إجراء احترازي يهدف إلى حماية الشركات من الالتزامات التعاقدية في ظروف خارجة عن إرادتها
خبراء: الإنتاج المحلي لن يتضرر.. والإعلان يعطي مساحة قانونية للشركات لإعادة ترتيب عملياتها التشغيلية وإدارة المخاطر
تقرير: علي عبدالخالق
أكد خبراء اقتصاديون أن إعلان عدد من الشركات الاستراتيجية في البحرين حالة القوة القاهرة يعكس حجم التأثير الذي يمكن أن تفرضه التوترات الجيوسياسية والاضطرابات الإقليمية على حركة التجارة الدولية وسلاسل الإمداد، مشيرين إلى أن هذه الخطوة تمثل إجراءً قانونياً احترازياً يهدف إلى حماية الشركات من الالتزامات التعاقدية في ظل ظروف استثنائية خارجة عن إرادتها.
وجاء إعلان القوة القاهرة في أعقاب التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في المنطقة، وما رافقها من اعتداءات إيرانية متكررة على المملكة، الأمر الذي دفع عدداً من الشركات الكبرى العاملة في قطاعات حيوية إلى اتخاذ إجراءات احترازية لضمان إدارة المخاطر التشغيلية المرتبطة بالإنتاج والشحن والتجارة الدولية.
وأعلنت عدة شركات صناعية ولوجستية في البحرين حالة القوة القاهرة، من بينها شركة بابكو إنرجيز في قطاع الطاقة، وشركة ألمنيوم البحرين «ألبا» في قطاع الصناعات الثقيلة، إضافة إلى شركةAPM Terminals Bahrain المشغلة لـ ميناء خليفة، وذلك في ظل التحديات التي تواجه سلاسل الإمداد وحركة الملاحة والنقل في المنطقة.
وتُعرف القوة القاهرة في العقود التجارية بأنها ظرف استثنائي خارج عن إرادة الأطراف المتعاقدة يجعل تنفيذ الالتزامات التعاقدية أمراً مستحيلاً أو شديد الصعوبة، مثل الحروب أو الكوارث الطبيعية أو تعطل الممرات التجارية. وفي مثل هذه الحالات، يسمح هذا الإجراء القانوني للشركات بتعليق أو تأجيل تنفيذ بعض العقود من دون التعرض لغرامات أو تبعات قانونية، إلى حين عودة الظروف إلى طبيعتها.
وقال الخبير الاقتصادي د. فريد بدر: إن التطورات الأخيرة المرتبطة بإعلان عدد من الشركات في البحرين حالة القوة القاهرة يمكن قراءتها من خلال ثلاثة أبعاد اقتصادية رئيسية، في مقدمتها التأثيرات المباشرة على سلاسل الإمداد الإقليمية.
وأوضح بدر أن هذه الإعلانات تعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها سلاسل الإمداد نتيجة المخاطر الجيوسياسية في المنطقة، وخصوصاً ما يتعلق بحركة الملاحة البحرية وتكاليف التأمين والشحن، وهو ما قد يؤدي إلى تأخر عمليات الشحن والتصدير، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، إضافة إلى تأخير وصول المواد الخام والقطع الصناعية، الأمر الذي قد ينعكس بدوره على جداول الإنتاج في بعض المصانع.
وأضاف أن هذه التطورات قد تمتد تأثيراتها إلى عدد من القطاعات الصناعية واللوجستية في المملكة، مشيراً إلى أن البحرين تُعد مركزاً مهماً للصناعات التحويلية والتصدير في المنطقة، لا سيما في قطاعات صناعة الألمنيوم والصناعات المرتبطة بها، وقطاع الطاقة والتكرير والبتروكيماويات، إلى جانب الصناعات البلاستيكية والتعبئة والتغليف والصناعات الغذائية المعتمدة على الاستيراد، فضلاً عن قطاع الخدمات اللوجستية والشحن.
وبيّن بدر أن أي اضطراب في حركة الموانئ أو الشحن قد يؤدي إلى تأثيرات متسلسلة على هذه القطاعات، سواء من حيث الإنتاج أو التدفقات النقدية أو القدرة التنافسية في الأسواق الدولية.
وأشار إلى أنه رغم متانة الاقتصاد البحريني ومرونته، فإن استمرار التوترات لفترة أطول قد يؤدي إلى بعض الانعكاسات الاقتصادية، من بينها تباطؤ مؤقت في الصادرات الصناعية، وارتفاع تكاليف التشغيل للشركات، إلى جانب ضغوط محتملة على السيولة والتدفقات النقدية لدى بعض المؤسسات، فضلاً عن زيادة الحاجة إلى إدارة المخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية.
وأكد أن المؤشرات الأولية تشير إلى أن إعلان القوة القاهرة يأتي في إطار إدارة المخاطر التشغيلية للشركات، وليس بالضرورة مؤشراً على توقف كامل للنشاط الصناعي، لافتاً إلى أن العديد من الشركات تمتلك خطط طوارئ للتعامل مع مثل هذه الظروف.
ولفت إلى أهمية تعزيز مرونة الاقتصاد الوطني في مواجهة مثل هذه التحديات، من خلال تطوير خطط استمرارية الأعمال في القطاعات الصناعية، ودراسة بدائل لوجستية إضافية للشحن والتوريد، إضافة إلى دعم الشركات الصناعية المتأثرة في ما يتعلق بالتمويل والسيولة خلال فترة الأزمة.
كما شدد على أهمية تعزيز التنسيق بين القطاعين الحكومي والخاص لمتابعة تأثيرات الأزمة على سلاسل الإمداد، والعمل على تطوير استراتيجيات طويلة المدى لتعزيز الأمن الصناعي واللوجستي في المملكة.
واختتم تصريحه بتأكيد أن إعلان بعض الشركات حالة القوة القاهرة يعكس حجم التحديات التي قد تفرضها التوترات الجيوسياسية على الاقتصادات المفتوحة المعتمدة على التجارة والصناعة، لكنه في الوقت ذاته يمثل فرصة لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد الوطنية وتطوير سياسات استباقية تضمن استدامة النشاط الصناعي والاقتصادي في المملكة.
بدوره، أكد الباحث الاقتصادي والسياسي مهدي جاسم غلوم أن إعلان بعض الشركات في البحرين حالة القوة القاهرة يعد إجراءً طبيعياً في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة، لافتاً إلى أن مثل هذه الخطوة تلجأ إليها الشركات عندما تتعطل أو تصبح غير مستقرة طرق الملاحة الجوية والبحرية اللازمة لتصدير السلع والمنتجات الوطنية إلى الأسواق العالمية.
وأوضح أن الاعتداءات التي طالت المنطقة خلال الفترة الأخيرة تسببت في عرقلة النشاط المعتاد لحركة الطيران وفرضت قيوداً على بعض مسارات الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ما انعكس بدوره على حركة الصادرات وسلاسل الإمداد المرتبطة بالتجارة الخارجية.
وأشار إلى أن التأثير المباشر لهذه التطورات يتركز بالدرجة الأولى على الصادرات وحركة الشحن الدولي، في حين أن عمليات الإنتاج داخل المصانع واستمرارية التوزيع في السوق المحلي لا تزال قائمة، مؤكداً في الوقت ذاته الأمل في عودة الأوضاع إلى طبيعتها في أقرب وقت ممكن لما لذلك من أهمية كبيرة في الحفاظ على استدامة النشاط الاقتصادي الوطني.
وأضاف أن تأثير هذه الإجراءات الطارئة لا يمكن التقليل منه، وخصوصاً على المدى القصير، حيث قد يفرض تحديات إضافية على الأداء الاقتصادي وعلى برامج الإصلاح الاقتصادي، ومن بينها برنامج التوازن المالي وخطط التعافي الاقتصادي.
وأكد أن البحرين كانت تمضي بخطوات ثابتة نحو تحقيق إصلاحات اقتصادية تهدف إلى تعزيز الاستدامة المالية، مع المحافظة في الوقت ذاته على تنوع الاقتصاد الوطني وجاذبيته للشركات والمستثمرين من مختلف القطاعات، بما يسهم في تحقيق معدلات نمو اقتصادية أفضل خلال المرحلة المقبلة.
وبيّن أن ما تعرضت له المملكة من اعتداءات غير مبررة استهدفت بعض مرافق البنية التحتية، وخصوصاً في القطاع النفطي الحيوي، فرض واقعاً استثنائياً يتطلب التعامل معه بأولويات مختلفة خلال هذه المرحلة.
وأشار إلى أن الظروف الحالية تستدعي من صناع القرار مواصلة العمل لضمان استمرارية الخدمات الأساسية، وتأكيد سلامة المواطنين والمقيمين والزوار، إلى جانب توفير مختلف الخدمات الحيوية على مدار الساعة.
وأعرب عن ثقته في قدرة البحرين على تجاوز هذه التحديات، بفضل تماسك الجبهة الداخلية ودعم الأشقاء، إضافة إلى السياسات الاقتصادية التي عززت مرونة الاقتصاد الوطني خلال السنوات الماضية.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي، د. أكبر جعفري: إن إعلان القوة القاهرة لا يعني بالضرورة توقف العمليات الإنتاجية بشكل كامل، بل يهدف بالدرجة الأولى إلى إعطاء الشركات مساحة قانونية لإعادة ترتيب عملياتها التشغيلية وإدارة المخاطر المرتبطة بتعطل سلاسل الإمداد أو تأخر الشحنات، وخصوصاً في القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على التجارة البحرية والمواد الخام المستوردة.
وأضاف أن القطاعات التي أعلنت القوة القاهرة في البحرين تمثل ركائز أساسية في الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها قطاع الطاقة والصناعات التحويلية والخدمات اللوجستية، وهي قطاعات تلعب دوراً محورياً في دعم الصادرات الصناعية وتعزيز موقع المملكة كمركز إقليمي للتجارة والخدمات.
وأشار إلى أن هذه القطاعات ترتبط بشكل مباشر بحركة التجارة العالمية، ما يجعلها أكثر حساسية تجاه الاضطرابات الجيوسياسية، وخصوصاً إذا كانت تلك الاضطرابات مرتبطة بالممرات البحرية الحيوية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة الطاقة والمواد الخام في العالم.
وبيّن أن إعلان القوة القاهرة في قطاع الطاقة أو الصناعات الثقيلة قد تكون له تداعيات أوسع من مجرد تأخر الشحنات، إذ قد يؤدي إلى إعادة ترتيب العقود التجارية الدولية، وتأجيل بعض الصفقات أو تعديل جداول التسليم، الأمر الذي قد ينعكس بدوره على حركة الأسواق العالمية وأسعار بعض السلع الأساسية.
وأضاف أن الصناعات الثقيلة مثل الألمنيوم والبتروكيماويات تعتمد بشكل كبير على شبكة معقدة من الموردين والمشترين حول العالم، ما يعني أن أي خلل في إحدى حلقات هذه الشبكة يمكن أن يؤدي إلى سلسلة من التأثيرات المتتالية على الإنتاج والنقل والتوزيع.
وختم جعفري، أن الشركات والمؤسسات اللوجستية في المنطقة تدرس في مثل هذه الظروف الاستفادة من مسارات وبدائل لوجستية أخرى لضمان استمرار تدفق السلع والمنتجات إلى الأسواق العالمية، موضحاً أن هناك عدداً من الممرات المائية والطرق البحرية البديلة في المنطقة يمكن أن تُستخدم لتخفيف الضغط على مسارات الملاحة المتأثرة بالأوضاع الأمنية. مشيرًا إلى أن هذه البدائل قد تسهم في استمرار عمليات التوزيع والتصدير، وإن كانت بتكاليف أعلى أو بزمن أطول نسبياً، إلا أنها تظل خياراً مهماً لضمان استمرارية حركة التجارة وتقليل تأثير الاضطرابات الحالية على سلاسل الإمداد.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك