي كأس ولي العهد للكرة الطائرة ليؤكد مرة أخرى أن مباريات الكؤوس لا تعترف بالتوقعات المسبقة، وأن التفاصيل الصغيرة وحدها هي التي تصنع الفارق في المنعطفات الكبرى. وبين مواجهة دار كليب وبني جمرة التي حملت الكثير من الندية والإثارة، وأخرى جمعت المحرق والأهلي وحسمتها الأفضلية الفنية والتركيز الذهني في نصف نهائي كأس ولي العهد للكرة الطائرة وسط حضور جماهيري جيد العدد أضفى أجواء على الأمسية التنافسية، ورفع من قيمتها الفنية والمعنوية، نجح دار كليب والمحرق في بلوغ النهائي المنتظر لأغلى كؤوس اللعبة.
دار كليب × بني جمرة
في المواجهة الأولى، خالف بني جمرة كل التوقعات التي صبت قبل المباراة في مصلحة دار كليب، وقدم واحدة من أفضل مبارياته هذا الموسم، خصوصا في الشوط الأول الذي فرض فيه أفضليته بجدارة، وثقة كبيرة داخل الملعب. وكان ذلك الشوط بمثابة «ترمومتر» اللقاء بأكمله، إذ كشف مبكرا عن ربكة غير معتادة في أداء دار كليب، مقابل جرأة وثقة ظهرتا بوضوح لدى لاعبي بني جمرة، الذين دخلوا المباراة بعقلية الفريق الذي لا يملك ما يخسره، فظهروا أكثر تحررا على مستوى الأداء والقرار الهجومي.
تميز بني جمرة بسرعة الأداء والتنويع الهجومي بقيادة صانع الألعاب أحمد حسين، الذي لعب واحدة من أفضل مبارياته هذا الموسم، بعدما نجح في توزيع اللعب بذكاء كبير، وعدم منح حائط صد دار كليب فرصة الاستقرار أو قراءة اتجاه الكرة. واستفاد من ذلك ضاربوه منتظر علي وعبدالله محمد وحسين الورقاء وإلياس جعفر وحسن ناصر، الذين تحركوا بفاعلية عالية سواء في الأطراف أو عبر الكرات السريعة من العمق، وهو ما منح الفريق أفضلية واضحة في اختراق حائط الصد الداركليبي خلال فترات طويلة من المباراة.
وفي المقابل، بدت كرات دار كليب عالية وبطيئة ومكشوفة نسبيا في بداية اللقاء، كما افتقد الفريق إلى الإيقاع المعروف عنه في التحول من الدفاع إلى الهجوم، وهو ما سهل مهمة دفاع وحائط صد بني جمرة، خصوصا مع تراجع الفاعلية الهجومية في بعض المراكز واعتماد الفريق بصورة أكبر على الحلول الفردية.
لكن الفرق الكبيرة عادة ما تعرف كيف تعود في الوقت المناسب، وهذا ما فعله دار كليب تماما. فالمدرب المونتينيغري إيفان تعامل بهدوء كبير مع مجريات اللقاء ولم يتسرع في إجراء التغييرات، بل ركز على إعادة التوازن النفسي للاعبيه أولا، وهو ما انعكس تدريجيا على الأداء داخل الملعب. كما حضرت خبرة عناصره الأساسية بقيادة محمود عبدالواحد وعلي محمد عبدالـنبي، إلى جانب الإمكانات الكبيرة للكيني إينوك وعلي حبيب، الذين نجحوا في رفع النسق الهجومي وتحسين جودة الإرسال والدفاع الخلفي.
ولم يكن مستغربا أن يعود دار كليب بقوة في الشوط الثاني ويحسمه 25-16، وهو الشوط الذي يمكن اعتباره نقطة التحول الحقيقية في المباراة، ليس فقط من الناحية الفنية، بل أيضا من الجانب النفسي. فقد استعاد الفريق ثقته تدريجيا، وبدأت شخصيته المعتادة في الظهور، خصوصا مع تحسن حائط الصد وتقليل الأخطاء المباشرة، بينما فقد بني جمرة جزءا من الزخم الذي صنعه في البداية.
ورغم خسارته الشوطين الثاني والثالث، فإن بني جمرة أكد شخصيته القوية عندما عاد في الشوط الرابع بصورة مذهلة، في شوط ماراثوني انتهى 30-28 بعد إثارة حبست الأنفاس، وكاد خلاله الفريق أن يجر المواجهة إلى شوط فاصل كان من الصعب التكهن بنهايته. والأهم من ذلك أن الفريق أثبت أنه لم يعد مجرد منافس يبحث عن الظهور المشرف، بل بات يملك شخصية فنية واضحة وهوية قتالية حقيقية جعلته يقف ندا أمام بطل الدوري وأحد أكثر الفرق استقرارا وخبرة.
وفي النهاية، واصل دار كليب حفاظه على شخصية البطل وخبرة التعامل مع اللحظات الحاسمة، وهي الجزئية التي غالبا ما تصنع الفارق في مباريات الكؤوس، بينما بصم بني جمرة بالعشرة على أنه «بعبع الموسم» وحصانه الأسود الحقيقي، بعدما فرض احترامه على الجميع بأدائه وشخصيته القتالية، وقدم نفسه بوصفه فريقا قادرا على مقارعة الكبار متى ما توفرت له الثقة والاستقرار الذهني.
المحرق × الأهلي
أما المواجهة الثانية التي جمعت القلعتين الحمراء (المحرق) والصفراء (الأهلي)، فقد جاءت بعكس كل التوقعات التي سبقت اللقاء. فالمعطيات الفنية كانت تشير إلى مباراة متكافئة وربما الأقوى هذا الموسم، غير أن المحرق فرض أفضليته منذ البداية وظهر الأكثر حضورا وتركيزا وانضباطا تكتيكيا، فيما بدا الأهلي بعيدا عن مستواه المعروف، خصوصا في الجوانب الذهنية والتنظيمية.
وبرز صانع الألعاب محمود العافية بصورة لافتة، بعدما قاد فريقه بتميز جماعي وفردي واضح، وأدار الإيقاع بطريقة ذكية للغاية، إذ نجح في استغلال جودة الاستقبال لخلق حلول هجومية متنوعة أربكت دفاع الأهلي وحائط صده. كما لعب إرسال المحرق دورا محوريا في توجيه المباراة بالشكل الذي أراده الأحمر، بعدما أجبر الأهلي على اللعب تحت الضغط منذ الكرة الأولى، وهو ما أثر بشكل واضح على جودة الاستقبال والتنظيم الهجومي لدى النسور الصفراء.
ونتيجة لذلك، اضطر معدا الأهلي إلى الاعتماد بصورة أكبر على الأطراف، مع غياب واضح للكرات السريعة واللعب المتوازن من العمق، وهو ما صعب من مهمة الضاربين، وفي مقدمتهم البرازيلي لوكاس، الذي وجد نفسه في مواجهة حائط صد منظم ومتمركز بصورة جيدة. كما أن غياب التنويع الهجومي أفقد الأهلي كثيرا من خطورته المعتادة، وجعل قراءته أسهل بالنسبة الى المحرق.
ومن النقاط المهمة التي رجحت كفة المحرق أيضا، التفوق الذهني الكبير في إدارة تفاصيل اللقاء. فالفريق لعب بهدوء وثقة حتى في الفترات التي حاول فيها الأهلي العودة، ولم يفقد تركيزه أو يقع تحت تأثير الضغوط الجماهيرية، بل بدا أكثر تماسكا وانضباطا، وهي أمور تعكس عملا نفسيا وفنيا جيدا داخل الفريق.
وفي المقابل، ظهر الأهلي متوترا في بعض الفترات، كما أن لاعبيه لم ينجحوا في فرض شخصيتهم المعروفة على مجريات اللقاء، خصوصا مع تراجع الفاعلية الهجومية لبعض الأسماء المؤثرة. ويمكن الإشارة هنا إلى أن ابتعاد علي إبراهيم، لاعب مركز 2، عن البروز كعادته، حرم الأهلي من أهم أوراقه الهجومية، إذ يمثل اللاعب عنصر الحسم الأول في الفريق، سواء من حيث إنهاء الكرات أو منح الفريق الثقة في الأوقات الصعبة. وعندما يغيب علي إبراهيم عن مستواه، يتأثر شكل الأهلي الهجومي بصورة مباشرة، وهذا ما بدا واضحا خلال المباراة.
وفي الجانب الآخر، لم يشعر المحرق بغياب أحد أوراقه المهمة ناصر عنان رغم وجوده على مقاعد البدلاء، بعدما قدم البديل مجيد محمد كاظم مباراة كبيرة أكد خلالها جاهزيته وثقة الجهاز الفني به، وهو ما يعكس عمق دكة البدلاء لدى الأحمر وقدرته على إيجاد البدائل الجاهزة في المواعيد الكبرى.
وحاول البرازيلي ريناتو كاسترو، مدرب الأهلي، إعادة فريقه إلى أجواء اللقاء بإجراء عدة تغييرات، من بينها إشراك سيد محمد العبار وحسين منصور وتحويل محمود عبدالحسين إلى مركز 2، إلا أن كل المحاولات اصطدمت بروح معنوية عالية في صفوف المحرق، مدعوما برابطة جماهيرية لم تهدأ طوال المباراة، فاستحق الأحمر فرحته الكبيرة، في الوقت الذي حضر فيه جمهور الأهلي من دون أن يتمكن من لعب الدور المنتظر في دعم فريقه.
وبصورة عامة، فإن نصف النهائي قدم رسائل فنية مهمة قبل النهائي المرتقب. دار كليب أكد أنه يملك عقلية البطل حتى في أصعب الظروف، والمحرق أثبت أنه الأكثر جاهزية ذهنيا وتكتيكيا في هذه المرحلة، فيما أكد بني جمرة أنه مشروع فريق منافس بقوة في المواسم المقبلة، أما الأهلي فبات مطالبا بمراجعة الكثير من التفاصيل الفنية والذهنية إذا ما أراد العودة بصورة أقوى في الاستحقاقات القادمة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك