العدد : ١٧٤٩٤ - السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٤ - السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ شعبان ١٤٤٧هـ

أخبار البحرين

«نظرية المؤامرة».. مصطلح لغوي وأداة سياسية

بقلم: سميرة بن رجب

السبت ١٤ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يستخدم‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬نظرية‭ ‬المؤامرة‮»‬‭ ‬لتشويه‭ ‬الحقائق‭ ‬التي‭ ‬تقفز‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬التحليلات‭ ‬السياسية‭ ‬الصحيحة‭ ‬والمدركة‭ ‬لألاعيب‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬وتاريخها‭ ‬الاستعماري‭... ‬وأيضًا‭ ‬يعلِّمُنا‭ ‬التاريخ‭ ‬أن‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬السرديات‭ ‬التحليلية‭ ‬للأحداث‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬إنكارها‭ ‬بالأمس،‭ ‬وتم‭ ‬الادعاء‭ ‬بأنها‭ ‬من‭ ‬عقول‭ ‬مريضة‭ ‬بـ«نظرية‭ ‬المؤامرة‮»‬،‭ ‬أصبحت‭ ‬حقائق‭ ‬تاريخية‭ ‬اليوم،‭ ‬لعل‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬السرديات‭ ‬هي‭ ‬مؤامرة‭ ‬‮«‬اتفاقية‭ ‬سايكس‭ ‬بيكو‮»‬‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬ومؤامرة‭ ‬احتلال‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الواحد‭ ‬والعشرين‭. ‬

هناك‭ ‬سياقات‭ ‬عديدة‭ ‬وراء‭ ‬نشوء‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬نظرية‭ ‬المؤامرة‮»‬‭ ‬واستخداماته،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬في‭ ‬المشاريع‭ ‬الاستعمارية‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬تنفيذها‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مقدمات‭ ‬معلنة،‭ ‬ولا‭ ‬أرشيفًا‭ ‬وثائقيًا‭ ‬لاحقًا‭ ‬يمكن‭ ‬اللجوء‭ ‬إليه‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬تفاصيلها‭ ‬وأهدافها‭ ‬وتاريخها‭ ‬الاستبدادي‭. ‬

ولظاهرة‭ ‬انتشار‭ ‬المصطلح‭ ‬جذور‭ ‬قديمة‭ ‬تم‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬التضليل‭ ‬على‭ ‬اتهامات‭ ‬محددة‭ ‬حول‭ ‬الصراعات‭ ‬والحروب؛‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬التطور‭ ‬الحديث‭ ‬برزت‭ ‬الظاهرة‭ ‬مع‭ ‬أحداث‭ ‬كبرى،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭: ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬ذروة‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬لتكذيب‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يتم‭ ‬نشره‭ ‬بدون‭ ‬أدلة‭ ‬ووثائق؛‭ ‬وفي‭ ‬الحركات‭ ‬المناهضة‭ ‬للفصل‭ ‬العنصري‭ ‬التي‭ ‬وُصفت‭ ‬بـ«مؤامرة‭ ‬شيوعية‮»‬؛‭ ‬والمعارضة‭ ‬لحرب‭ ‬فيتنام‭ ‬التي‭ ‬وُصفت‭ ‬بـ«مؤمنون‭ ‬بنظريات‭ ‬مؤامرة»؛‭ ‬كما‭ ‬تم‭ ‬وصف‭ ‬كاشفو‭ ‬فضيحة‭ ‬ووترغيت‭ ‬بأنهم‭ ‬‮«‬يخترعون‭ ‬قصصًا‮»‬‭.‬

في‭ ‬النقد‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الكولونيالي

في‭ ‬سياق‭ ‬النقد‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الكولونيالي‭ ‬والدراسات‭ ‬النقدية‭ ‬للخطاب،‭ ‬هناك‭ ‬رأي‭ ‬تحليلي‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬نظرية‭ ‬المؤامرة‮»‬‭ ‬قد‭ ‬استُخدم‭ ‬بشكل‭ ‬تكتيكي،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬السياقات‭ ‬السياسية‭ ‬والإعلامية‭ ‬المهيمنة،‭ ‬كأداة‭ ‬للتمويه‭ ‬أو‭ ‬التغطية‭ ‬على‭ ‬عدة‭ ‬أمور؛‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬للتضليل‭ ‬وتحويل‭ ‬الأنظار‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬تصنيف‭ ‬أي‭ ‬تحليل‭ ‬يربط‭ ‬الأحداث‭ ‬بمصالح‭ ‬استعمارية‭ ‬أو‭ ‬إمبريالية‭ ‬سابقة‭ ‬أو‭ ‬حالية‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬هوس‭ ‬مؤامراتي‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬تفكير‭ ‬غير‭ ‬عقلاني‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬يلغي‭ ‬شرعيته‭ ‬من‭ ‬النقاش‭ ‬العام‭ ‬الجاد‭... ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬المصطلح‭ ‬كوصم‭ ‬إهانة‭ ‬بهدف‭ ‬إسكات‭ ‬الروايات‭ ‬المنافسة،‭ ‬وتهميش‭ ‬الروايات‭ ‬التاريخية‭ ‬والسياسية‭ ‬البديلة‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬المجتمعات‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬تعرضت‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬سياسات‭ ‬استعمارية،‭ ‬وأنماط‭ ‬من‭ ‬الاستمرارية‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬الغربية‭.‬

ولربما‭ ‬أهم‭ ‬استخدام‭ ‬تكتيكي‭ ‬للمصطلح‭ ‬يتم‭ ‬بهدف‭ ‬نزع‭ ‬الطابع‭ ‬النقدي‭ ‬عن‭ ‬الأفعال،‭ ‬وتحويل‭ ‬التركيز‭ ‬من‭ ‬تحليل‭ ‬المصالح‭ ‬والمشاريع‭ ‬الواقعية،‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬علنية‭ ‬أو‭ ‬سرية،‭ ‬إلى‭ ‬سيكولوجية‭ ‬المُتَلَقّي،‭ ‬وكأن‭ ‬المشكلة‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬‮«‬إيمان‮»‬‭ ‬الناس‭ ‬بالمؤامرة‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬الأفعال‭ ‬القابلة‭ ‬للتحقق‭.‬

مصطلح‭ ‬‮«‬نظرية‭ ‬المؤامرة‮»‬‭ ‬

أداة‭ ‬سياسية

ولكن‭ ‬انفجار‭ ‬ظاهرة‭ ‬استخدام‭ ‬المصطلح‭ ‬كسلاح‭ ‬بدأ‭ ‬منذ‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬هجمات‭ ‬11‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001،‭ ‬وتسارعَ‭ ‬انتشاره‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬الإنترنت،‭ ‬وتطوراته،‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة‭.‬

قبل‭ ‬بدء‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭ (‬2003‭) ‬ظهر‭ ‬مصطلح‭ ‬نظرية‭ ‬المؤامرة‭ ‬بقوة‭ ‬لإنكار‭ ‬مشروع‭ ‬الغزو،‭ ‬وإنكار‭ ‬المشروع‭ ‬الذي‭ ‬سيتم‭ ‬تنفيذه‭ ‬بعد‭ ‬احتلال‭ ‬العراق،‭ ‬وقد‭ ‬تحقق‭ ‬لاحقًا‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تم‭ ‬إنكاره‭ ‬ووصفه‭ ‬بنظرية‭ ‬المؤامرة‭... ‬ومن‭ ‬هذه‭ ‬الكارثة‭ ‬السياسية‭ ‬والإنسانية‭ ‬تبرز‭ ‬نقطة‭ ‬حاسمة‭ ‬حول‭ ‬كيف‭ ‬يتم‭ ‬إطلاق‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬نظرية‭ ‬المؤامرة‮»‬‭ ‬لتكذيب‭ ‬تحذيرات‭ ‬مشروعة‭ ‬تتحقق‭ ‬لاحقًا‭!! ‬وهذه‭ ‬ملاحظة‭ ‬تمس‭ ‬جوهر‭ ‬استخدام‭ ‬المصطلح‭ ‬كأداة‭ ‬سياسية،‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬تحليلا‭ ‬لكيفية‭ ‬تشويه‭ ‬التحذيرات‭ ‬المشروعة‭ ‬والتوقعات‭ ‬الصحيحة‭ ‬بتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬نظريات‭ ‬مؤامرة‮»‬‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬الإعلامي‭ ‬والسياسي‭. ‬

إن‭ ‬الأمثلة‭ ‬التاريخية‭ ‬كثيرة،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬غزو‭ ‬العراق،‭ ‬بل‭ ‬هناك‭ ‬تحذيرات‭ ‬من‭ ‬حروب‭ ‬أخرى،‭ ‬ومن‭ ‬خطط‭ ‬اقتصادية،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬مشاريع‭ ‬سيطرة؛‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬يتم‭ ‬استخدام‭ ‬نفس‭ ‬التكتيك؛‭ ‬أي‭ ‬وصف‭ ‬المُحَذّرِين‭ ‬بأنهم‭ ‬‮«‬مؤمنون‭ ‬بنظريات‭ ‬المؤامرة‮»‬‭ ‬لإفشال‭ ‬قدرة‭ ‬هذه‭ ‬التحذيرات‭ ‬على‭ ‬فضح‭ ‬الحقيقة‭.‬

سلاح‭ ‬المصطلحات

يعد‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬سلاحًا‭ ‬خطيرًا‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬السلطات‭ ‬أو‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬لإسكات‭ ‬الأصوات‭ ‬الناقدة‭ ‬والتحذيرية،‭ ‬لذلك‭ ‬قد‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬توضيح‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬التحذير‭ ‬المشروع‭ ‬ونظرية‭ ‬المؤامرة‭ ‬الهستيرية‭. ‬

إن‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬نظرية‭ ‬المؤامرة‮»‬‭ ‬يعد‭ ‬سلاحًا‭ ‬لإسكات‭ ‬النقد‭ ‬وتشويه‭ ‬تحذيرات‭ ‬حقيقية،‭ ‬وتشتيت‭ ‬الانتباه‭ ‬عبر‭ ‬تحويل‭ ‬النقاش‭ ‬من‭ ‬المخاطر‭ ‬الحقيقية‭ ‬إلى‭ ‬جدال‭ ‬حول‭ ‬ناقلها؛‭ ‬وللتغطية‭ ‬على‭ ‬نوايا‭ ‬ومشاريع‭ ‬حقيقية‭ ‬غير‭ ‬مشروعة،‭ ‬ولشيطنة‭ ‬الآراء‭ ‬المعارضة‭ ‬لتلك‭ ‬المشاريع،‭ ‬ووصم‭ ‬منتقدها،‭ ‬وتشويه‭ ‬شخصيته‭ ‬بأنه‭ ‬مهووس‭ ‬بنظريات‭ ‬المؤامرة‭ ‬والتطرف؛‭ ‬ولتعطيل‭ ‬التفكير‭ ‬النقدي‭ ‬وخلق‭ ‬تابوهات‭ ‬فكرية‭... ‬وفي‭ ‬خلفية‭ ‬المشهد‭ ‬يحتكر‭ ‬أصحاب‭ ‬المشروع‭ ‬صفة‭ ‬العلمية‭ ‬وامتلاكهم‭ ‬الحقيقة،‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬القوة‭ ‬يقرر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬‮«‬مؤامرة‮»‬‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬‮«‬سياسة‭ ‬شرعية‮»‬‭.‬

 

والسؤال‭ ‬هو‭: ‬كيف‭ ‬نُفَرّق‭ ‬بين‭ ‬التحليل‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬أدلة‭ (‬مثال‭ ‬تحذيرات‭ ‬غزو‭ ‬العراق‭)‬،‭ ‬ونظرية‭ ‬المؤامرة‭ ‬اللامنطقية‭ (‬مثال‭ ‬‮«‬الشمس‭ ‬تشرق‭ ‬من‭ ‬الغرب‮»‬‭)‬؟‭ ‬أي‭ ‬متى‭ ‬يكون‭ ‬تحليلًا‭ ‬سليمًا‭ ‬ومتى‭ ‬يكون‭ ‬التحذير‭ ‬‮«‬نظرية‭ ‬مؤامرة»؟‭ ‬والجواب‭ ‬هو‭: ‬عبر‭ ‬المنهجية‭ ‬العلمية‭ ‬والاستشهاد‭ ‬بالمصادر‭ ‬الموثوقة‭ ‬ودراسة‭ ‬السياق‭ ‬التاريخي‭.‬

مؤامرة‭ ‬لغوية‭/‬ثقافية

إن‭ ‬الحقائق‭ ‬والشواهد‭ ‬التي‭ ‬أثبتت‭ ‬مصداقية‭ ‬وعلمية‭ ‬التحليلات‭ ‬النقدية‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬اتهامها‭ ‬‮«‬بهلوسة‭ ‬نظرية‭ ‬المؤامرة‮»‬،‭ ‬تعد‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬شواهد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬نظرية‭ ‬المؤامرة‮»‬‭ ‬نفسَه‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬أنجح‭ ‬المؤامرات‭ ‬اللغوية‭/‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭.‬

لقد‭ ‬استُخدِمَ‭ ‬المصطلح‭ ‬لتحويل‭ ‬النقد‭ ‬إلى‭ ‬مرض‭ ‬نفسي،‭ ‬وتحويل‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬يكشف‭ ‬مؤامرة‭ ‬حقيقية‭ ‬إلى‭ ‬مريض‭ ‬نفسي‭ ‬مؤمن‭ ‬بنظريات‭ ‬المؤامرة؛‭ ‬واستُخدِمَ‭ ‬لاحتكار‭ ‬تعريف‭ ‬‮«‬العقلانية‮»‬،‭ ‬ليصبح‭ ‬العقلاني‭ ‬هو‭ ‬مَن‭ ‬يُصَدّق‭ ‬رواية‭ ‬أصحاب‭ ‬المشاريع،‭ ‬وغير‭ ‬العقلاني‭ ‬هو‭ ‬مَن‭ ‬يشكك‭ ‬فيها،‭ ‬علمًا‭ ‬أن‭ ‬الشك‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬العقلانية‭ ‬العلمية‭.‬

واليوم‭ ‬يتم‭ ‬وصم‭ ‬كل‭ ‬مَن‭ ‬يُحَذر‭ ‬من‭ ‬التقسيم‭ ‬بـ«مؤمن‭ ‬بنظرية‭ ‬المؤامرة‮»‬،‭ ‬ومَن‭ ‬ينتقد‭ ‬التدخلات‭ ‬الخارجية‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬يعيش‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الخيال‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬التخطيط‭ ‬الفعلي‭ ‬يُقدم‭ ‬كـ«سياسة‭ ‬شرعية‮»‬،‭ ‬والفرق‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬الأول‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬السلطة،‭ ‬والثاني‭ ‬يملكها‭.‬

نعم،‭ ‬استخدام‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬نظرية‭ ‬المؤامرة‮»‬‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬مؤامرة‭ ‬إبستمولوجية‭ ‬للسيطرة،‭ ‬ويعتبر‭ ‬مؤامرة‭ ‬سياسية‭ ‬ومؤامرة‭ ‬إعلامية‭ ‬لتخدير‭ ‬الجماهير‭ ‬وتحويل‭ ‬الانتباه‭ ‬عن‭ ‬الجرائم‭ ‬الحقيقية،‭ ‬بينما‭ ‬أعظم‭ ‬مؤامرة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬جعلنا‭ ‬نصدق‭ ‬أن‭ ‬المؤامرات‭ ‬الكبرى‭ ‬لا‭ ‬تحدث،‭ ‬وأن‭ ‬من‭ ‬يتحدث‭ ‬عنها‭ ‬مجنون‭ ‬أو‭ ‬متطرف،‭ ‬ومهووس‭ ‬بنظرية‭ ‬المؤامرة‭.‬

فإذا‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬نظرية‭ ‬المؤامرة‮»‬‭ ‬أداة‭ ‬لتشويه‭ ‬الحقائق،‭ ‬فما‭ ‬هو‭ ‬المصطلح‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نستخدمه‭ ‬للتمييز‭ ‬بين‭ ‬الحقيقة‭ ‬والادعاءات‭ ‬الوهمية؟؟‭... ‬وهنا‭ ‬نعود‭ ‬لتأكيد‭ ‬ضرورة‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬اللغة‭ ‬العلمية‭ ‬المجردة،‭ ‬بوضع‭ ‬الفرضية‭ ‬وإثباتها،‭ ‬والكشف‭ ‬بأدلة‭ ‬موثقة،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬بأدلة‭ ‬تاريخية‭ ‬تثبت‭ ‬صحة‭ ‬الفرضية‭... ‬

وكثير‭ ‬ممن‭ ‬وُصفوا‭ ‬بـ«منظري‭ ‬المؤامرة‮»‬‭ ‬في‭ ‬الماضي‭ ‬أصبحوا‭ ‬اليوم‭ ‬مؤرخين‭ ‬يوثقون‭ ‬جرائم‭ ‬حقيقية،‭ ‬لأن‭ ‬الفرق‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭.‬

خلاصة‭ ‬مهمة

هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬نظريات‭ ‬المؤامرة‭ ‬صحيحة،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬المصطلح‭ ‬لا‭ ‬يصف‭ ‬ظاهرة‭ ‬حقيقية‭ ‬من‭ ‬الاعتقادات‭ ‬غير‭ ‬المدعمة‭ ‬بأدلة‭. ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬نقده‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬الاستخدام‭ ‬السياسي‭ ‬للمصطلح،‭ ‬كسلاح‭ ‬خطابي‭. ‬الفكرة‭ ‬الأساسية‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬إلقاء‭ ‬تهمة‭ ‬المؤامراتية‭ ‬بسرعة‭ ‬أصبح‭ ‬وسيلة‭ ‬لحماية‭ ‬السلطة‭ ‬والنفوذ‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬المشروع،‭ ‬ولتغيير‭ ‬موضوع‭ ‬النقاش‭ ‬من‭ ‬المساءلة‭ ‬عن‭ ‬الأفعال‭ ‬إلى‭ ‬تشويه‭ ‬شخصية‭ ‬أو‭ ‬عقلية‭ ‬الناقد‭.‬

إن‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬‮«‬نظرية‭ ‬المؤامرة‮»‬‭ ‬بمعناها‭ ‬التسفيهي،‭ ‬كرواية‭ ‬خيالية‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للنقاش‭ ‬أو‭ ‬التدقيق،‭ ‬والتحليل‭ ‬النقدي‭ ‬للقوة‭ ‬والمصالح،‭ ‬الذي‭ ‬يبحث‭ ‬في‭ ‬الدوافع‭ ‬والخطط‭ ‬السرية‭ ‬أحيانًا‭ ‬للفاعلين‭ ‬السياسيين‭ ‬والاقتصاديين،‭ ‬هو‭ ‬عامل‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الاثنين،‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬الخلط‭ ‬بينهما‭ ‬عمدًا‭ ‬لغايات‭ ‬التمويه‭ ‬السياسي‭.‬

 

sr@sameerarajab‭.‬net

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا