خبراء: الأزمات ترفع المطالبات وتفرض تحديات تشغيلية على الشركات
ارتفاع الطلب على التأمين ضد أخطار الحرب على السيارات والمنازل
تقرير: علي عبدالخالق
أكد عدد من خبراء التأمين أن التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة خلال الفترة الحالية ألقت بظلالها على قطاع التأمين، لا سيما في القطاعات المرتبطة بالنقل البحري والطيران والتأمين ضد أخطار الحرب، مشيرين إلى أن شركات التأمين بدأت بإعادة تقييم مستويات المخاطر وتعديل سياساتها التسعيرية بما يتواكب مع المتغيرات الإقليمية والدولية. وأوضحوا أن تصاعد المخاطر في بعض الممرات المائية الحيوية، إلى جانب التوترات الأمنية في المنطقة، دفع شركات التأمين وشركات إعادة التأمين العالمية إلى اتخاذ إجراءات أكثر تحفظًا، شملت مراجعة شروط التغطيات التأمينية واحتساب المخاطر بشكل أدق، الأمر الذي انعكس في بعض الحالات على قيمة الأقساط أو طبيعة التغطيات المقدمة.
وأشار الخبراء إلى أن هذه التطورات دفعت العديد من الأفراد والشركات إلى إعادة النظر في احتياجاتهم التأمينية، والبحث عن تغطيات إضافية توفر حماية أكبر في ظل الظروف الحالية، خصوصًا التأمينات المرتبطة بأخطار الحرب والمخاطر غير التقليدية التي لم تكن تحظى في السابق بإقبال واسع.
وفي هذا السياق، قال عصام الأنصاري، الرئيس التنفيذي لشركة التكافل الدولية، إن أسواق التأمين العالمية تتأثر بشكل مباشر عند دخول أي منطقة في حالة توترات جيوسياسية أو نزاعات، إذ تبادر شركات إعادة التأمين إلى إجراء مراجعة فورية وشاملة لمستوى المخاطر المرتبطة بتلك المناطق. وأوضح أن هذه الشركات قد تتخذ في كثير من الأحيان قرارات سريعة إما بالانسحاب من تقديم بعض التغطيات المرتبطة بأخطار الحرب، أو بإعادة تقييم شروطها وتسعيرها بشكل أكثر تحفظًا، خاصة في القطاعات الأكثر تأثرًا مثل التأمين البحري الذي يرتبط بشكل مباشر بمخاطر الحرب والنزاعات.
وأشار إلى أن تغطيات أخطار الحرب تقتصر في العادة على عدد محدود من شركات التأمين أو إعادة التأمين العالمية المتخصصة في هذا النوع من المخاطر، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع كبير في كلفة هذه التغطيات. ولفت إلى أن الأسواق شهدت بالفعل زيادات ملحوظة في أسعار وثائق تأمين أخطار الحرب خلال الفترات الأخيرة، حيث وصلت الزيادة في بعض الحالات إلى ما يقارب عشرة أضعاف مقارنة بالأسعار التي كانت سائدة قبل اندلاع النزاعات.
وأوضح الأنصاري لـ«أخبار الخليج»، أن تسعير هذه التغطيات خلال الأزمات يعتمد على مجموعة من العوامل المتداخلة، من أبرزها الموقع الجغرافي للأصل المؤمن عليه ومدى قربه من مناطق النزاع أو الحروب، إضافة إلى مستوى الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة، ووجود تهديدات إضافية مثل الإرهاب أو القرصنة البحرية.
وأضاف أن نوع الأصل المؤمن عليه يعد عاملاً مؤثرًا كذلك في عملية التسعير، سواء كان الأصل سفينة أو طائرة أو مصنعًا أو مبنى أو بضائع، حيث تؤخذ طبيعة الأصل وقيمته ومدى حساسيته للتدمير أو الاستهداف في الاعتبار عند تحديد القسط التأميني. كما تلعب قيمة الأصل المؤمن عليه دورًا رئيسيًا، إذ إن ارتفاع القيمة السوقية للأصل أو البضائع المؤمن عليها يؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة حجم القسط التأميني المطلوب لتغطية المخاطر.
وبيّن أن طبيعة النشاط أو الاستخدام تدخل كذلك ضمن العوامل المؤثرة في التسعير، مثل نقل بضائع عادية أو مواد حساسة أو استراتيجية، إضافة إلى المرور عبر ممرات بحرية أو مناطق جغرافية عالية المخاطر مثل المضائق أو مناطق النزاع. كما يؤثر مستوى الحماية وإدارة المخاطر المتبعة لدى الجهة المؤمن عليها، بما يشمل إجراءات الأمن والحماية وأنظمة المراقبة والحراسة وخطط الطوارئ وإدارة الأزمات والإخلاء.
وأشار إلى أن مدة ونطاق التغطية يمثلان عنصرًا مهمًا في تحديد الأسعار، سواء كانت التغطية لرحلة واحدة أو تغطية سنوية أو تغطية مؤقتة خلال فترات التوترات السياسية أو العسكرية. كما أن ظروف السوق التأميني العالمي تلعب دورًا محوريًا في تحديد الأسعار، خاصة فيما يتعلق بمدى توافر طاقات إعادة التأمين ومستوى المخاطر الجيوسياسية عالميًا، إضافة إلى قرارات وتصنيفات الأسواق العالمية مثل سوق لويدز في لندن التي تقوم بتصنيف بعض المناطق كمناطق حرب أو مناطق مرتفعة المخاطر.
وفيما يتعلق بأنواع التأمين الأكثر طلبًا، أوضح الأنصاري أن سوق التأمين شهد تغيرًا ملحوظًا في أولويات الأفراد والشركات في ظل التوترات الجيوسياسية الحالية، خاصة في أسواق الخليج. فعلى مستوى الشركات، ارتفع الطلب بشكل واضح على تأمينات المخاطر السياسية، وفي مقدمتها تأمينات العنف السياسي التي تشمل تغطيات مثل الحرب والاضطرابات والأعمال الإرهابية.
وأضاف أن العديد من الشركات اتجهت أيضًا إلى إعادة مراجعة وتقييم الوثائق التأمينية السارية للتأكد من كفاية التغطيات وحدودها، والتأكد من شمولها للمخاطر المرتبطة بالتطورات الجيوسياسية الحالية. كما لوحظ اهتمام متزايد بتأمين انقطاع الأعمال وسلاسل الإمداد، خصوصًا لدى الشركات العاملة في قطاعات الطاقة والنقل البحري والخدمات اللوجستية والتجارة الإقليمية.
وأشار إلى أنه على مستوى الأفراد، لوحظ تزايد الطلب على تمديد الوثائق السارية في عدد من تأمينات الأفراد، مثل تأمين المنازل والممتلكات الخاصة، إضافة إلى التأمين البحري مع طلب متزايد على إضافة تغطية أخطار الحرب. كما ارتفع الاهتمام بالتأمين الصحي والتأمين على الحياة باعتبارهما من الأدوات الأساسية لتعزيز الاستقرار المالي للأسرة في ظل حالة عدم اليقين.
كما شهدت بعض الأسواق الخليجية زيادة في الاهتمام بتأمين السفر، خاصة مع ارتفاع المخاطر المرتبطة بالرحلات الجوية أو تغير مسارات السفر في المنطقة. ولفت الأنصاري إلى أن العديد من الشركات بدأت كذلك في إعادة تقييم برامجها التأمينية بشكل أشمل والتركيز بشكل أكبر على إدارة المخاطر المؤسسية، بما يشمل مراجعة حدود التغطية وإضافة ملحقات خاصة بالمخاطر الجيوسياسية، والعمل بشكل أوثق مع شركات التأمين وإعادة التأمين لضمان استمرارية الحماية التأمينية في ظل هذه الظروف.
وأكد أن الظروف الحالية دفعت العملاء في دول الخليج إلى إعطاء أولوية أكبر للحماية من المخاطر غير المتوقعة، وهو ما انعكس في زيادة الطلب على التغطيات المرتبطة بالمخاطر الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد، إلى جانب استمرار الطلب القوي على التأمين الصحي وتأمينات الممتلكات والتأمين على الحياة.
وفيما يتعلق بتأثير التوترات الإقليمية على عمل شركات التأمين، أوضح الأنصاري أن هذه الأوضاع تنعكس بشكل رئيسي على ثلاثة محاور أساسية، أولها تقييم المخاطر السارية، حيث تقوم شركات التأمين بإعادة تحليل المخاطر الجغرافية والاقتصادية المرتبطة بالأعمال المؤمن عليها للتأكد من مستويات التركز والتراكم في المخاطر.
وأضاف أن المحور الثاني يتمثل في إعادة التأمين، إذ تعتمد شركات التأمين المحلية بشكل كبير على أسواق إعادة التأمين العالمية لتوزيع المخاطر. وفي أوقات التوترات الجيوسياسية قد تتجه شركات إعادة التأمين إلى تشديد شروط التغطية أو رفع الأسعار لبعض القطاعات أو المناطق التي تعتبر أكثر عرضة للمخاطر، وقد يصل الأمر أحيانًا إلى الانسحاب من بعض الأخطار عبر إرسال إشعارات إلغاء لشركات التأمين المباشرة وفقًا لاتفاقيات إعادة التأمين.
أما المحور الثالث فيتعلق بإدارة المطالبات، حيث تحرص شركات التأمين على تعزيز جاهزيتها التشغيلية لضمان سرعة التعامل مع أي مطالبات محتملة، مع مراجعة شروط الوثائق والتغطيات للتأكد من وضوحها فيما يتعلق بالمخاطر الاستثنائية أو المرتبطة بالأحداث الجيوسياسية، إضافة إلى التنسيق المستمر مع شركات إعادة التأمين في هذا الجانب.
من جانبه، قال نواف الزياني إن بعض فئات التأمين شهدت ارتفاعًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، خصوصًا في تأمين الشحن والنقل البحري، نتيجة زيادة أقساط تأمين مخاطر الحرب في عدد من الممرات البحرية الحيوية بالمنطقة. وأوضح أن هذا الارتفاع يعود إلى قيام شركات إعادة التأمين العالمية بإعادة تقييم مستوى المخاطر الجيوسياسية ورفع هوامش التسعير في المناطق التي تشهد توترات.
وأضاف أن شركات التأمين أصبحت تأخذ في الاعتبار مجموعة أوسع من العوامل عند تحديد أسعار الوثائق، من بينها استقرار سلاسل الإمداد وتكاليف إعادة التأمين ومستوى التعرض للمخاطر في القطاعات المختلفة. وأشار إلى أن عملية التسعير لم تعد تعتمد فقط على البيانات التاريخية للحوادث، بل أصبحت تعتمد كذلك على تقييم مستمر للتطورات الاقتصادية والجيوسياسية، وذلك لضمان قدرة الشركات على الوفاء بالتزاماتها التأمينية في مختلف الظروف.
وفيما يتعلق بأنواع التأمين الأكثر طلبًا، أوضح الزياني أن السوق شهد في الفترة الأخيرة تحولًا واضحًا في أولويات العملاء، حيث أصبح التركيز أكبر على شمولية التغطية التأمينية بدلاً من البحث عن أقل تكلفة فقط. وعلى مستوى الشركات، يبرز تأمين استمرارية الأعمال في مقدمة التغطيات المطلوبة، نظرًا لدوره في حماية الشركات من الخسائر الناتجة عن توقف العمليات أو تعطل الأنشطة.
وأشار إلى أن الاهتمام ازداد أيضًا بملحقات وثائق تأمين الممتلكات التي تغطي المخاطر المرتبطة بالاضطرابات أو المخاطر السياسية، إلى جانب تنامي الطلب على التغطيات المرتبطة بتعطل سلاسل التوريد، خصوصًا لدى الشركات التي تعتمد بشكل كبير على حركة التجارة والشحن. ولفت إلى أن هذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا لدى العملاء لأهمية التأمين كأداة لإدارة المخاطر وضمان استمرارية الأعمال.
وفيما يتعلق بتأثير التوترات الإقليمية على عمل شركات التأمين، أوضح الزياني أن هذه الأوضاع تنعكس بشكل مباشر على طريقة عمل القطاع، إذ تدفع الشركات إلى إعادة تقييم مستوى المخاطر في الأسواق المختلفة، والتنسيق بشكل أكبر مع شركات إعادة التأمين العالمية لضمان توفر التغطيات المناسبة واستمرار القدرة على استيعاب المخاطر.
وأضاف أن هذه التطورات تدفع شركات التأمين كذلك إلى تطوير منتجات أكثر تخصصًا، مثل التغطيات المرتبطة بالمخاطر السياسية أو انقطاع سلاسل التوريد، بما يساعد الشركات والمستثمرين على حماية أعمالهم في ظل التقلبات. وأكد أن قطاع التأمين يلعب دورًا مهمًا في الحد من تداعيات الصدمات الاقتصادية وتعزيز ثقة المستثمرين، كونه يوفر شبكة حماية تساعد الشركات على الاستمرار والتكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
بدوره، قال خليل إبراهيم، صاحب شركة خليل إبراهيم لخدمات التأمين، إن التوترات الجيوسياسية في الخليج العربي أثرت بشكل كبير على أسعار وثائق التأمين، خاصة في مجال التأمين البحري والتأمين ضد مخاطر الحرب، موضحًا أن أسعار بعض الوثائق شهدت ارتفاعًا نتيجة زيادة احتمالات وقوع خسائر جسيمة في ظل الظروف الراهنة.
وأضاف أن السفن العابرة لمضيق هرمز والبحر الأحمر أصبحت تواجه أقساط تأمين أعلى بسبب تصاعد المخاطر في تلك الممرات الحيوية، إلى جانب تشدد شركات إعادة التأمين التي بدأت تفرض شروطًا أكثر صرامة، مثل رفع نسب التحمل أو تقليص فترات بعض الوثائق، فضلًا عن زيادة الطلب على تغطيات إضافية تشمل أخطار الحرب والشغب والاضطرابات المدنية.
وأشار إبراهيم إلى أن هناك تغيرًا ملحوظًا في أولويات العملاء خلال الفترة الأخيرة، حيث ازداد الطلب على التأمين ضد أخطار الحرب، لافتًا إلى أن هذا النوع من التأمين لم يكن يحظى بإقبال كبير في السابق، إلا أن الظروف الحالية دفعت العديد من الأفراد إلى التفكير فيه، خاصة فيما يتعلق بتغطية الأضرار المحتملة مثل سقوط شظايا أو حوادث مرتبطة بالتصعيد العسكري.
وبيّن أن قطاعات أخرى شهدت أيضًا زيادة في الطلب على التأمين، من بينها التأمين البحري نتيجة التوترات في مضيق هرمز وقناة السويس وخليج عدن، إلى جانب تأمين الطيران بسبب ارتفاع مخاطر التحليق فوق مناطق النزاع، وكذلك تأمينات الطاقة المرتبطة بحماية المنشآت وخطوط الأنابيب.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك