جسر الملك فهد يعمل على مدار الساعة لاستقبال البضائع من دون توقف
تقرير: علي عبدالخالق
في ظل التطورات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة وما يرتبط بها من تحديات مؤقتة في مضيق هرمز، تتجه الأنظار إلى قدرة الاقتصادات الخليجية على احتواء التداعيات وضمان استمرارية تدفق السلع والطاقة، بالتوازي مع مؤشرات دولية تعكس مرونة قطاع الشحن الجوي عالمياً.
وأكد نبيل خالد كانو، رئيس كتلة استدامة وعضو مجلس إدارة مجموعة يوسف بن أحمد كانو، أن دول مجلس التعاون الخليجي تمتلك من الخبرة والإمكانات ما يؤهلها للتعامل بكفاءة عالية مع هذه الظروف الاستثنائية، مشدداً على الثقة بحكمة القيادات الخليجية وقدرتها على ضمان استقرار الأسواق واستمرارية الإمدادات.
وقال كانو إن دول الخليج عملت خلال السنوات الماضية على بناء منظومة متكاملة للأمن اللوجستي والغذائي والطاقة، تشمل مخزونات استراتيجية وخطط تشغيل بديلة، بما يضمن استمرار تدفق السلع الأساسية من دون تأثير جوهري. وأضاف أن التنسيق الخليجي المشترك يمثل ركيزة أساسية في إدارة المرحلة الحالية، خصوصاً في ظل تكامل البنى التحتية والموانئ والمطارات وشبكات النقل البري.
وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري في مثل هذه الأوضاع يعد أمراً طبيعياً ومؤقتاً، إلا أن قوة الاقتصاد الخليجي وتوافر المخزون الاستراتيجي سيحدّان من أي انعكاسات سريعة على أسعار السلع، متوقعاً بقاء الأسواق مستقرة على المدى القريب.
وبيّن أن قطاع النقل والخدمات اللوجستية في المنطقة يتمتع بمرونة عالية تتيح تحويل جزء من حركة الشحن إلى مسارات وموانئ بديلة خارج الخليج، وإعادة توزيعها براً أو جواً عند الحاجة، لافتاً إلى أن البنية التحتية المتقدمة تمنح الشركات قدرة كبيرة على التكيف السريع مع المتغيرات. كما أشار إلى أن الشركات الكبرى بدأت فعلياً بتطبيق خطط إدارة الأزمات، من خلال إعادة جدولة الشحنات وتعزيز إدارة المخزون والتنسيق المباشر مع الجهات الحكومية، بما يقلل الآثار التشغيلية المحتملة.
وأكد كانو أن هذه التطورات تمثل فرصة لتعزيز استراتيجيات إدارة المخاطر وتنويع مسارات التجارة، وبناء سلاسل إمداد أكثر مرونة واستدامة في المنطقة.
واختتم تصريحه قائلاً «نحن في القطاع الخاص نقف صفاً واحداً خلف قيادتنا الرشيدة، ونثق تماماً بقدرتها على إدارة هذه المرحلة بحكمة واقتدار، بما يحفظ الاستقرار الاقتصادي ويعزز ثقة الأسواق والمستثمرين في دولنا الخليجية».
البدائل متاحة
من جانبه، أكد جاسم محمد الموسوي الرئيس التنفيذي لمجموعة الفاتح المتخصصة في الخدمات اللوجستية، أن المستجدات الإقليمية الراهنة تبرز أهمية الجاهزية المؤسسية وسرعة اتخاذ القرار، مشيراً إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي العربي دخلت هذه المرحلة وهي تستند إلى منظومة مترابطة من خطوط الإمداد البرية الفاعلة، ما يعزز استمرارية حركة التجارة ويكرّس استقرار الأسواق، لا سيما فيما يتعلق بالبضائع المستوردة براً بين الدول الأعضاء.
وأوضح الموسوي أن أبرز ما يميز دول الخليج اليوم هو التكامل العملي بين القطاعين الحكومي والخاص ضمن إطار تشغيلي موحد يهدف إلى ضمان تدفق السلع الحيوية بصورة منتظمة، مؤكداً أن حركة البضائع عبر جسر الملك فهد تسير بانسيابية تامة، بما يعزز استمرارية التبادل التجاري بين مملكة البحرين ودول المجلس.
وأشار إلى أن التطور التشريعي والرقمي في أنظمة المتابعة والتخليص الجمركي أسهم في رفع كفاءة الأداء وتسريع الاستجابة لأي مستجدات، ما انعكس إيجاباً على زمن العبور وسرعة وصول الشحنات إلى الأسواق المحلية.
وفيما يتعلق بتكاليف النقل والتأمين، أكد الموسوي أن الأسواق الخليجية تمتلك القدرة على امتصاص أي تقلبات مرحلية ومؤقتة، بفضل قوة المخزون الاستراتيجي، خصوصاً في المواد الغذائية والسلع الأساسية، إلى جانب تنوع الشراكات ومصادر التوريد. وأضاف أن ديناميكية السوق والمنافسة الإيجابية تسهمان في الحفاظ على توازن سلاسل الإمداد، بما يضمن استقرار الأسعار وتوافر السلع بثقة واستمرارية. وبيّن أن قطاع اللوجستيات في دول الخليج يتمتع ببنية تحتية متقدمة وشبكة خيارات واسعة تشمل النقل البحري والبري والجوي، ما يمنح الشركات مرونة عالية في إعادة توجيه الشحنات وفق المعطيات التشغيلية. وأكد أن الاستثمارات الاستراتيجية في الموانئ والطرق والمناطق اللوجستية عززت مكانة الخليج العربي كمركز إقليمي محوري للتجارة الدولية.
وأضاف الموسوي أن جسر الملك فهد يعمل على مدار الساعة بنظام (24/7) لاستقبال الشاحنات الثقيلة والبضائع من دون توقف، مما يدعم استمرارية التدفقات التجارية ويقلل من أي تأثيرات محتملة على الأسواق.
وفيما يتعلق بميناء خليفة بن سلمان، أوضح أن الأولوية تُمنح حالياً للسلع الأساسية والمنتجات الطبية والغذائية، مع التطلع إلى توسيع نطاق الاستقبال ليشمل بقية البضائع والمواد الأولية خلال المرحلة المقبلة، بما يتماشى مع تطورات الوضع التشغيلي.
كما أعرب عن شكره وتقديره لجهود وزارة الداخلية والجهات المختصة لما تبذله من تعاون ملموس في تسريع إجراءات التخليص الجمركي وضمان وصول البضائع إلى الأسواق في الوقت المناسب، مؤكداً أن التنسيق المستمر بين مختلف الأطراف حافظ على انسيابية العمليات اللوجستية وقلل من أي تأثيرات تشغيلية محتملة.
واختتم الموسوي تصريحه بتأكيده أن هذه المرحلة تمثل فرصة لتعزيز مفاهيم الاستدامة وتنويع الشراكات التجارية، مشدداً على أهمية الوقوف صفاً واحداً خلف القيادة الرشيدة وحكمتها في إدارة هذه الظروف المؤقتة. وأشار إلى أن المنطقة تمضي بثبات نحو نموذج أكثر تطوراً ومرونة في إدارة سلاسل الإمداد، قائم على الابتكار والتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى، بما يعزز مكانتها كمركز اقتصادي مستقر وجاذب للاستثمار على المستويين الإقليمي والدولي.
مرونة عالمية في الشحن الجوي
على الصعيد الدولي، أظهرت بيانات صادرة عن الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) أن الطلب العالمي على الشحن الجوي سجل نمواً بنسبة 5.6% على أساس سنوي في يناير 2026، فيما ارتفعت السعة بنسبة 3.6%، ما يعكس بداية قوية للعام رغم التحديات الجيوسياسية.
وقال ويلي والش، المدير العام لإياتا، إن الطلب على الشحن الجوي «بدأ عام 2026 بقوة»، مشيراً إلى أن الأداء الإقليمي كان متبايناً؛ إذ سجلت شركات الطيران في إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا والمحيط الهادئ وأوروبا معدلات نمو تفوق المتوسط العالمي، في حين شهدت الأمريكتان انكماشاً إجمالياً.
وأضاف أن مرونة قطاع الشحن الجوي ستواجه اختبارات خلال الأشهر المقبلة، في ظل استمرار عدم اليقين المرتبط بالسياسات التجارية الأمريكية، إلى جانب اندلاع أعمال عدائية في الشرق الأوسط وتأثيرها على سلاسل الإمداد العالمية، مؤكداً أهمية تعزيز قابلية القطاع للتكيف والكفاءة عبر التحول الرقمي.
وأظهرت البيانات أن إفريقيا سجلت أعلى معدل نمو في الطلب بنسبة 18.2%، تلتها منطقة الشرق الأوسط بنسبة 9.3%، ثم آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 7.8% وأوروبا بنسبة 6.9%، بينما تراجع الطلب في أميركا الشمالية بنسبة 0.5%، وفي أميركا اللاتينية والكاريبي بنسبة 2%.
كما ارتفعت أحجام الشحن عبر معظم الممرات التجارية الرئيسية، باستثناء مسار آسيا–أمريكا الشمالية الذي سجل تراجعاً طفيفاً، في حين حقق مسار أوروبا–آسيا نمواً قوياً للشهر الخامس والثلاثين على التوالي.
تكامل الرؤية المحلية والدولية
وتعكس المؤشرات الدولية، بالتوازي مع ما أكده كانو، أن قطاع النقل–سواء البحري أو الجوي– يمتلك أدوات التكيف مع المتغيرات، وأن التنوع في المسارات وسرعة التحول بين وسائط النقل يمثلان صمام أمان حيوياً في مواجهة أي اضطرابات مؤقتة.
وبينما يظل مضيق هرمز ممراً استراتيجياً بالغ الأهمية للتجارة والطاقة العالمية، تشير المعطيات إلى أن التخطيط المسبق، وتكامل البنية التحتية الخليجية، ونمو بدائل الشحن الجوي عالمياً، تشكل جميعها عناصر دعم لاستقرار الأسواق والاقتصادات الوطنية في المرحلة المقبلة.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك