كتب: إسلام محفوظ
في ظل التحول الرقمي المتسارع الذي تشهده مملكة البحرين، باتت البنية التحتية الرقمية تمثل حجر الأساس في ضمان استمرارية الخدمات الحيوية وتعزيز قدرة الدولة على التعامل مع الظروف الطارئة بكفاءة عالية، حيث أرست المملكة دعائم النجاح في ظل التحول الرقمي الذي شهدته فترة جائحة كورونا، وصولا إلى المرحلة الاستثنائية التي تمر بها المملكة والتي كشفت حجم التطور في البنية الرقمية وما يصاحبها من تعزيز للأمن السيبراني.
وأشار عدد من خبراء تكنولوجيا المعلومات لـ«أخبار الخليج» أنه مع ارتفاع معدلات الاعتماد على الخدمات الإلكترونية في مختلف القطاعات، يبرز الأمن السيبراني كركيزة استراتيجية لا غنى عنها لحماية البيانات وتعزيز الثقة في البيئة الرقمية، وبين استثمارات متنامية في شبكات الاتصالات والألياف البصرية ومراكز البيانات، واستراتيجية وطنية واضحة يقودها المركز الوطني للأمن السيبراني، تمضي البحرين بخطى ثابتة نحو ترسيخ مكانتها كمركز رقمي موثوق في المنطقة، مدعومة برؤية طموحة تتناغم مع رؤية البحرين الاقتصادية 2030.
حيث يقول الدكتور جاسم حاجي جاسم رئيس المجموعة العالمية للذكاء الاصطناعي: إن البنية التحتية الرقمية في مملكة البحرين اليوم أصبحت إحدى الركائز الأساسية لقدرة الدولة على الاستجابة للظروف الطارئة وضمان استمرارية الخدمات الحيوية دون انقطاع»، مشيرا إلى أن المملكة شهدت خلال السنوات الماضية استثمارات متسارعة في شبكات الاتصالات، والألياف البصرية، ومراكز البيانات، إضافة إلى الاعتماد المتنامي على البنية التحتية السحابية بشكل عام لتعزيز المرونة التشغيلية وسرعة التوسع عند الحاجة، مضيفا أن الانتشار شبه الكامل للإنترنت حيث تقارب نسبة الاستخدام 99% من السكان يعكس مستوى الاعتماد العالي على الخدمات الرقمية في الحياة اليومية والقطاعين الحكومي والخاص، ما يجعل الجاهزية الرقمية عنصرًا استراتيجيًا لا يمكن الاستغناء عنه.
وأكد أن قوة البنية الرقمية لا تكتمل دون منظومة أمن سيبراني متقدمة تحمي التعاملات الإلكترونية والبيانات الحساسة موضحا أن البيانات تشير إلى أن قطاع الأمن السيبراني في البحرين يشهد نموًا واضحًا من حيث الاستثمار والتبني المؤسسي، حيث يُقدَّر حجم سوق الأمن السيبراني بنحو 424.96 مليون دولار أمريكي في عام 2025، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 559.90 مليون دولار بحلول عام 2030 هذا النمو يعكس زيادة الطلب على حلول حماية الشبكات، وأمن البيانات، وأنظمة كشف التهديدات، وتعزيز قدرات الاستجابة للحوادث في بيئات الأعمال المتغيرة.
وأشاد حاجي بجهود المركز الوطني للأمن السيبراني (NCSC) من خلال الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني 2025 –2028، التي تركز على تعزيز الحماية للبنية الرقمية الوطنية، تطوير الكفاءات الوطنية، ورفع مستوى الامتثال الأمني في الجهات الحيوية، إضافة إلى تعزيز التعاون الوطني والدولي في تبادل معلومات التهديدات وتحسين إدارة الاستجابة لها. ترتكز هذه الاستراتيجية على مفاهيم الاستباقية في مواجهة المخاطر، مما يدعم قدرة الدولة على التعامل مع الحوادث المعقدة بكفاءة عالية.
بصورة عامة، يمكن القول إن البحرين تبنت نموذجًا متكاملًا يجمع بين بنية تحتية رقمية قوية، ونمو متسارع في سوق الأمن السيبراني، وأطر تنظيمية فعالة، واستثمار في التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي، مع تعاون وثيق بين القطاعين العام والخاص. هذه العوامل مجتمعة تعزز جاهزية المملكة لمواجهة التحديات الرقمية في الظروف الطارئة، وتحمي تعاملاتها الإلكترونية، وتدعم مكانتها كمركز رقمي موثوق في المنطقة.
تعزيز الثقة والأمان
من جانبه أكد النائب السابق المستشار الدكتور عبد الله الذوادي، خبير تقنية المعلومات والاتصالات أن مملكة البحرين تتمتع ببنية تحتية رقمية متقدمة على مستوى المنطقة، مدعومة بشبكات الألياف البصرية واسعة الانتشار وتقنيات الجيل الخامس للهواتف النقالة التي توفر سرعات عالية وجودة اتصال مستقرة للمواطنين والمقيمين، مؤكدا أن هذا التطور يعكس استثمارًا مبكرًا واستراتيجية واضحة للتحول نحو اقتصاد رقمي ومجتمع معرفي.
وعدد الذوادي مكونات البنية الرقمية في مملكة البحرين من شبكات الألياف البصرية، وتقنيات الاتصالات الحديثة، ومراكز البيانات، إضافة إلى منظومة واسعة من الخدمات الحكومية الإلكترونية والتطبيقات الرقمية في التعليم والصحة والقطاع المالي وغيرها، مدعومة بإطار تشريعي ينظم المعاملات الرقمية وحماية الخصوصية والبيانات.
وأشار إلى أن الأمن السيبراني عنصر أساسي في حماية الشبكات والأنظمة من التهديدات والهجمات الإلكترونية، وضمان استمرارية الخدمات الرقمية، وحماية البيانات، مؤكدا أنه كلما توسعت الخدمات الرقمية، ازدادت أهمية منظومة الحماية المتقدمة لتعزيز الثقة والأمان وهو ما تبذل فيه المملكة جهودًا واضحة في تطوير منظومة الأمن السيبراني من خلال مراكز متخصصة وحوكمة أمنية للقطاعين العام والخاص، إلى جانب التوسع في الخدمات الإلكترونية والتي أثبتت جدارتها في أوقات الطوارئ، حيت تقدم الخدمات الحكومية دون انقطاع، موضحا أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز الكفاءات الوطنية، ورفع الوعي المجتمعي بأهمية الأمن السيبراني، والاستثمار في التقنيات الذكية والذكاء الاصطناعي الإيجابي لضمان أمن واستدامة التحول الرقمي.
عالمية المستوى ومرونة عالية
من جانبه أشار يعقوب العوضي «إن جي إن» المتخصصة في أنظمة المعلومات المتكاملة وتقديم استشارات تقنية المعلومات، إلى أن البنية التحتية الرقمية في البحرين عالمية المستوى وذات مرونة عالية، بفضل سياسة «السحابة أولاً» الاستشرافية والتطبيق المبكر لتقنية الجيل الخامس على مستوى الدولة، مشيرا أن البحرين لديها بنية تحتية تُضاهي مراكز التكنولوجيا العالمية، من منظور مزودي خدمات الأمن المُدارة، حيث تتميز البنية التحتية بقوة كافية لدعم مراقبة أمنية عالية النطاق الترددي ومنخفضة زمن الاستجابة، وهو أمر بالغ الأهمية للكشف عن التهديدات في الوقت الفعلي، قائلا: «نحن لا نبني مجرد كابلات وأبراج، بل نبني نظامًا بيئيًا موثوقًا تتدفق فيه البيانات بأمان، ويمكن للشركات التوسع دون أي عوائق تقنية».
وأكد أن الأمن السيبراني بمثابة نظام المناعة لبنيتنا التحتية الوطنية، ومع رقمنة كل شيء، بدءًا من شبكات الطاقة وصولًا إلى الخدمات المالية، تتسع رقعة الثغرات الأمنية، مؤكدا أن الأمن السيبراني لا يعد مجرد ميزة إضافية، بل هو أساس الثقة فمن دونه، يفشل التحول الرقمي لأن المستخدمين يفقدون ثقتهم. وبصفتنا مزودًا لخدمات الأمن السيبراني المُدارة، يتمثل دورنا في ضمان بناء بيئة آمنة مُصممة خصيصًا لمواجهة التهديدات العالمية المعقدة، بالتزامن مع توسع المملكة ونموها.
وأوضح أن رؤية البحرين الاقتصادية 2030، تتطلع إلى أن تصبح المملكة مركزًا رائدًا للأمن السيبراني في منطقة الشرق الأوسط بأكملها، وقد وضع المركز الوطني للأمن السيبراني معيارًا ذهبيًا في مجال التنظيم والاستراتيجية، قائلا: «وفي المستقبل أرى أننا نتجه نحو الأمن الذاتي، حيث تتولى تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي معالجة التهديدات الروتينية، مما يتيح لكفاءاتنا المحلية التركيز على الاستراتيجيات رفيعة المستوى».
فيما يشير الخبير التقني عثمان عادل الخان إلى أن البحرين تمتلك بنية رقمية قوية تشمل انتشارا واسعا للإنترنت وشبكات الجيل الخامس وألياف بصرية متقدمة، إلى جانب مراكز بيانات عالية الاعتمادية ومنظومة سحابية إقليمية بالتعاون مع شركة أمازون، مؤكدا أن التجارب والأحداث العالمية المتكررة أثبتت قدرة المملكة على الحفاظ على استقرار خدماتها الرقمية في مختلف الظروف الطارئة، مما يعكس مستوى جاهزية مرتفعة ومرونة تشغيلية واضحة.
وأضاف قائلا: «من وجهة نظري ومما نلامسه، أن البحرين انتقلت من مبادرات متفرقة إلى منظومة مؤسسية واضحة يقودها المركز الوطني للأمن السيبراني، مع استراتيجيات وطنية وضوابط إلزامية للبنية التحتية وهو ما يعكس نضج تنظيمي حقيقي لحماية منظومة البنية التحتية، حيث تقوم منظومة الحماية على إطار متكامل يجمع بين تشريعات واضحة تنظم التعاملات الرقمية، وأنظمة صارمة لحماية البيانات، وإلزام الجهات المالية بالإبلاغ السريع عن أي حادث أمني، لذلك من خلال هذه النقاط فإن البحرين لا تقوم بمجرد حماية تقنية داخل الأنظمة، بل منظومة رقابية متكاملة تضمن سرعة الاستجابة، واحتواء المخاطر، وحماية أموال وبيانات المستخدمين، بما يعزز الثقة في البيئة الرقمية ككل».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك