القانون الدولي يدعم البحرين ودول الخليج في المطالبة بالتعويضات
العدوان الإيراني على الأعيان المدنية والبنية التحتية يشكل جرائم حرب
كتب: إسلام محفوظ
تواصل البعثة الدائمة لمملكة البحرين لدى الأمم المتحدة في نيويورك موافاة المجتمع الدولي بكافة المستجدات المتعلقة بالعدوان الإيراني الآثم المستمر على مملكة البحرين، حيث أرسلت سبعة خطابات إلى كلٍ من الأمين العام للأمم المتحدة وإلى رئيس مجلس الأمن تأكيدا لاحتفاظها بحقها الكامل والأصيل في الرد على هذه الاعتداءات بما يتناسب مع شكلها وحجمها، وتأكيدا لحصر جميع الأضرار والخسائر الناتجة عن هذه الهجمات من قبل الجهات المختصة، ضمانا لتحمل إيران المسؤولية الكاملة عن التعويض عن جميع الإصابات والخسائر والأضرار التي تسببت بها ولا تزال تتسبب بها نتيجة هذه الهجمات.
قانونيون أكدوا لـ«أخبار الخليج» أن خطوات مملكة البحرين في ذلك الإطار تعكس تحركات جادة وضمانة قانونية لعدم إفلات إيران من المساءلة القانونية والدولية عما تسببت فيه من اضرار، حيث أشاروا الى ان قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2817 الصادر في 11 مارس 2026 الذي أدان بشدة الاعتداءات الإيرانية على البحرين ودول الخليج، واستهداف المدنيين والبنى التحتية للطاقة والمطارات ومحطات تحلية المياه والفنادق وغيرها من المنشآت المدنية المهمة، وانتهاك سيادة واستقلال وسلامة أراضي دول المنطقة، والذي حظي بتأييد واسع ضماناً لأمن واستقرار المنطقة، يمثل لبنة مهمة للبناء عليها في مطالبة النظام الإيراني بالتعويض عن كافة الأضرار التي لحقت بالأعيان المدنية والبنية التحتية في مملكة البحرين وسائر دولة الخليج العربي.
أسس قانونية
للمطالبة بالتعويض
في البداية أكد الدكتور صلاح دياب عميد كلية الحقوق بجامعة البحرين، أن القانون الدولي أقر بأن أي اعتداء مسلّح غير مشروع على دولة ذات سيادة يترتب عليه مسؤولية دولية وحقٌ للدولة المعتدى عليها في المطالبة بتعويض كامل عن الأضرار التي تلحق بالأعيان المدنية والبنية التحتية جراء الاعتداءات غير المشروعة عليها، ويستند هذا الحق إلى مجموعة من النصوص والمعاهدات الدولية التي ترسخ مبدأ حظر استخدام القوة ومبدأ جبر الضرر الكامل.
وأوضح أن حق الدولة المعتدى عليها في طلب التعويض يقوم على جملة من الأسس أهمها، هو حظر العدوان والاخلال بالالتزامات الدولية، حيث نص ميثاق الأمم المتحدة على تحريم استخدام القوة ضد سلامة أراضي أو استقلال أي دولة، ويمتنع على أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة، ومن ثم فأي هجوم عسكري غير مبرر يعتبر انتهاكًا صارخًا للميثاق وسيُوصَف كـعدوان، وبحكم أن العدوان أخطر انتهاكات القانون الدولي، فإن الدولة المعتدية تتحمل تبعة المسؤولية الدولية عن هذا الفعل غير المشروع.
بالإضافة إلى قواعد القانون الدولي الإنساني (اتفاقيات جنيف) التي تحمي الأعيان المدنية من الاستهداف أثناء النزاعات المسلحة حيث نصت على أنه «لا يجوز أن تكون الأهداف المدنية محلاً للهجوم المسلح»، ومن ثم فإن تدمير أو اتلاف المنشآت المدنية أو البنية التحتية المدنية في سياق نزاع مسلح يُعد انتهاكًا صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني. وعليه تُوجب المادة (91) من البروتوكول الأول صراحةً أن أي طرف في نزاع مسلح ينتهك الاتفاقيات أو هذا البرتوكول يكون ملزماً بتعويض الضرر، كما يكون مسؤولاً عن جميع الأفعال التي يرتكبها أفراد قواته المسلحة، وهو ما يؤكد مبدأ المسؤولية الدولية للدولة المعتدية عن كافة الأضرار حتى في زمن الحرب.
ويشير عميد كلية الحقوق إلى مبدأ المسؤولية وجبر الضرر الكامل ، حيث وفق قرار الجمعيّة العامة للأمم المتحدة بشأن تعريف العدوان، ومن مظاهر العدوان، بطبيعة الحال، القصف بالصواريخ والطائرات المسيرة على المنشآت المدنية والاقتصادية والاستهداف المستمر لها، ومن مظاهره حصار الشواطئ والممرات المائية (مضيق هرمز) ومنع خروج أو مرور السفن وما ترتب على ذلك من أضرار بالغة الخطورة على اقتصادات الدول، سواء في منطقة الخليج أو في غيرها من المناطق الأخرى، بل على سير وانتظام حركة التجارة الدولية، وهي كلها أعمال إجرامية واعتداءات غاشمة يمارسها يومياً النظام الإيراني بصورة سافرة على دول الخليج العربية، لذا فهي أعمال غير مشروعة توجب المسؤولية الدولية لدولة إيران، وتعني المسؤولية هنا الجزاء القانوني الذي يرتبه القانون الدولي العام على عدم احترام الدولة المعتدية لالتزاماتها الدولية.
بمعنى التزام النظام الإيراني المعتدي بتعويض كافة الأضرار التي لحقت بالأعيان المدنية والبنية التحتية بمملكة البحرين وبدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وذلك عن كافة الأفعال غير المشروعة التي ارتكبها ويرتكبها النظام الإيراني يومياً على دول المنطقة، فكل فعل خاطئ دوليًا يترتب عليه التزام المعتدي بجبر كامل للضرر في صورته المادية والمعنوية، ويشمل جبر الضرر أشكالًا عدة وفق قواعد القانون الدولي منها: استعادة الحالة الأصلية (إعادة الحال) إن أمكن، أو التعويض المالي عن الخسائر المادية والمعنوية، أو الترضية (كالاعتذار الرسمي) في حالات معيّنة، وذلك بهدف إزالة آثار العمل غير المشروع وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل وقوع الضرر قدر الإمكان.
آليات المطالبة بالتعويض
ويقول الدكتور صلاح دياب ان التسوية السلمية والمفاوضات تمثل الخطوة الأولى عادةً في هذا الخصوص، وذلك من خلال مطالبة الدولة المعتدية طوعًا بأداء التعويض عبر القنوات الدبلوماسية، وكثيرًا ما تُبرم اتفاقيات سلام أو فرض شروط في معاهدات إنهاء النزاع تلزم الدولة المعتدية بدفع هذه التعويضات، والطريق الثاني هو اللجوء إلى القضاء الدولي (محكمة العدل الدولية): إذا رفضت الدولة المعتدية الوفاء بالتزاماتها، يمكن للدولة المتضررة رفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية(ICJ) ، والطريق الثالث هو التحكيم واللجان الدولية، إذ يمكن إنشاء هيئات تحكيم خاصة أو لجان تعويضات لمعالجة المطالبات، والمثال البارز على ذلك هو لجنة الأمم المتحدة للتعويضات (UNCC) التي أنشأها مجلس الأمن عام 1990، الذي أكد قرار مجلس الأمن رقم (687/1991) مسؤولية إحدى الدولة المعتدية عن كافة الخسائر والأضرار الناجمة عن اعتدائها على دولة مجاورة لها، وأنشأ صندوق تعويضات تديره لجنة تعويضات خاصة، لسداد التعويضات المستحقة في هذا الخصوص.
«جرائم جنائية دولية»
في الوقت ذاته يؤكد الدكتور عوض الله السيد أستاذ القانون في كلية الحقوق بجامعة البحرين خبير التحكيم التجاري الدولي، أن الهجمات الإيرانية على المناطق المأهولة بالسكان، والبنية التحتية النفطية والاقتصادية في دول الخليج العربي، أظهرت أنها عبارة عن هجمات عشوائية تهدف إلى إشاعة الرعب بين السكان المدنيين وإلحاق الضرر الجسيم بالمنشآت المدنية والاقتصادية وهو ما يشكل «جرائم جنائية دولية» وفقا للقواعد القانونية الدولية، وخاصة المادة (8 + 8 مكرر) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
حيث جاء بالمادتين أنه يعد من جرائم الحرب والعدوان تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية، وتعمد توجيه هجمات ضد مواقع مدنية لا تشكل أهدافا عسكرية، مؤكدا أحقية دول الخليج العربية في طلب ملاحقة ومحاكمة المسؤولين الإيرانيين عن هذه الهجمات أمام المحكمة الجنائية الدولية وفقا للمادة 5 من نظامها الأساسي التي جاء فيها - اختصاص المحكمة بنظر أشد الجرائم خطورة موضع اهتمام المجتمع الدولي في الجرائم التالية فقرة (ج) جرائم الحرب، وفقرة (د) جريمة العدوان.
وفيما يخص آلية تحريك المساءلة الجنائية امام المحكمة الجنائية الدولية أوضح أن هناك «عقبة قانونية» تتمثل في أن الجمهورية الإيرانية ليست طرفا في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الدائمة، مما يسلب المحكمة اختصاصها إلا أن ذلك المدخل الدولي الوحيد المتاح في هذا الصدد هو إحالة ملف الاعتداءات الايرانية إلى المحكمة من خلال قرار يتبناه مجلس الأمن الدولي.
حظر استخدام القوة
المحامي والمستشار القانوني عبدالرحمن غنيم يقول ان النظام القانوني الدولي المعاصر يقوم على قاعدة أساسية تعد من أهم قواعده الآمرة، وهي حظر استخدام القوة في العلاقات الدولية، وقد كرّس هذا المبدأ ميثاق الأمم المتحدة الذي نص صراحة على التزام الدول بالامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي.
ويشير الى أن القانون الدولي لا يجيز استخدام القوة إلا في حالتين محددتين على سبيل الحصر، وبناءً على ذلك، فإن أي هجوم عسكري تتعرض له دولة لا تشارك في النزاع ولا تشكل طرفاً فيه يعد – من الناحية القانونية – انتهاكاً صريحاً لمبدأ سيادة الدول ولقاعدة حظر استخدام القوة، وهو ما يندرج في إطار ما يعرف في القانون الدولي بالفعل الدولي غير المشروع».
وعندما يقع مثل هذا الفعل، تقوم المسؤولية الجنائية الدولية للدولة المعتدية، وهي مسؤولية معترف بها ومستقرة في الفقه والقضاء الدوليين، ويترتب على هذه المسؤولية التزام قانوني على الدولة المعتدية يتمثل في وقف الفعل غير المشروع فوراً، وتقديم ضمانات بعدم تكراره، إضافة إلى جبر الضرر وتعويض الدولة المتضررة عن كافة الخسائر التي لحقت بها سواء كانت مادية أو بشرية أو اقتصادية.
وفي هذا الإطار، فإن مملكة البحرين بعد تعرضها لاعتداء عسكري مباشر أو غير مباشر من قبل دولة أخرى – تملك الحق الكامل في المطالبة بحقوقها وفق قواعد القانون الدولي، بما في ذلك رفع دعوى دولية للمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي أصابت أراضيها أو منشآتها أو أمنها الوطني.
مضيفا إن النزاعات القانونية بين الدول تُعرض في الأصل على محكمة العدل الدولية، وهي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة، وتختص هذه المحكمة بالفصل في المنازعات القانونية التي تنشأ بين الدول، كما تصدر أحكاماً ملزمة في القضايا التي تنظرها متى قبلت الأطراف المتنازعة اختصاصها.
ولا يقتصر الأمر على المسؤولية الدولية للدولة فحسب، بل قد تمتد المساءلة – في بعض الحالات – إلى المسؤولية الجنائية الفردية للقادة السياسيين أو العسكريين إذا ثبت ارتكابهم جريمة العدوان وفق قواعد القانون الجنائي الدولي، وهي الجريمة التي أصبحت معترفاً بها في إطار نظام المحكمة الجنائية الدولية، ولا يسعنا سوى تأكيد ان احترام سيادة مملكة البحرين وسلامة أراضيها يمثل حجر الأساس في استقرار النظام الدولي، وأي اعتداء عليها من دولة إيران وغيرها بالرغم من كونها دولة مسالمة وليست طرفاً في النزاع لا يشكل فقط خرقاً لقواعد القانون الدولي، بل يمثل أيضاً تهديداً مباشراً للأمن والسلم الإقليميين، ومن هنا، فإن اللجوء إلى الوسائل القانونية الدولية، وفي مقدمتها القضاء الدولي، يبقى الطريق المشروع لحماية الحقوق وصون سيادة الدول، وترسيخ مبدأ أن القانون الدولي يجب أن يظل المرجعية العليا في مواجهة منطق القوة.
التوثيق
من جانبها تشير المحامية والباحثة القانونية أحلام علي الى أن القانون الدولي أقر مبدأ مسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة دوليًا التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ ورغم أن هذه القواعد لا تُعد معاهدة دولية بالمعنى التقليدي، فإن الفقه والقضاء الدوليين استقرا على اعتبارها تجسيدًا لقواعد راسخة في القانون الدولي العرفي، الأمر الذي يضفي على مبادئها الأساسية صفة الإلزام في مواجهة جميع الدول، ومقتضى هذه القواعد أن الدولة التي ترتكب فعلًا يخالف قواعد القانون الدولي ويترتب عليه إلحاق ضرر بدولة أخرى أو برعاياها، تلتزم بجبر هذا الضرر جبرًا كاملا، ويتخذ جبر الضرر في القانون الدولي أحد الأشكال التي قررتها هذه القواعد، وهي إعادة الحال إلى ما كانت عليه، أو التعويض المالي، أو الترضية، وذلك بحسب طبيعة الضرر وظروف كل حالة، ويمتد نطاق التعويض ليشمل مختلف أنواع الأضرار، بما في ذلك الخسائر المالية المباشرة، والأضرار التي تلحق بالممتلكات، فضلًا عن الأرباح التي حُرم منها المتضرر نتيجة وقوع الفعل غير المشروع.
كما أكدت أن الأفراد والشركات والاستثمارات التي لحقت بها أضرار مادية أو معنوية في مملكة البحرين جراء الاعتداءات الإيرانية، يملكون – من حيث المبدأ – الحق في المطالبة بالتعويض عن هذه الأضرار في إطار قواعد القانون الدولي التي تقر مسؤولية الدولة عن الأفعال غير المشروعة دوليًا غير أن ممارسة هذا الحق لا تتم غالبًا بصورة مباشرة أمام الهيئات الدولية من قبل الأفراد، وإنما من خلال الآليات التي يقرها النظام القانوني الدولي، في مقدمتها قيام الدولة بتبني مطالبات رعاياها المتضررين في إطار ما يُعرف بالحماية الدبلوماسية، أو عبر آليات دولية قد تُنشأ لمعالجة هذه الأضرار مثل اللجان الدولية للتعويض أو إجراءات التحكيم والتسويات الدولية.
مشيرة الى أنه في الوقت الراهن، تبرز أهمية قيام الأفراد والشركات المتضررة في المملكة بتوثيق الأضرار التي لحقت بهم وحفظ الأدلة والمستندات المالية والقانونية المتعلقة بها، تمهيدًا لإمكانية المطالبة بالتعويض عنها متى ما فُتحت الآليات القانونية الدولية للنظر في هذه المطالبات، ويشمل ذلك اللجوء إلى الإجراءات القانونية اللازمة لإثبات هذه الأضرار، مثل إعداد التقارير المحاسبية لتقدير الخسائر المالية، والاحتفاظ بالعقود والسجلات التجارية والفواتير وسجلات التأمين، إضافة إلى توثيق الأضرار التي لحقت بالممتلكات أو المنشآت من خلال التقارير الفنية والصور والمراسلات الرسمية.
كما يمتد ذلك إلى الأفراد الذين تعرضوا لإصابات أو أضرار في ممتلكاتهم، وذلك من خلال الاحتفاظ بالتقارير الطبية وسجلات العلاج والفواتير المرتبطة به، فضلًا عن توثيق الأضرار التي لحقت بالمنازل أو المركبات أو الممتلكات الخاصة، فمثل هذه الأدلة تمثل أساسًا قانونيًا مهمًا لأي مطالبات مستقبلية بالتعويض، وتسهم في حفظ حقوق المتضررين وتمكين الجهات المختصة من الاستناد إليها عند طرح هذه المطالبات في الأطر القانونية الدولية المناسبة.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك