العدد : ١٧٥١٤ - الجمعة ٠٦ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥١٤ - الجمعة ٠٦ مارس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ رمضان ١٤٤٧هـ

أخبار البحرين

الحرب العبثية القاسية.. الصراع وتداعياته في منطقة الخليج العربي

بقلم: سميرة بن رجب

الجمعة ٠٦ مارس ٢٠٢٦ - 02:00

تشهد‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬منذ‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬2026‭ ‬تصعيدًا‭ ‬عسكريًّا‭ ‬كبيرًا‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬مفتوحة‭ ‬تشنها‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬وهي‭ ‬ليست‭ ‬حربًا‭ ‬تقليدية‭ ‬محدودة،‭ ‬بل‭ ‬صراعا‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭ ‬يمتد‭ ‬تأثيره‭ ‬ليشمل‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والمدنيين‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬وشرق‭ ‬المتوسط‭.‬

أهداف‭ ‬الحرب‭ ‬المعلنة‭ ‬والمظلمة

أعلن‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬للحرب،‭ ‬أن‭ ‬هدفها‭ ‬هو‭ ‬تدمير‭ ‬القدرات‭ ‬الصاروخية‭ ‬والعسكرية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬ومنعها‭ ‬من‭ ‬امتلاك‭ ‬سلاح‭ ‬نووي،‭ ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الهدف‭ ‬الأوسع‭ ‬هو‭ ‬‮«‬إسقاط‭ ‬النظام‮»‬‭. ‬أما‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬فقد‭ ‬أعلن‭ ‬أن‭ ‬الضربات‭ ‬جاءت‭ ‬لمنع‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬تحصين‭ ‬برامجها‭ ‬النووية‭ ‬والصاروخية‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭... ‬بينما‭ ‬تؤكد‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحرب‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬جانبا‭ ‬مظلما‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأهداف‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬الكشف‭ ‬عنها،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬سوف‭ ‬ينكشف‭ ‬بعد‭ ‬سكوت‭ ‬أصوات‭ ‬الصواريخ‭ ‬والطائرات،‭ ‬كما‭ ‬حصل‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬العراق‭ (‬2003‭).‬

وأسفرت‭ ‬الضربات‭ ‬الأولية،‭ ‬في‭ ‬الساعة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحرب،‭ ‬عن‭ ‬مقتل‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬الإيراني‭ ‬علي‭ ‬خامنئي،‭ ‬ومعه‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬القادة‭ ‬العسكريين‭ ‬والأمنيين‭. ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬فجّر‭ ‬الموقف‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬وأدى‭ ‬إلى‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬إيرانية‭ ‬عنيفة،‭ ‬أهمها‭ ‬قصف‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي،‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع،‭ ‬مع‭ ‬تبرير‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬الإيرانية‭ ‬بأنه‭ ‬استهداف‭ ‬للقواعد‭ ‬الأمريكية‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬وليس‭ ‬لدول‭ ‬الخليج،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬وقع‭ ‬من‭ ‬دمار‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مدنية‭ ‬وسكنية‭ ‬واقتصادية‭ ‬ومن‭ ‬ضحايا‭ ‬وإصابات‭ ‬بين‭ ‬المدنيين‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭... ‬ومع‭ ‬هذا‭ ‬الحدث‭ ‬بدا‭ ‬واضحاً‭ ‬الانقلاب‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬الهيكل‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري‭ ‬الإيراني،‭ ‬وبزوغ‭ ‬عصر‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬المرشد‭ ‬في‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإسلامية،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يمسك‭ ‬بالقرار‭ ‬المركزي‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬المستويات‭ ‬في‭ ‬إيران‭.‬

مؤشرات‭ ‬الانقسام‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬المركزية

مع‭ ‬متابعة‭ ‬دقيقة‭ ‬لتفاصيل‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬علاقة‭ ‬وثيقة‭ ‬بين‭ ‬التطورات‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬والتصعيد‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬العمليات؛‭ ‬والسؤال‭ ‬هنا‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬الداخلية‭ ‬في‭ ‬إيران،‭ ‬وما‭ ‬تداعياتها‭ ‬على‭ ‬أحداث‭ ‬الخليج؟‭ ‬وهذا‭ ‬ليس‭ ‬سؤالاً‭ ‬عن‭ ‬أخبار‭ ‬عاجلة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬سؤال‭ ‬عن‭ ‬التحليل‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬للآليات‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬بها‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬على‭ ‬الحرب‭.‬

أهم‭ ‬ما‭ ‬بدأ‭ ‬يتضح‭ ‬في‭ ‬التطورات‭ ‬الداخلية‭ ‬هو‭ ‬حدوث‭ ‬انقسام‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬المركزية‭ ‬وسلطة‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬الدولة،‭ ‬بدأ‭ ‬مباشرة‭ ‬بعد‭ ‬وفاة‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى؛‭ ‬واستفراد‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬بمؤسساته‭ ‬وقراراته،‭ ‬كما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬تصريح‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الإيراني،‭ ‬بقوله‭ ‬إن‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬يعمل‭ ‬‮«‬بشكل‭ ‬مستقل‭ ‬ومعزول‮»‬‭ (‬The‭ ‬Week‭).‬

أهم‭ ‬مؤشرات‭ ‬هذا‭ ‬الانقسام‭ ‬هو‭: ‬أ‭- ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الأداء‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬والأداء‭ ‬العسكري،‭ ‬إذ بينما‭ ‬كان‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الإيراني‭ ‬يتصل‭ ‬بمسؤولين‭ ‬عُمانيين‭ ‬وقطريين‭ ‬ليؤكد‭ ‬أن‭ ‬طهران‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬مواجهة‭ ‬مع‭ ‬جيرانها،‭ ‬كان‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬يقصف‭ ‬موانئ‭ ‬هذين‭ ‬البلدين‭ ‬نفسيهما؛‭ ‬وهذا‭ ‬يظهر‭ ‬مدى‭ ‬الانفصام‭ ‬بين‭ ‬المسار‭ ‬السياسي‭ ‬والمسار‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬إيران‭. ‬ب‭- ‬تعزيز‭ ‬دور‭ ‬المتشددين؛‭ ‬أي‭ ‬تعزيز‭ ‬قبضة‭ ‬التيار‭ ‬الأصولي‭ ‬في‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬إلى‭ ‬مديات‭ ‬قادمة،‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬أي‭ ‬تيار‭ ‬إصلاحي،‭ ‬وهؤلاء‭ ‬المتشددون‭ ‬أقل‭ ‬اهتماماً‭ ‬بالاعتبارات‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬وأكثر‭ ‬ميلاً‭ ‬للتصعيد‭. ‬ج‭- ‬غياب‭ ‬القيادة‭ ‬الموحدة وتداعياته،‭ ‬إذ‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬انتخاب‭ ‬مرشد‭ ‬أعلى‭ ‬جديد‭ (‬وهي‭ ‬عملية‭ ‬معقدة‭ ‬قد‭ ‬تستغرق‭ ‬وقتاً‭)‬،‭ ‬فإن‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬يعمل‭ ‬بسلطات‭ ‬مستقلة‭ ‬وغير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن قرارات‭ ‬الحرب‭ ‬قد‭ ‬تتخذ‭ ‬محلياً‮ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬قادة‭ ‬الفروع‭ ‬والأذرع‭.‬

والسؤال‭ ‬هنا‭ ‬كيف‭ ‬يؤثر‭ ‬استقلال‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬عن‭ ‬سلطة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬استراتيجية‭ ‬القتال؟‭ (‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭: ‬تحويل‭ ‬الحرب‭ ‬التقليدية‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬استنزاف‭ ‬لامركزية‭)‬؛‭ ‬وما‭ ‬علاقة‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬باستراتيجية‭ ‬القتال‭ ‬المعنية‭ ‬باستهداف‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وتصعيد‭ ‬وتوسيع‭ ‬رقعة‭ ‬الصراع؟‭ ‬وأيضاً‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مستقبل‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬والتفاوض‭ ‬والحل‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬المُحَاوِر‭ ‬الموثوق‭ ‬به؟

وضع‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬الجديد‭.. ‬

‮«‬جسم‭ ‬بلا‭ ‬رأس‮»‬‭ ‬لكنه‭ ‬مازال‭ ‬يتحرك

وهذا‭ ‬ما‭ ‬نستنتجه‭ ‬مما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬الاعتراف‭ ‬الرسمي‭ ‬من‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الإيراني‭ ‬عباس‭ ‬عراقجي،‭ ‬في‭ ‬تصريحات‭ ‬صادمة‭ ‬لقناة‭ ‬الجزيرة،‭ ‬قال‭ ‬فيها‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬عُمان‭ ‬‮«‬لم‭ ‬يكن‭ ‬خيارنا‮»‬،‭ ‬مضيفاً‭ ‬أن‭ ‬‮«‬وحداتنا‭ ‬العسكرية‭ ‬أصبحت‭ ‬الآن‭ ‬مستقلة‭ ‬ومعزولة‭ ‬نوعاً‭ ‬ما،‭ ‬وتعمل‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬تعليمات‭ ‬عامة‭ ‬مُعطاة‭ ‬لها‭ ‬مسبقاً‮»‬؛‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬ببساطة‭ ‬أن‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يتلقى‭ ‬أوامر‭ ‬لحظية‭ ‬من‭ ‬الحكومة‭ ‬المركزية‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬القيادة‭ ‬المؤقتة،‭ ‬بل‭ ‬يعمل‭ ‬الآن‭ ‬بناءً‭ ‬على‮ «‬وصية‭ ‬خامنئي‭ ‬العسكرية‮»‬‭ ‬أي‭ ‬الخطط‭ ‬والاستراتيجيات‭ ‬التي‭ ‬وضعها‭ ‬المرشد‭ ‬الراحل‭ ‬قبل‭ ‬مقتله،‭ ‬ويقوم‭ ‬الحرس‭ ‬بتنفيذها‭ ‬بشكل‭ ‬ذاتي‭.‬

هذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬هو‭ ‬أن الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬ذراع‭ ‬عسكرية‭ ‬للنظام،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬دولة‭ ‬داخل‭ ‬دولة‮»‬،‭ ‬يدير‭ ‬الحرب‭ ‬باستقلالية،‭ ‬وهذا‭ ‬الوضع‭ ‬الجديد‭ ‬له‭ ‬تأثيرات‭ ‬عميقة‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬الحرب،‭ ‬ويغير‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة‭ ‬بشكل‭ ‬جذري،‭ ‬وله‭ ‬تأثيرات‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭.‬

ولكن‭ ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬أمر‭ ‬طبيعي؟‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬لا؛‭ ‬إذن‭ ‬لماذا‭ ‬هو‭ ‬طبيعي‭ ‬في‭ ‬إيران؟ وهذا‭ ‬ما‭ ‬تجيب‭ ‬عنه‭ ‬تقارير‭ ‬صادرة‭ ‬من‭ ‬بي‭ ‬بي‭ ‬سي‭ (‬BBC‭) ‬وتقول‭ ‬إن‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬يتحكم‭ ‬بترسانة‭ ‬إيران‭ ‬الباليستية‭ ‬والصاروخية‭ ‬وبمعظم‭ ‬مخزون‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيّرة،‭ ‬فمن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لديه‭ ‬خطط‭ ‬طوارئ‭ ‬لمواجهة‭ ‬سيناريو‭ ‬انهيار‭ ‬القيادة‭ ‬المركزية‭.‬

توسيع‭ ‬رقعة‭ ‬الحرب‭ ‬عمدا

بالمحصلة‭ ‬ينتج‭ ‬أن‭ ‬قرار‭ ‬التصعيد‭ ‬بضرب‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬كان‭ ‬مرسوماً‭ ‬من‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬مسبقاً،‭ ‬وأن‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬يقوم‭ ‬بتنفيذ‭ ‬ذلك‭ ‬القرار،‭ ‬في‭ ‬تصعيد‭ ‬يصعب‭ ‬السيطرة‭ ‬عليه‭... ‬وهذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬العسكرية‭ ‬الفسيفسائية‭ ‬اطلق‭ ‬عليها‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬عراقجي‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬الدفاع‭ ‬اللامركزي‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬قيادة‭ ‬مركزية‭ ‬تتحكم‭ ‬بكل‭ ‬صاروخ،‭ ‬يتم‭ ‬بحسب‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الفسيفسائية‭ ‬تفويض‭ ‬الصلاحيات‭ ‬لوحدات‭ ‬ميدانية‭ ‬لديها‭ ‬أهدافها‭ ‬المحددة‭ ‬مسبقاً‭... ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬هجمات‭ ‬الحوثيين‭ ‬في‭ ‬اليمن،‭ ‬والفصائل‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وعمليات‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬بالضرورة‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬خطة‭ ‬موحدة‭ ‬ومنسقة،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تكون‮ «‬مبادرات‭ ‬فردية‮»‬‭ ‬لوحدات‭ ‬مستقلة‭ ‬تسعى‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهدافها‭ ‬الخاصة‭ ‬أو‭ ‬للانتقام‭ ‬لمقتل‭ ‬قائدها‭ ‬الأعلى؛‭ ‬وهذا‭ ‬يجعل‭ ‬الحرب‭ ‬أكثر‭ ‬فوضوية‭ ‬وأقل‭ ‬قابلية‭ ‬للتنبؤ‭.‬

نستنتج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬الهجمات‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ (‬الإمارات،‭ ‬السعودية،‭ ‬قطر،‭ ‬الكويت،‭ ‬البحرين،‭ ‬عُمان‭) ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬خطأً‭ ‬أو‭ ‬‮«‬خياراً‭ ‬سيئاً‮»‬‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري،‭ ‬لأن‭ ‬استهداف‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬يحقق‭ ‬عدة‭ ‬أهداف‭ ‬للحرس؛‭ ‬أهمها‭: ‬أ‭- ‬رفع‭ ‬كلفة‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الدول‭. ‬ب‭- ‬استنزاف‭ ‬الدفاعات‭ ‬الجوية؛‭ ‬أي‭ ‬إجبار‭ ‬أنظمة‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوي‭ ‬الخليجية‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬بكثافة‭ ‬لاعتراض‭ ‬مئات‭ ‬الصواريخ‭ ‬والمسيّرات،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يستنزف‭ ‬مخزونها‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭. ‬ج‭- ‬زعزعة‭ ‬الاستقرار‭ ‬الداخلي‭ ‬باستهداف‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والمصالح‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمدنيين‭.‬

صراع‭ ‬داخلي‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬الخليجية

في‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬تسببت‭ ‬التصريحات‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬إحراج‭ ‬دبلوماسي‭ ‬لدول‭ ‬الخليج؛‭ ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬توجه‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬انتقاداتها‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل‭ (‬كما‭ ‬كان‭ ‬متوقعاً‭)‬،‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرة‭ ‬إلى‭ ‬إدانة‭ ‬الهجمات‭ ‬الإيرانية‭ ‬على‭ ‬أراضيها،‭ ‬ما‭ ‬دفعها‭ ‬إلى‭ ‬اتخاذ‭ ‬مواقف‭ ‬أكثر‭ ‬تشدداً‭ ‬تجاه‭ ‬إيران‭.‬

وهذا‭ ‬يخلق‭ ‬واقعاً‭ ‬جديداً،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أصبحت‭ ‬طرفاً‭ ‬في‭ ‬المعادلة‭ ‬العسكرية‭ ‬دفاعاً‭ ‬عن‭ ‬النفس،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬ترفض‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭.‬

 

الموقف‭ ‬الخليجي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬المعقد

إن‭ ‬ما‭ ‬تشهده‭ ‬المنطقة‭ ‬هو‭ ‬تحول‭ ‬نوعي‭ ‬في‭ ‬الصراع؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬إيران‭ ‬دولة‭ ‬تدير‭ ‬حرباً،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬الفاعلين‭ ‬المسلحين‭ ‬تدير‭ ‬صراعاً‭ ‬متعدد‭ ‬الجبهات،‭ ‬والحرس‭ ‬الثوري‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬الشبكة‭ ‬يعمل‭ ‬بلا‭ ‬قيادة‭ ‬مركزية‭ ‬فعالة‭.‬

هذا‭ ‬الوضع‭ ‬يجعل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬بالغ‭ ‬الصعوبة،‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬عدوٍ‭ ‬غير‭ ‬متوقع‭ ‬وغير‭ ‬منضبط؛‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬ضرب‭ ‬أهداف‭ ‬متعددة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تنسيق‭ ‬مركزي؛‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬مهمة‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬النفس‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬ويجعل‭ ‬أي‭ ‬حل‭ ‬دبلوماسي‭ ‬شبه‭ ‬مستحيل‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬المنظور‭.‬

وأخيراً؛‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تنتهي‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬أو‭ ‬تنتقل‭ ‬إلى‭ ‬مراحل‭ ‬متقدمة‭ ‬سنتحدث‭ ‬في‭ ‬المقال‭ ‬القادم‭ ‬حول‭ ‬السيناريوهات‭ ‬المحتملة‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مرسومة‭ ‬مسبقًا‭.‬

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا