في قراءة تحليلية للمشهد الاقتصادي الراهن، أكد مختصون في قطاعي المال والتأمين أن قدرة مملكة البحرين ودول مجلس التعاون على مواجهة التداعيات الجيوسياسية الحالية تعتمد بشكل أساسي على تكامل أدوات الحماية الاستثمارية مع المرونة التمويلية. وبينما شدد رجل الأعمال المتخصص في مجالي الاستثمار والتأمين، نواف خالد الزياني على الدور المحوري لقطاع التأمين في التكيف مع تقلبات السوق وحماية سلاسل التوريد والتدفقات الاستثمارية عبر حلول مبتكرة لمواجهة مخاطر الحروب، فيما أشارت سيدة الأعمال المتخصصة في مجالي التمويل وريادة الأعمال، سوسن أبو الحسن إلى ضرورة تنويع قنوات التمويل ودعم الشركات الناشئة عبر التكنولوجيا المالية (FinTech) وصناديق رأس المال الجريء، لضمان استدامة الأعمال وتحويل الكفاءات الوطنية إلى قوى اقتصادية منافسة عالمياً.
تحديات تولد فرصاً بعيدة المدى
وقال الزياني إن الاعتبارات الأمنية تظل المحرك الأول لقرارات الاستثمار الأجنبي المباشر، مشيراً إلى أن أي شكوك حول سلامة الاستثمارات أو الكوادر البشرية تضعف الرغبة في الاستثمار بغض النظر عن العوائد المتوقعة.
وتوقع الزياني أن تؤدي الأحداث الجيوسياسية الراهنة في المنطقة إلى إبطاء مؤقت في تدفق رؤوس الأموال نتيجة تبني المستثمرين نهج «الانتظار والترقب»، مؤكداً في الوقت ذاته أن هذا التراجع لن يكون دائماً بفضل السجل الحافل والمزايا التنافسية التي تتمتع بها البحرين ودول مجلس التعاون.
وأضاف الزياني أن ما شهدته الأسواق المالية الخليجية من تذبذب في الآونة الأخيرة، وتأجيل بعض القرارات الاستثمارية في المشاريع الكبرى، يعكس حذر المستثمرين ولجوء الشركات لزيادة تغطية التأمين ضد المخاطر السياسية والحروب. وأوضح أن هذا المشهد يفسر حرص القيادة في دول مجلس التعاون على تجنب الانجرار إلى هذا الصراع، تفادياً للتداعيات الاقتصادية المتسلسلة التي قد تضر ببيئة الأعمال.
وفيما يتعلق بتكاليف الشحن، قال الزياني إن التاريخ يثبت أن صراعات الخليج تؤدي إلى زيادات حادة في أقساط تأمين مخاطر الحرب البحرية، خاصة في الممرات الحيوية مثل مضيق هرمز. وذكر أن المؤشرات الأولية للصراع الحالي بدأت تظهر بالفعل من خلال ارتفاع الأقساط وتعديل شركات الشحن لمساراتها وأسعارها، وهو ما سينعكس تدريجياً على أسعار السلع المستوردة ويخلق ضغوطاً تضخمية تؤثر على ميزانيات الأسر والمستهلكين، خاصة إذا طال أمد التوترات لأسابيع.
وحول أداء قطاع التأمين، أشار الزياني إلى أن القطاع في البحرين والخليج قد نضج بشكل كبير، حيث انتقل من الخطوط التقليدية إلى تقديم منتجات مبتكرة تغطي العنف السياسي وانقطاع سلاسل التوريد. وأضاف أن قطاع التأمين يلعب اليوم دور «المُمكّن» الذي يمتص الصدمات الجيوسياسية، مؤكداً ضرورة الاستمرار في الابتكار لحماية الاستثمارات طويلة الأجل في المشاريع الكبرى بالمنطقة.
واختتم الزياني بتوجيه نصيحة للمستثمرين قائلاً إن الأزمات تولد فرصاً لمن يمتلك رؤية بعيدة المدى، كما حدث في أزمات سابقة. وأضاف أن الخيار الأمثل في الوقت الراهن هو بناء محفظة استثمارية متوازنة تجمع بين «الأصول الدفاعية» كالسيولة والسندات السيادية للتحوط، وبين قطاعات النمو الاستراتيجية التي أثبتت حيويتها مثل الأمن الغذائي والخدمات اللوجستية والرعاية الصحية والتكنولوجيا.
تسريع الوصول إلى التمويل يعزز استقرار الشركات
من جهتها، أكدت أبو الحسن أن التطورات الاقتصادية الإقليمية تسلط الضوء على أهمية تطوير أدوات تمويل مرنة تضمن للشركات الوصول السريع إلى السيولة اللازمة لاستمرار عملياتها.
وأوضحت أبو الحسن أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تحتاج إلى قنوات تمويل أكثر تنوعاً إلى جانب القنوات المصرفية التقليدية، بما يساعدها على التعامل مع أي تباطؤ اقتصادي محتمل، واقترحت تعزيز منصات التمويل الجماعي (Crowdfunding) القائمة على الدين أو الملكية، بما يتيح للشركات الحصول على التمويل من قاعدة أوسع من المستثمرين ضمن إطار قانوني منظم.
كما شددت أبو الحسن على أهمية تفعيل دور صناديق رأس المال الجريء (Venture Capital) بالشراكة بين القطاعين العام والخاص لدعم الشركات الناشئة وتقليل المخاطر الاستثمارية، لافتة إلى الدور المتنامي للتكنولوجيا المالية (FinTech) في تسريع الحصول على التمويل من خلال حلول مبتكرة، مثل الخدمات التمويلية السريعة والتقارير الائتمانية الفورية التي تساعد في اتخاذ قرارات تمويلية مبنية على بيانات دقيقة.
وأكدت في سياق ذي صلة أن التمويل عبر سلاسل التوريد (Supply Chain Finance) مهم للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعمل مع شركات أكبر عن طريق خصم الفواتير مما يساعد على تحسين السيولة.
وأشارت إلى أن هذا التكامل بين التمويل التقليدي وتنويع الأدوات المالية في ظل تقلب الأسواق وتحديات السيولة يساعد على استدامة الشركات بكل فئاتها ويعزز من مكانة البحرين كمركز إقليمي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك