غالبًا ما يستخدم مصطلح «نظرية المؤامرة» لتشويه الحقائق التي تقفز على سطح التحليلات السياسية الصحيحة والمدركة لألاعيب القوى الكبرى وتاريخها الاستعماري... وأيضًا يعلِّمُنا التاريخ أن كثيرًا من السرديات التحليلية للأحداث التي تم إنكارها بالأمس، وتم الادعاء بأنها من عقول مريضة بـ«نظرية المؤامرة»، أصبحت حقائق تاريخية اليوم، لعل أبرز هذه السرديات هي مؤامرة «اتفاقية سايكس بيكو» في القرن العشرين، ومؤامرة احتلال العراق في القرن الواحد والعشرين.
هناك سياقات عديدة وراء نشوء مصطلح «نظرية المؤامرة» واستخداماته، وخصوصًا في المشاريع الاستعمارية التي يتم تنفيذها من دون مقدمات معلنة، ولا أرشيفًا وثائقيًا لاحقًا يمكن اللجوء إليه للتعرف على تفاصيلها وأهدافها وتاريخها الاستبدادي.
ولظاهرة انتشار المصطلح جذور قديمة تم من خلالها التضليل على اتهامات محددة حول الصراعات والحروب؛ ولكن في التطور الحديث برزت الظاهرة مع أحداث كبرى، على سبيل المثال: الحرب الباردة التي تمثل ذروة هذه الظاهرة لتكذيب ما كان يتم نشره بدون أدلة ووثائق؛ وفي الحركات المناهضة للفصل العنصري التي وُصفت بـ«مؤامرة شيوعية»؛ والمعارضة لحرب فيتنام التي وُصفت بـ«مؤمنون بنظريات مؤامرة»؛ كما تم وصف كاشفو فضيحة ووترغيت بأنهم «يخترعون قصصًا».
في النقد ما بعد الكولونيالي
في سياق النقد ما بعد الكولونيالي والدراسات النقدية للخطاب، هناك رأي تحليلي يقول إن مصطلح «نظرية المؤامرة» قد استُخدم بشكل تكتيكي، وخاصة في السياقات السياسية والإعلامية المهيمنة، كأداة للتمويه أو التغطية على عدة أمور؛ على سبيل المثال للتضليل وتحويل الأنظار عن طريق تصنيف أي تحليل يربط الأحداث بمصالح استعمارية أو إمبريالية سابقة أو حالية بأنه «هوس مؤامراتي» أو «تفكير غير عقلاني»، ما يلغي شرعيته من النقاش العام الجاد... إضافة إلى استخدام المصطلح كوصم إهانة بهدف إسكات الروايات المنافسة، وتهميش الروايات التاريخية والسياسية البديلة التي تقدمها المجتمعات حول ما تعرضت له من سياسات استعمارية، وأنماط من الاستمرارية في السياسات الغربية.
ولربما أهم استخدام تكتيكي للمصطلح يتم بهدف نزع الطابع النقدي عن الأفعال، وتحويل التركيز من تحليل المصالح والمشاريع الواقعية، التي قد تكون علنية أو سرية، إلى سيكولوجية المُتَلَقّي، وكأن المشكلة هي في «إيمان» الناس بالمؤامرة وليس في الأفعال القابلة للتحقق.
مصطلح «نظرية المؤامرة»
أداة سياسية
ولكن انفجار ظاهرة استخدام المصطلح كسلاح بدأ منذ ما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، وتسارعَ انتشاره بشكل غير مسبوق في عصر الإنترنت، وتطوراته، في العقود الأخيرة.
قبل بدء غزو العراق (2003) ظهر مصطلح نظرية المؤامرة بقوة لإنكار مشروع الغزو، وإنكار المشروع الذي سيتم تنفيذه بعد احتلال العراق، وقد تحقق لاحقًا كل ما تم إنكاره ووصفه بنظرية المؤامرة... ومن هذه الكارثة السياسية والإنسانية تبرز نقطة حاسمة حول كيف يتم إطلاق مصطلح «نظرية المؤامرة» لتكذيب تحذيرات مشروعة تتحقق لاحقًا!! وهذه ملاحظة تمس جوهر استخدام المصطلح كأداة سياسية، ما يتطلب تحليلا لكيفية تشويه التحذيرات المشروعة والتوقعات الصحيحة بتحويلها إلى «نظريات مؤامرة» في الخطاب الإعلامي والسياسي.
إن الأمثلة التاريخية كثيرة، وليس فقط في غزو العراق، بل هناك تحذيرات من حروب أخرى، ومن خطط اقتصادية، أو من مشاريع سيطرة؛ وفي كل مرة يتم استخدام نفس التكتيك؛ أي وصف المُحَذّرِين بأنهم «مؤمنون بنظريات المؤامرة» لإفشال قدرة هذه التحذيرات على فضح الحقيقة.
سلاح المصطلحات
يعد هذا المصطلح سلاحًا خطيرًا في يد السلطات أو القوى الكبرى لإسكات الأصوات الناقدة والتحذيرية، لذلك قد يحتاج إلى توضيح كيف يمكن التمييز بين التحذير المشروع ونظرية المؤامرة الهستيرية.
إن مصطلح «نظرية المؤامرة» يعد سلاحًا لإسكات النقد وتشويه تحذيرات حقيقية، وتشتيت الانتباه عبر تحويل النقاش من المخاطر الحقيقية إلى جدال حول ناقلها؛ وللتغطية على نوايا ومشاريع حقيقية غير مشروعة، ولشيطنة الآراء المعارضة لتلك المشاريع، ووصم منتقدها، وتشويه شخصيته بأنه مهووس بنظريات المؤامرة والتطرف؛ ولتعطيل التفكير النقدي وخلق تابوهات فكرية... وفي خلفية المشهد يحتكر أصحاب المشروع صفة العلمية وامتلاكهم الحقيقة، لأن من يملك القوة يقرر ما هو «مؤامرة» وما هو «سياسة شرعية».
والسؤال هو: كيف نُفَرّق بين التحليل الجيوسياسي المبني على أدلة (مثال تحذيرات غزو العراق)، ونظرية المؤامرة اللامنطقية (مثال «الشمس تشرق من الغرب»)؟ أي متى يكون تحليلًا سليمًا ومتى يكون التحذير «نظرية مؤامرة»؟ والجواب هو: عبر المنهجية العلمية والاستشهاد بالمصادر الموثوقة ودراسة السياق التاريخي.
مؤامرة لغوية/ثقافية
إن الحقائق والشواهد التي أثبتت مصداقية وعلمية التحليلات النقدية التي تم اتهامها «بهلوسة نظرية المؤامرة»، تعد في الوقت نفسه شواهد على أن مصطلح «نظرية المؤامرة» نفسَه هو أحد أنجح المؤامرات اللغوية/الثقافية في العصر الحديث.
لقد استُخدِمَ المصطلح لتحويل النقد إلى مرض نفسي، وتحويل الشخص الذي يكشف مؤامرة حقيقية إلى مريض نفسي مؤمن بنظريات المؤامرة؛ واستُخدِمَ لاحتكار تعريف «العقلانية»، ليصبح العقلاني هو مَن يُصَدّق رواية أصحاب المشاريع، وغير العقلاني هو مَن يشكك فيها، علمًا أن الشك هو جوهر العقلانية العلمية.
واليوم يتم وصم كل مَن يُحَذر من التقسيم بـ«مؤمن بنظرية المؤامرة»، ومَن ينتقد التدخلات الخارجية بأنه «يعيش في عالم الخيال»، بينما التخطيط الفعلي يُقدم كـ«سياسة شرعية»، والفرق هنا أن الأول لا يملك السلطة، والثاني يملكها.
نعم، استخدام مصطلح «نظرية المؤامرة» قد يكون في حد ذاته مؤامرة إبستمولوجية للسيطرة، ويعتبر مؤامرة سياسية ومؤامرة إعلامية لتخدير الجماهير وتحويل الانتباه عن الجرائم الحقيقية، بينما أعظم مؤامرة قد تكون جعلنا نصدق أن المؤامرات الكبرى لا تحدث، وأن من يتحدث عنها مجنون أو متطرف، ومهووس بنظرية المؤامرة.
فإذا كانت «نظرية المؤامرة» أداة لتشويه الحقائق، فما هو المصطلح الذي يجب أن نستخدمه للتمييز بين الحقيقة والادعاءات الوهمية؟؟... وهنا نعود لتأكيد ضرورة العودة إلى اللغة العلمية المجردة، بوضع الفرضية وإثباتها، والكشف بأدلة موثقة، حتى لو كانت بأدلة تاريخية تثبت صحة الفرضية...
وكثير ممن وُصفوا بـ«منظري المؤامرة» في الماضي أصبحوا اليوم مؤرخين يوثقون جرائم حقيقية، لأن الفرق كان في السلطة لا في الحقيقة.
خلاصة مهمة
هذا لا يعني أن جميع نظريات المؤامرة صحيحة، ولا أن المصطلح لا يصف ظاهرة حقيقية من الاعتقادات غير المدعمة بأدلة. ولكن ما يتم نقده هنا هو الاستخدام السياسي للمصطلح، كسلاح خطابي. الفكرة الأساسية هي أن إلقاء تهمة المؤامراتية بسرعة أصبح وسيلة لحماية السلطة والنفوذ من النقد المشروع، ولتغيير موضوع النقاش من المساءلة عن الأفعال إلى تشويه شخصية أو عقلية الناقد.
إن الفرق بين «نظرية المؤامرة» بمعناها التسفيهي، كرواية خيالية غير قابلة للنقاش أو التدقيق، والتحليل النقدي للقوة والمصالح، الذي يبحث في الدوافع والخطط السرية أحيانًا للفاعلين السياسيين والاقتصاديين، هو عامل التمييز بين الاثنين، كي لا يتم الخلط بينهما عمدًا لغايات التمويه السياسي.
sr@sameerarajab.net

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك