الهند أكثر المتضررين.. يمر نحو 90% من وارداتها من النفط والغاز عبر مضيق هرمز
خبير اقتصادي: دول الخليج تعيد تقييم استراتيجيتها الاستثمارية لتصبح أكثر حذرا وإدارة للمخاطر
تقرير: علي عبدالخالق
أكد الخبير الاقتصادي محمد العريان، أن تداعيات اضطراب إمدادات الطاقة القادمة من دول الخليج اتسعت لتشمل اقتصادات متعددة حول العالم، في ظل التوترات الجيوسياسية التي أثرت في حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة عالميًا، والذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال.
وقال لـ «أخبار الخليج»، إن هذا الوضع يعكس حساسية الأسواق العالمية لأي خلل في تدفق الإمدادات من المنطقة، خصوصًا مع الاعتماد المتزايد للدول الصناعية والناشئة على الطاقة الخليجية، لتؤكد الأزمة الحالية أن دول الخليج لا تزال تمثل حجر الزاوية في استقرار الاقتصاد العالمي، سواء من حيث إمدادات الطاقة أو من خلال استثماراتها الخارجية.
وحذر الخبير الاقتصادي محمد العريان من تداعيات مالية أوسع، مشيرًا إلى أن التوترات الجيوسياسية دفعت دول الخليج إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الاستثمارية عالميًا.
وقال العريان في مقابلة مع CNN بالعربية: «هناك بالفعل تباطؤ في تدفق رؤوس الأموال الخليجية إلى الأسواق العالمية، والسبب الرئيسي هو عدم اليقين الجيوسياسي الكبير الذي يسيطر على المنطقة». مضيفًا، «أن الدول الخليجية أصبحت أكثر حذرًا وحرصًا على إدارة المخاطر، حيث باتت تطلب عوائد أعلى مقابل المخاطر، مفضلةً التنويع وإدارة المحافظ الاستثمارية بشكل أكثر صرامة، بدلًا من التوجه نحو الاستثمارات الكبيرة والسريعة في الأسواق الغربية كما كان في السابق.
وبرزت الهند كأحد أكثر المتضررين من هذه التطورات، حيث أدى تعطل الشحنات إلى نقص حاد في الغاز الطبيعي، خاصة في مدينة حيدر أباد، التي شهدت طوابير أمام محطات الوقود وتراجعًا في نشاط النقل المعتمد على الغاز المضغوط.
ويأتي ذلك في ظل اعتماد الهند الكبير على واردات الطاقة التي يمر 90% منها عبر مضيق هرمز، ما يجعلها عرضة مباشرة لأي اضطراب في الإمدادات، غير أن الأزمة لم تقتصر على الهند، إذ امتدت آثارها إلى دول آسيوية أخرى تعتمد بدرجات متفاوتة على الغاز المستورد من الخليج.
ففي باكستان، واجهت السلطات تحديات في توفير الغاز، ما دفعها إلى تقنين الإمدادات وإعطاء الأولوية للاستخدامات المنزلية على حساب القطاع الصناعي، وهو ما انعكس سلبًا على الإنتاج.
وفي بنغلاديش، أدى نقص الغاز إلى انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي أثر في المصانع وقطاع التصدير.
أما في شرق آسيا، فقد تأثرت اقتصادات كبرى مثل اليابان وكوريا الجنوبية بارتفاع أسعار الغاز الطبيعي المسال، نظرًا لاعتمادهما الكبير على الاستيراد، ما أدى إلى زيادة تكاليف الإنتاج والطاقة، مع انعكاسات مباشرة على معدلات التضخم.
وفي أوروبا، التي لم تتعافَ بالكامل من تداعيات أزمة الطاقة في السنوات الأخيرة، عادت الضغوط إلى الواجهة مع ارتفاع أسعار الغاز نتيجة اضطراب الإمدادات.
وقد شهدت دول مثل إيطاليا وإسبانيا زيادة في تكاليف الطاقة، ما دفع بعضها إلى اللجوء للمخزونات الاستراتيجية لتخفيف حدة النقص، كما انعكست هذه التطورات على أسعار الكهرباء والإنتاج الصناعي، ما يهدد بعودة موجات تضخمية جديدة في القارة.
ويشير خبراء إلى أن سوق الغاز العالمية أكثر هشاشة من سوق النفط، نظرًا لمحدودية البدائل وسرعة الاستجابة، وهو ما يجعلها أكثر تأثرًا بأي اضطراب مفاجئ في الإمدادات.
لم تقتصر تداعيات الأزمة على قطاع الطاقة، بل امتدت إلى مختلف مفاصل الاقتصاد العالمي، حيث أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما انعكس بدوره على أسعار السلع الأساسية. كما تأثرت صناعات حيوية مثل البتروكيماويات والأسمدة، التي تعتمد بشكل مباشر على الغاز، الأمر الذي قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي والغذائي عالميًا.
ويؤكد مراقبون أن استمرار هذه الاضطرابات قد يضع ضغوطًا إضافية على سلاسل الإمداد العالمية، التي لم تستعد توازنها الكامل بعد، ما يهدد بتباطؤ النمو الاقتصادي في عدد من الدول.
وتعكس هذه التطورات احتمال تعرض الاقتصاد العالمي لما يمكن وصفه بصدمة مزدوجة، تتمثل في اضطراب إمدادات الطاقة من جهة، وتراجع تدفق الاستثمارات الخليجية من جهة أخرى. ويحذر العريان من أن أي تراجع في هذه التدفقات قد يؤثر في مستويات السيولة والاستثمار، خصوصًا في الأسواق الناشئة التي تعتمد بشكل متزايد على رؤوس الأموال الخارجية.
تؤكد الأزمة الحالية أن دول الخليج لا تزال تمثل حجر الزاوية في استقرار الاقتصاد العالمي، سواء من حيث إمدادات الطاقة أو من خلال استثماراتها الخارجية. وفي ظل استمرار التوترات، تبقى الأسواق العالمية عرضة لمزيد من التقلبات، ما يعزز الحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة وتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات.
وفي المحصلة، تكشف أزمة نقص الغاز في آسيا وارتفاع الأسعار في أوروبا عن واقع اقتصادي جديد، يتسم بترابط أكبر بين الجغرافيا السياسية والطاقة والاستثمار، في مشهد يعيد تشكيل ملامح الاقتصاد العالمي خلال المرحلة المقبلة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك