العدد : ١٧٥٠٤ - الثلاثاء ٢٤ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٤ - الثلاثاء ٢٤ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ رمضان ١٤٤٧هـ

أخبار البحرين

الإرهاق الوظيفي.. موت بطيء لطاقات الموظفين (2-2)

تحقيق: محمد الساعي.

الاثنين ٠٢ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

من‭ ‬الأسباب‭: ‬عبء‭ ‬العمل‭.. ‬غياب‭ ‬العدالة‭ ‬الوظيفية‭.. ‬مركزية‭ ‬القرارات‭.. ‬التحيز‭ ‬الجنسي‭ ‬والعرقي 

الموظف‭ ‬المحترق‭ ‬كفيل‭ ‬بنقل‭ ‬السلبية‭ ‬والشك‭ ‬وثقافة‭ ‬‮«‬الحد‭ ‬الأدنى‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬زملائه

ما‭ ‬يحدث‭ ‬هو‭ ‬تآكل‭ ‬تدريجي‭ ‬للأصول‭ ‬الفكرية‭ ‬وتقويض‭ ‬لرأس‭ ‬المال‭ ‬البشري


‮«‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الأمر‭ ‬مقتصرا‭ ‬على‭ ‬الشعور‭ ‬بالإرهاق‭ ‬الجسدي‭ ‬أو‭ ‬الضيق‭ ‬النفسي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمثل‭ ‬استنزافًا‭ ‬نفسيًا‭ ‬وعاطفيًا‭ ‬يؤثر‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬الأداء‭ ‬الوظيفي‭ ‬والرضا‭ ‬المهني‭ ‬وجودة‭ ‬الحياة‭ ‬بشكل‭ ‬عام‮»‬‭.‬

كلمات‭ ‬مقتضبة‭ ‬ولكنها‭ ‬تعكس‭ ‬حجم‭ ‬التحدي‭ ‬الذي‭ ‬يمثله‭ ‬الاحتراق‭ ‬الوظيفي،‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬التي‭ ‬يواجهها‭ ‬الافراد‭ ‬والمؤسسات،‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬وقفة‭ ‬مهنية‭ ‬جادة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬أمام‭ ‬الأرقام‭ ‬المفزعة‭ ‬التي‭ ‬تشير‭ ‬إليها‭ ‬الدراسات‭. ‬فنحو‭ ‬76%‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭. ‬فيما‭ ‬تؤكد‭ ‬دراسات‭ ‬أجريت‭ ‬حول‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬تفقد‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬37.5‭ ‬مليون‭ ‬يوم‭ ‬إنتاجي‭ ‬سنويًا‭ ‬إثر‭ ‬تداعيات‭ ‬الأمراض‭ ‬النفسية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬3.5‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬خسائر‭ ‬الإنتاجية‭.‬

وفي‭ ‬الواقع،‭ ‬لا‭ ‬تعتبر‭ ‬المشكلة‭ ‬محلية‭ ‬أو‭ ‬إقليمية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬عالمية‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬أغلب‭ ‬بيئات‭ ‬العمل،‭ ‬حيث‭ ‬وجد‭ ‬تقرير‭ ‬عالمي‭ ‬حديث‭ (‬The‭ ‬Burnout‭ ‬Report‭ ‬2025‭) ‬أن‭ ‬حوالي‭ %‬82‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬الاحتراق‭ ‬الوظيفي‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة،‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬النسب‭ ‬بين‭ ‬الموظفين‭ ‬الأصغر‭ ‬سنًا‭.‬

وفي‭ ‬تقرير‭ ‬نشرته‭ ‬The‭ ‬Times‭ ‬استنادًا‭ ‬إلى‭ ‬بحث‭ ‬شركةReed‭  ‬البريطانية‭ ‬للدراسات،‭ ‬أكد‭ ‬85%‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬بأنهم‭ ‬تعرضوا‭ ‬لأعراض‭ ‬الاحتراق،‭ ‬وارتفع‭ ‬ذلك‭ ‬بين‭ ‬الفئات‭ ‬الشابة‭ (‬91%-94%‭ ‬للذين‭ ‬تتراوح‭ ‬أعمارهم‭ ‬بين‭ ‬18‭ ‬و34‭ ‬عاما‭.‬

تشير‭ ‬أرقام‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يخسر‭ ‬12‭ ‬مليار‭ ‬يوم‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬السنة،‭ ‬بسبب‭ ‬اضطرابات‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬للموظفين‭ ‬والعمال‭.‬

ويثبت‭ ‬الخبراء‭ ‬بمجال‭ ‬الإنتاجية‭ ‬أن‭ ‬64%‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬شركة‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬العاملين‭ ‬السليمين‭ ‬نفسيا،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬فإن‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬للموظفين‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬ذيل‭ ‬قائمة‭ ‬الاهتمامات‭ ‬الإدارية‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بظاهرة‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭.‬

كل‭ ‬ذلك‭ ‬يبرز‭ ‬أهمية‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المحور‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعتبر‭ ‬ظاهرة‭ ‬معزولة‭ ‬تتعلق‭ ‬بفئة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬غيرها‭. ‬

أ‭. ‬د‭. ‬عادل‭ ‬إسماعيل‭ ‬العلوي‭.‬

 

في‭ ‬علم‭ ‬الإدارة

استعرضنا‭ ‬في‭ ‬الجزء‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الموضوع‭ ‬الجانب‭ ‬النفسي‭ ‬للإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬وأعراضه‭ ‬وتأثيره‭ ‬على‭ ‬سلوكيات‭ ‬الموظف‭ ‬والعامل‭ ‬وإنتاجيته‭. ‬ولكن‭ ‬يبقى‭ ‬هناك‭ ‬جانب‭ ‬مهم‭ ‬وهو‭ ‬الجانب‭ ‬الإداري،‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬أن‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تدار‭ ‬وفق‭ ‬مبادئ‭ ‬ونظريات‭ ‬إدارية‭ ‬متطورة‭ ‬تنأى‭ ‬بالموظفين‭ ‬عن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الاحتراق‭ ‬الوظيفي‭ ‬أو‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬الذي‭ ‬يستنزف‭ ‬طاقاتهم‭ ‬وقدراتهم‭ ‬ويقلص‭ ‬إنتاجيتهم‭ ‬إلى‭ ‬أدنى‭ ‬مستوى‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬دفعنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحمل‭ ‬حقيبة‭ ‬تساؤلاتنا‭ ‬ونتجه‭ ‬إلى‭ ‬الأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬عادل‭ ‬اسماعيل‭ ‬العلوي‭ ‬استاذ‭ ‬ادارة‭ ‬الاعمال‭ ‬ونظم‭ ‬المعلومات‭ ‬منسق‭ ‬برنامج‭ ‬الماجستير‭ ‬في‭ ‬ادارة‭ ‬الاعمال‭ ‬بكلية‭ ‬التربية‭ ‬والعلوم‭ ‬الادارية‭ ‬والتقنية‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬حيث‭ ‬سألناه‭ ‬بداية‭: ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الإدارة؟‭ ‬ومتى‭ ‬يمكننا‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الشخص‭ ‬بلغ‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة؟

وهو‭ ‬ما‭ ‬أجاب‭ ‬عنه‭ ‬بقوله‭: ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬هو‭ ‬الشعور‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬بطاريتك‭ ‬النفسية‭ ‬قد‭ ‬فرغت‭ ‬تماماً‮»‬‭. ‬وهو‭ ‬أحد‭ ‬الأبعاد‭ ‬الرئيسية‭ ‬للاحتراق‭ ‬الوظيفي،‭ ‬ويُعرف‭ ‬بأنه‭ ‬استنزاف‭ ‬شديد‭ ‬للمشاعر‭ ‬وفقدان‭ ‬الموارد‭ ‬العاطفية‭.‬

ويضيف‭ ‬العلوي‭: ‬ببساطة،‭ ‬هو‭ ‬الإحساس‭ ‬بأنك‭ ‬أعطيت‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬لديك‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬طاقة‭ ‬عاطفية‭ ‬أو‭ ‬نفسية‭ ‬لتقديم‭ ‬المزيد‭. ‬وينشأ‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬نتيجة‭ ‬للضغوط‭ ‬المستمرة‭ ‬والمزمنة‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬التي‭ ‬تتجاوز‭ ‬قدرة‭ ‬الشخص‭ ‬على‭ ‬التحمل؛‭ ‬بمعنى‭ ‬آخر‭ ‬أن‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬هو‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الاستنفاد،‭ ‬حيث‭ ‬يشعر‭ ‬الشخص‭ ‬بالتعب‭ ‬العاطفي‭ ‬والنفسي‭ ‬نتيجة‭ ‬التعرض‭ ‬المستمر‭ ‬للضغط‭ ‬أو‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭ ‬ذات‭ ‬المطالب‭ ‬العالية‭. ‬ويتميز‭ ‬هذا‭ ‬بحالة‭ ‬من‭ ‬التعب‭ ‬الشديد،‭ ‬وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬مصحوبًا‭ ‬بفقدان‭ ‬الطاقة،‭ ‬ومشاعر‭ ‬العجز‭ ‬والانسحاب‭ ‬النفسي‭.‬

‭* ‬متى‭ ‬يصل‭ ‬الشخص‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة؟

‭* ‬يبلغ‭ ‬الشخص‭ ‬مرحلة‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬عندما‭ ‬تتحول‭ ‬المشاعر‭ ‬العابرة‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬مستمرة،‭ ‬وتظهر‭ ‬في‭ ‬أشكال‭ ‬ملموسة‭ ‬يمكن‭ ‬ملاحظتها‭ ‬مثل‭:‬

1‭. ‬التعب‭ ‬المزمن‭ ‬والدائم‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬الراحة‭ ‬والنوم‭.‬

2‭. ‬الانفصال‭ ‬والسلبية،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يشمل‭ ‬فقدان‭ ‬الحماس،‭ ‬ويصبح‭ ‬الشخص‭ ‬سلبيا‭ ‬ولا‭ ‬مبال‭ ‬أو‭ ‬متشككا‭ ‬تجاه‭ ‬العمل،‭ ‬والآخرين‭ ‬ومتذمراً‭ ‬ومنعزلاً‭.‬

3‭. ‬تراجع‭ ‬الشعور‭ ‬بالإنجاز،‭ ‬ونمو‭ ‬الإحساس‭ ‬بالفشل‭ ‬وعدم‭ ‬الكفاءة‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬المجهود‭ ‬غير‭ ‬مُقدر‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬مفيد‭.‬

4‭. ‬أعراض‭ ‬جسدية‭ ‬مثل‭ ‬الصداع‭ ‬المتكرر،‭ ‬واضطرابات‭ ‬النوم‭ ‬وانخفاض‭ ‬المناعة‭.‬

5‭. ‬أعراض‭ ‬عاطفية‭ ‬مثل‭ ‬شعور‭ ‬بالاختناق‭ ‬والإحباط‭ ‬واليأس،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬العمل‭ ‬أصبح‭ ‬سجناً‭ ‬وعبئاً‭ ‬ثقيلاً‭.‬

بين‭ ‬الإرهاق‭ ‬والاحتراق

‭* ‬وهل‭ ‬هناك‭ ‬فرق‭ ‬بين‭ ‬الاحتراق‭ ‬الوظيفي‭ ‬والإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬في‭ ‬العمل؟

‭* ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬مراحل‭ ‬الاحتراق‭ ‬الوظيفي‭. ‬وبحسب‭ ‬نموذج‭ ‬أستاذ‭ ‬علم‭ ‬النفس،‭ ‬جامعة‭ ‬كاليفورنيا،‭ ‬العالمة‭ ‬كريستينا‭ ‬ماسلاك،‭ ‬فإن‭ ‬الاحتراق‭ ‬الوظيفي‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تعب،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬متلازمة‭ ‬كاملة‭ ‬مكونة‭ ‬من‭ ‬ثلاثة‭ ‬أعراض‭ ‬رئيسية‭ ‬تتفاقم‭ ‬معاً‭ ‬وهي‭:‬

1-‭  ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬العرض‭ ‬الأول‭ ‬والأساسي،‭ ‬وهو‭ ‬الشعور‭ ‬بالاستنزاف‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العاطفي‭ ‬والنفسي‭ ‬والجسدي‭.‬

2-‭  ‬تبلد‭ ‬المشاعر‭ ‬والسلبية‭ ‬واللامبالاة،‭ ‬وهو‭ ‬العرَض‭ ‬الثاني،‭ ‬ويمثل‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬دفاعي‭. ‬

3-‭  ‬تراجع‭ ‬الإحساس‭ ‬بالإنجاز‭ ‬الشخصي،‭ ‬وهو‭ ‬العرَض‭ ‬الثالث‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬الضربة‭ ‬القاضية‭ ‬للثقة‭.‬

بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬يمكن‭ ‬تشبيه‭ ‬العلاقة‭ ‬بينهما‭ ‬بأن‭ ‬الاحتراق‭ ‬الوظيفي‭ ‬هو‭ ‬‮«‬مرض‭ ‬الإنفلونزا‭ ‬الشديد‮»‬،‭ ‬ويكون‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬هو‭ ‬العرض‭ ‬الأساسي‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬الحمى‭ ‬والوهن‭ ‬الشديد‭. ‬أما‭ ‬السلبية‭ ‬وتراجع‭ ‬الإنجاز‭ ‬فهما‭ ‬‮«‬الآلام‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬الجسم‭ ‬والسعال‭ ‬الشديد‮»‬‭ (‬الأعراض‭ ‬المصاحبة‭).‬

من‭ ‬هنا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إنه‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تعاني‭ ‬إرهاقا‭ ‬عاطفيا‭ ‬شديدا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الاحتراق‭ ‬الوظيفي‭ ‬الكامل،‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تظهر‭ ‬عليك‭ ‬أعراض‭ ‬اللامبالاة‭ ‬القاسية‭ ‬والشك‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬قيمتك،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬احتراق‭ ‬وظيفي‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬إرهاق‭ ‬عاطفي‭ ‬شديد‭.‬

أنماط‭ ‬خاطئة

‭* ‬إجمالا‭.. ‬ما‭ ‬هي‭ ‬أنماط‭ ‬العمل‭ ‬التي‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬احتمالية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬والاحتراق‭ ‬الوظيفي؟

‭* ‬في‭ ‬الواقع‭.. ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬العوامل‭ ‬المساهمة‭ ‬نظامية‭ ‬وتنظيمية،‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭:‬

‭- ‬عبء‭ ‬العمل‭ ‬المفرط‭ ‬وساعات‭ ‬العمل‭ ‬الطويلة‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭. ‬وهناك‭ ‬أنماط‭ ‬ونماذج‭ ‬عالمية‭ ‬لهذه‭ ‬المشكلة‭ ‬مثل‭ ‬ثقافة‭ ‬‮«‬الرجل‭ ‬المُرتزق‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬كاروشي‮»‬‭ ‬في‭ ‬اليابان،‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬الموت‭ ‬بسبب‭ ‬الإفراط‭ ‬في‭ ‬العمل‭.‬

‭- ‬نقص‭ ‬السيطرة‭ ‬وعدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬القرارات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بعمل‭ ‬الفرد،‭ ‬مثل‭ ‬الهياكل‭ ‬الهرمية‭ ‬العالية‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬الحكومية‭ ‬أو‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬الإحباط‭ ‬والشعور‭ ‬بالعجز‭.‬

‭- ‬المكافآت‭ ‬غير‭ ‬الكافية‭ ‬وعدم‭ ‬التقدير،‭ ‬والأجور‭ ‬المنخفضة‭.‬

‭- ‬عدم‭ ‬الإنصاف‭ ‬وغياب‭ ‬العدالة،‭ ‬والشعور‭ ‬بعدم‭ ‬المساواة‭ ‬في‭ ‬عبء‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬الأجور‭ ‬أو‭ ‬الترقيات،‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬المحسوبية‭ ‬والواسطة،‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬التحيز‭ ‬الجنسي‭ ‬والعرقي،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬المعنويات‭.‬

‭- ‬عدم‭ ‬التوافق‭ ‬بين‭ ‬القيم‭ ‬الشخصية‭ ‬ومتطلبات‭ ‬المؤسسة‭.‬

‭- ‬ضعف‭ ‬الدعم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وبيئة‭ ‬العمل‭ ‬السامة‭.‬

‭* ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يمر‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬بضغوطات‭ ‬عمل،‭ ‬متى‭ ‬يتحول‭ ‬ضغط‭ ‬العمل‭ ‬الطبيعي‭ ‬إلى‭ ‬تهديد‭ ‬نفسي‭ ‬حقيقي؟

‭* ‬يتحول‭ ‬ضغط‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬طبيعية‭ ‬محفزة‭ ‬إلى‭ ‬تهديد‭ ‬نفسي‭ ‬حقيقي‭ ‬عندما‭ ‬يتحول‭ ‬من‭ ‬تحدٍّ‭ ‬مؤقت‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزه‭ ‬إلى‭ ‬وضعية‭ ‬وجودية‭ ‬مزمنة‭ ‬تهدد‭ ‬سلامة‭ ‬الشخص‭ ‬العقلية‭ ‬والجسدية‭. ‬وهذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬بين‭ ‬ليلة‭ ‬وضحاها،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عملية‭ ‬تراكمية‭ ‬تنهار‭ ‬فيها‭ ‬آليات‭ ‬الدفاع‭ ‬والتكيف‭ ‬لدى‭ ‬الفرد‭. ‬ويمكن‭ ‬توضيح‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬عدة‭ ‬أبعاد‭:‬

أولا‭: ‬العتبة‭ ‬الزمنية،‭ ‬وهي‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬‮«‬أزمة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مناخ‭ ‬دائم‮»‬؛‭ ‬فالضغط‭ ‬الطبيعي‭ ‬يكون‭ ‬مرتبطاً‭ ‬بمشروع‭ ‬محدد‭ ‬أو‭ ‬موعد‭ ‬نهائي‭. ‬وبمجرد‭ ‬انتهاء‭ ‬السبب‭ ‬يعود‭ ‬التوتر‭ ‬إلى‭ ‬مستواه‭ ‬الطبيعي‭. ‬ولكن‭ ‬التهديد‭ ‬النفسي‭ ‬يحدث‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬التوتر‭ ‬هو‭ ‬‮«‬المناخ‭ ‬الدائم‮»‬‭ ‬للعمل،‭ ‬أي‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬نهاية‭ ‬مرئية‭ ‬له‭ ‬ويستمر‭ ‬أسابيع‭ ‬وشهورا‭. ‬وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الوظائف‭ ‬العربية‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬غير‭ ‬المنظم،‭ ‬قد‭ ‬يستمر‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬هوادة‭. ‬وتصبح‭ ‬الشعور‭ ‬بـ‮«‬الراحة‮»‬‭ ‬ذكرى‭ ‬بعيدة‭.‬

ثانيا‭: ‬فقدان‭ ‬السيطرة‭ ‬والإحساس‭ ‬بالحصار؛‭ ‬ففي‭ ‬ضغط‭ ‬العمل‭ ‬الطبيعي‭ ‬يشعر‭ ‬الشخص‭ ‬أنه‭ ‬يمتلك‭ ‬بعض‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬عمله‭ ‬أو‭ ‬وقته‭ ‬أو‭ ‬موارد‭ ‬الحل‭. ‬لكن‭ ‬يحدث‭ ‬التهديد‭ ‬النفسي‭ ‬عندما‭ ‬يسود‭ ‬إحساس‭ ‬عميق‭ ‬بالعجز‭ ‬والحصار،‭ ‬ومهما‭ ‬حاول‭ ‬الشخص‭ ‬تبقى‭ ‬العوائق‭ ‬النظامية‭ ‬مثل‭ ‬البيروقراطية‭ ‬والقيادة‭ ‬السيئة‭ ‬ونقص‭ ‬الموارد‭ ‬أقوى‭ ‬منه‭. ‬وهذا‭ ‬الإحساس‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬مسببات‭ ‬الاكتئاب‭ ‬والقلق‭.‬

وفي‭ ‬السياق‭ ‬العربي،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬هياكل‭ ‬عمل‭ ‬شديدة‭ ‬المركزية‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬لا‭ ‬تتقبل‭ ‬إبداء‭ ‬الرأي‭ ‬من‭ ‬المستويات‭ ‬الأدنى‭.‬

ثالثا‭: ‬تأثر‭ ‬جميع‭ ‬جوانب‭ ‬الحياة،‭ ‬وعدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬‮«‬الفصل‮»‬؛‭ ‬ففي‭ ‬ضغط‭ ‬العمل‭ ‬الطبيعي‭ ‬يبقى‭ ‬التوتر‭ ‬محصوراً‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬أوقاته‭. ‬ويستطيع‭ ‬الشخص‭ ‬‮«‬فصل‮»‬‭ ‬نفسه‭ ‬ذهنياً‭ ‬وعاطفياً‭ ‬عند‭ ‬عودته‭ ‬إلى‭ ‬المنزل‭. ‬ولكن‭ ‬عندما‭ ‬يحدث‭ ‬التهديد‭ ‬النفسي‭ ‬يغزو‭ ‬التوتر‭ ‬الحياة‭ ‬كلها،‭ ‬ويفقد‭ ‬الشخص‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الاستمتاع‭ ‬بهواياته‭ ‬أو‭ ‬التركيز‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬مع‭ ‬عائلته‭ ‬لأن‭ ‬‮«‬عقله‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬العمل‮»‬‭. ‬وتبدأ‭ ‬العلاقات‭ ‬الأسرية‭ ‬والصداقات‭ ‬في‭ ‬التآكل‭.‬

رابعا‭: ‬ظهور‭ ‬أعراض‭ ‬سريرية‭ ‬وفسيولوجية‭ ‬بحيث‭ ‬يصبح‭ ‬التهديد‭ ‬ملموساً‭ ‬في‭ ‬الجسد‭ ‬والدماغ؛‭ ‬مثل‭ ‬اضطرابات‭ ‬القلق‭ ‬ونوبات‭ ‬الذعر‭ ‬والقلق‭ ‬المستمر‭ ‬والوسواس‭ ‬وأعراض‭ ‬الاكتئاب‭ ‬والأفكار‭ ‬السلبية‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬والمستقبل‭.‬

كما‭ ‬تظهر‭ ‬أعراض‭ ‬جسدية‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬مجرد‭ ‬صداع‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬أمراض‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالتوتر‭ ‬المزمن‭ ‬مثل‭ ‬ارتفاع‭ ‬ضغط‭ ‬الدم‭ ‬وأمراض‭ ‬القولون‭ ‬العصبي‭ ‬واضطرابات‭ ‬مناعية‭ (‬الإصابة‭ ‬المتكررة‭ ‬بالعدوى‭)‬،‭ ‬وألم‭ ‬عضلي‭ ‬ليفي‭ ‬واضطرابات‭ ‬النوم‭.‬

خامسا‭: ‬تهور‭ ‬الأداء‭ ‬الوظيفي‭ ‬والوظائف‭ ‬المعرفية،‭ ‬حيث‭ ‬يبدأ‭ ‬الدماغ‭ ‬المُنهَك‭ ‬بالفشل،‭ ‬ويظهر‭ ‬ضبابية‭ ‬الذهن‭ ‬وصعوبة‭ ‬التركيز‭ ‬والنسيان‭ ‬المتكرر‭ ‬وتراجع‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬مع‭ ‬زيادة‭ ‬الأخطاء‭ ‬والتسويف‭ ‬المزمن‭.‬

سادسا‭: ‬تحول‭ ‬النظرة‭ ‬للذات‭ ‬والعالم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬السقوط‭ ‬في‭ ‬‮«‬الثقب‭ ‬الأسود‮»‬‭ ‬الوجودي‭. ‬ففي‭ ‬الضغط‭ ‬الطبيعي،‭ ‬قد‭ ‬يتذمر‭ ‬الشخص‭ ‬من‭ ‬عمله،‭ ‬لكنه‭ ‬يحتفظ‭ ‬بإحساسه‭ ‬بهويته‭ ‬وقيمه‭ ‬وإنجازاته‭ ‬خارج‭ ‬العمل‭. ‬ولكن‭ ‬عند‭ ‬بلوغ‭ ‬مرحلة‭ ‬التهديد‭ ‬النفسي،‭ ‬يحدث‭ ‬تشويه‭ ‬للمعتقدات‭ ‬الأساسية‭ ‬عن‭ ‬الذات‭ ‬وعن‭ ‬العمل‭ ‬وعن‭ ‬العالم‭. ‬وهذا‭ ‬التحول‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬الاحتراق‭ ‬الوظيفي‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬التعافي‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة،‭ ‬لأنه‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬من‭ ‬الصفر‭.‬

الموارد‭ ‬البشرية

‭* ‬عندما‭ ‬يقع‭ ‬الشخص‭ ‬في‭ ‬براثن‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة،‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬الآثار‭ ‬السلبية‭ ‬التي‭ ‬ستنعكس‭ ‬عليه‭ ‬وعلى‭ ‬المؤسسة؟

‭* ‬من‭ ‬منظور‭ ‬إداري‭ ‬وأكاديمي‭ ‬في‭ ‬نظم‭ ‬الأعمال،‭ ‬تُعد‭ ‬الآثار‭ ‬السلمية‭ ‬للإرهاق‭ ‬الوظيفي‭ ‬بمثابة‭ ‬تآكل‭ ‬منهجي‭ ‬للأصول‭ ‬البشرية‭ ‬والفكرية‭ ‬للمؤسسة،‭ ‬ما‭ ‬يقوّض‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬التنافسي‭ ‬ويخلق‭ ‬تسرباً‭ ‬مستمراً‭ ‬للقيمة‭.‬

وما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نؤكده‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬الإرهاق‭ ‬الوظيفي‭ ‬ليس‭ ‬‮«‬مشكلة‭ ‬موارد‭ ‬بشرية‮»‬‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مؤشر‭ ‬على‭ ‬خلل‭ ‬جوهري‭ ‬في‭ ‬نموذج‭ ‬التشغيل‭ ‬وإدارة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭. ‬والمؤسسة‭ ‬التي‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬موظفيها‭ ‬كموارد‭ ‬قابلة‭ ‬للاستهلاك‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أصول‭ ‬قابلة‭ ‬للاستثمار‭ ‬والتطوير‭ ‬تحول‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬آلة‭ ‬تحرق‭ ‬الوقود‭ (‬الموظفين‭) ‬بسرعة‭ ‬وتنتج‭ ‬دخاناً‭ (‬سوء‭ ‬جودة‭) ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭ ‬وبالتأكيد‭ ‬لهذه‭ ‬المشكلة‭ ‬انعكاسات‭ ‬وكلفة‭ ‬كبيرة‭.‬

أولا‭: ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالشخص‭ ‬نفسه‭:‬

‭- ‬تدهور‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬تدهورا‭ ‬لرأس‭ ‬المال‭ ‬البشري‭. ‬فغالبا‭ ‬يكون‭ ‬حضور‭ ‬الموظف‭ ‬جسديا‭ ‬فقط‭ (‬Presenteeism‭) ‬ولهذا‭ ‬كلفة‭ ‬كبيرة،‭ ‬حيث‭ ‬قد‭ ‬تنخفض‭ ‬انتاجيته‭ ‬بنسبة‭ ‬40%-60%‭.‬

‭- ‬زيادة‭ ‬الأخطاء‭ ‬وتدهور‭ ‬الجودة‭ ‬وتآكل‭ ‬ضبط‭ ‬العمليات‭. ‬وتزداد‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬المهن‭ ‬الحرجة‭ ‬كالطيران‭ ‬والصحة‭ ‬وتشغيل‭ ‬المنصات‭ ‬التقنية،‭ ‬حيث‭ ‬تكون‭ ‬العواقب‭ ‬كارثية‭ ‬وأحياناً‭ ‬قاتلة‭.‬

‭- ‬الانسحاب‭ ‬السلوكي‭ (‬Withdrawal‭ ‬Behaviors‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬مؤشر‭ ‬الإنذار‭ ‬المبكر،‭ ‬تآكل‭ ‬منهجي‭ ‬للأصول‭ ‬البشرية‭ ‬والفكرية‭ ‬للمؤسسة،‭ ‬ما‭ ‬يقوّض‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬التنافسي‭ ‬ويخلق‭ ‬تسرباً‭ ‬مستمراً‭ ‬للقيمة‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬التغيب‭ ‬والتأخير‭ ‬يمثل‭ ‬تكاليف‭ ‬مباشرة‭ ‬وخللا‭ ‬في‭ ‬سير‭ ‬العمليات،‭ ‬ويتطور‭ ‬الامر‭ ‬إلى‭ ‬نية‭ ‬ترك‭ ‬العمل‭ ‬والتوقف‭ ‬عن‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬التدريب‭ ‬أو‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالعلاقات‭ ‬المهنية‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يدمر‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬داخل‭ ‬الفريق‭.‬

‭- ‬سوء‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭.‬

ثانياً‭: ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المؤسسة‭ ‬والمنظومة،‭ ‬بالتأكيد‭ ‬يكبدها‭ ‬مخاطر‭ ‬استراتيجية‭ ‬وتكاليف‭ ‬خفية‭ ‬تُقاس‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬بنود‭ ‬المصروفات،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬النمو‭ ‬وقابلية‭ ‬التوسع‭ ‬وفقدان‭ ‬الميزة‭ ‬التنافسية‭. ‬ومن‭ ‬ذلك‭:‬

‭- ‬ارتفاع‭ ‬معدل‭ ‬الدوران‭ ‬الوظيفي‭ ‬و‮«‬هروب‭ ‬الأدمغة‮»‬‭ ‬واستنزاف‭ ‬الأصول‭ ‬الفكرية‭. ‬فقد‭ ‬وجدت‭ ‬دراسة‭ ‬لهارفارد‭ ‬بيزنس‭ ‬ريفيو‭ ‬أن‭ ‬كلفة‭ ‬استبدال‭ ‬موظف‭ ‬تقدر‭ ‬ما‭ ‬بين‭ %‬50‭ ‬و200%‭ ‬من‭ ‬راتبه‭ ‬السنوي‭ ‬شاملا‭ ‬التوظيف‭ ‬والتدريب‭ ‬وضياع‭ ‬الإنتاجية‭ ‬خلال‭ ‬التعلم‭.‬

‭- ‬الكلفة‭ ‬الكارثية‭ ‬غير‭ ‬الملموسة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ضياع‭ ‬المعرفة‭ ‬الضمنية‭ ‬وانهيار‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬العملاء‭. ‬ففي‭ ‬الخليج‭ ‬مثلا،‭ ‬حيث‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الكفاءات‭ ‬وافدة،‭ ‬يؤدي‭ ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬حاد‭ ‬للخبرة‭ ‬الدولية‭ ‬ويجعل‭ ‬الشركة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬بداية‭ ‬دائمة‭.‬

‭- ‬عدوى‭ ‬الثقافة‭ ‬السامة؛‭ ‬فمثلا‭ ‬الموظف‭ ‬المحترق‭ ‬ينقل‭ ‬السلبية‭ ‬والشك‭ ‬وثقافة‭ ‬‮«‬الحد‭ ‬الأدنى‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬زملائه،‭ ‬وهذا‭ ‬يخلق‭ ‬تأثيراً‭ ‬مضاعفاً‭ ‬سلبياً‭.‬

‭- ‬زيادة‭ ‬التكاليف‭ ‬المباشرة‭ ‬وغير‭ ‬المباشرة،‭ ‬وتسرب‭ ‬الأرباح،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يشمل‭ ‬تكاليف‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬وتكاليف‭ ‬الغياب‭ ‬والإجازات‭ ‬المرضية‭ ‬وتكاليف‭ ‬الأخطاء‭ ‬وكلفة‭ ‬الفرصة‭ ‬الضائعة،‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬أكثر‭ ‬التكاليف‭ ‬خفاءً‭. ‬فالمؤسسة‭ ‬التي‭ ‬يكون‭ ‬موظفوها‭ ‬مرهقين‭ ‬لن‭ ‬تبتكر‭ ‬ولن‭ ‬تستشعر‭ ‬فرص‭ ‬السوق‭ ‬الجديدة،‭ ‬ولن‭ ‬تتحرك‭ ‬بسرعة‭ ‬تجاه‭ ‬المنافسين‭. ‬يركز‭ ‬الجميع‭ ‬على‭ ‬‮«‬إخماد‭ ‬الحرائق‮»‬‭ ‬اليومية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬البناء‭ ‬للمستقبل‭.‬

‭- ‬تضرر‭ ‬السمعة‭.‬

الأنماط‭ ‬العربية

‭* ‬أشرت‭ ‬غير‭ ‬مرة‭ ‬إلى‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭ ‬العربية‭ ‬والخليجية،‭ ‬هل‭ ‬تعتقد‭ ‬أننا‭ ‬نواجه‭ ‬أزمة‭ ‬صامتة‭ ‬ومخفية؟

‭* ‬نعم،‭ ‬نواجه‭ ‬أزمة‭ ‬نظامية‭ ‬صامتة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬خطورة‭ ‬عن‭ ‬أزمات‭ ‬التمويل‭ ‬أو‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬ولكنها‭ ‬أكثر‭ ‬خفاءً‭ ‬لأنها‭ ‬تتعلق‭ ‬بالرأسمال‭ ‬البشري‭ ‬والفكري‭ ‬الذي‭ ‬تقوم‭ ‬عليه‭ ‬اقتصادات‭ ‬المعرفة‭. ‬وهذه‭ ‬الأزمة‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بمعدلات‭ ‬البطالة‭ ‬الظاهرة،‭ ‬بل‭ ‬بمعدلات‭ ‬الاستنزاف‭ ‬الخفية‭ ‬للطاقات‭ ‬والإبداع‭ ‬والولاء‭ ‬التنظيمي‭. ‬وما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬المشكلة‭ ‬هو‭ ‬وجود‭ ‬بعض‭ ‬الابعاد‭ ‬الدارجة‭ ‬لهذه‭ ‬الأزمة،‭ ‬منها‭:‬

‭- ‬القياس‭ ‬الخاطئ‭ ‬للقيمة،‭ ‬حيث‭ ‬تُقاس‭ ‬الإنتاجية‭ ‬غالباً‭ ‬بـ‮«‬ساعات‭ ‬الوجود‮»‬‭ ‬وليس‭ ‬بـ‮«‬القيمة‭ ‬المضافة‮»‬‭.‬

‭- ‬ثقافة‭ ‬‮«‬الطاعة‭ ‬الظاهرية‭ ‬في‭ ‬الأنظمة‭ ‬الهرمية‭ ‬العربية‭ (‬حكومية‭ ‬وخاصة‭)‬،‭ ‬حيث‭ ‬يُكافأ‭ ‬الانضباط‭ ‬الظاهري‭ ‬وعدم‭ ‬إثارة‭ ‬المشاكل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬المبادرة‭ ‬والنقد‭ ‬البناء‭.‬

‭- ‬نظام‭ ‬المكافآت‭ ‬المعكوس،‭ ‬حيث‭ ‬يُكافأ‭ ‬الموظف‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬ينقذ‭ ‬الموقف‮»‬‭ ‬تحت‭ ‬الضغط‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬مكافأة‭ ‬النظام‭ ‬الذي‭ ‬يُجنب‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬الأزمة‭.‬

‭- ‬الافتقار‭ ‬إلى‭ ‬بيانات‭ ‬الرفاهية‭ ‬وقياس‭ ‬مؤشرات‭ ‬الصحة‭ ‬التنظيمية‭.‬

ومن‭ ‬أمثلة‭ ‬ذلك‭ ‬قطاع‭ ‬التعليم‭ ‬العالي،‭ ‬حيث‭ ‬قد‭ ‬نجد‭ ‬عبء‭ ‬التدريس‭ ‬البحثي‭ ‬والإداري‭ ‬الهائل‭ ‬على‭ ‬أعضاء‭ ‬هيئة‭ ‬التدريس،‭ ‬مع‭ ‬انخفاض‭ ‬الموارد‭. ‬والنتيجة‭: ‬أستاذ‭ ‬مرهق‭ ‬لا‭ ‬ينتج‭ ‬أبحاثاً‭ ‬رائدة،‭ ‬ولا‭ ‬يطور‭ ‬مناهجه،‭ ‬ولا‭ ‬يوجه‭ ‬الطلاب‭ ‬بشكل‭ ‬كافٍ‭. ‬هذه‭ ‬أزمة‭ ‬في‭ ‬مخرجات‭ ‬التعليم‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭.‬

وفي‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية،‭ ‬وهو‭ ‬النمط‭ ‬الشائع،‭ ‬نجد‭ ‬عدم‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الملكية‭ ‬والإدارة،‭ ‬واتخاذ‭ ‬القرارات‭ ‬المركزية،‭ ‬وغياب‭ ‬معايير‭ ‬الترقية‭ ‬الواضحة‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬شعوراً‭ ‬بعدم‭ ‬العدالة‭ ‬واليأس‭ ‬لدى‭ ‬الموظفين‭ ‬غير‭ ‬المنتمين‭ ‬إلى‭ ‬العائلة،‭ ‬فيسحبون‭ ‬أفضل‭ ‬ما‭ ‬لديهم‭ ‬تدريجياً‭.‬

تخفيف‭ ‬حدة‭ ‬المشكلة

‭* ‬أمام‭ ‬ذلك،‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬المطلوب‭ ‬للتعامل‭ ‬أو‭ ‬تخفيف‭ ‬حدة‭ ‬انعكاسات‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬العمل؟

‭* ‬معالجة‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬تتطلب‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬المرونة‭ ‬الفردية‭ ‬إلى‭ ‬التغيير‭ ‬النظامي‭. ‬وهذا‭ ‬يشمل‭ ‬عدة‭ ‬خطوات‭:‬

‭- ‬تدريب‭ ‬القيادات‭ ‬وتأهيل‭ ‬المديرين‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬والمنطقة‭ ‬على‭ ‬التحول‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬الآمر‭ ‬الناظر‭ ‬إلى‭ ‬دور‭ ‬القائد‭ ‬الداعم،‭ ‬وهذا‭ ‬يشمل‭: ‬التعرف‭ ‬المبكر‭ ‬على‭ ‬علامات‭ ‬الإرهاق،‭ ‬وإدارة‭ ‬عادلة‭ ‬لأعباء‭ ‬العمل،‭ ‬وتقديم‭ ‬الدعم‭ ‬العملي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حوارات‭ ‬داعمة‭ ‬وتسهيلات‭ ‬تخفف‭ ‬الضغوط،‭ ‬والتدخل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب،‭ ‬بهدف‭ ‬تحويل‭ ‬ثقافة‭ ‬القيادة‭ ‬من‭ ‬‮«‬السلطة‭ ‬والرقابة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬الدعم‭ ‬والتمكين‮»‬‭.‬

‭- ‬إعادة‭ ‬تصميم‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سياسات‭ ‬لحدود‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬العمل‭ ‬والحياة‭ ‬الشخصية‭ ‬واعتماد‭ ‬برامج‭ ‬مساعدة‭ ‬الموظفين‭. ‬وكذلك‭ ‬إعادة‭ ‬تصميم‭ ‬الوظائف‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬نتائج‭ ‬العمل‭ ‬وليس‭ ‬ساعاته،‭ ‬مع‭ ‬تقدير‭ ‬الكفاءة‭ ‬وليس‭ ‬الوجود‭.‬

‭- ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬قياس‭ ‬الرفاهية‭ ‬واستقرارهم‭ ‬النفسي،‭ ‬وأيضا‭ ‬إصلاح‭ ‬أنظمة‭ ‬التقييم‭ ‬والمكافأة‭.‬

‭- ‬تطوير‭ ‬استراتيجيات‭ ‬المواجهة‭ ‬لتراعي‭ ‬تحديات‭ ‬العصر‭ ‬الرقمي‭. ‬فمستقبل‭ ‬العمل،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الطموحة‭ ‬رقمياً‭ ‬مثل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬فقط‭ ‬بوعود‭ ‬الكفاءة،‭ ‬بل‭ ‬بمخاطر‭ ‬نفسية‭ ‬جديدة‭ ‬مثل‭ ‬التوتر‭ ‬التكنولوجي‭ ‬وخوف‭ ‬الموظفين‭ ‬من‭ ‬استبدال‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لهم‭. ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬وتجعل‭ ‬الأزمة‭ ‬الصامتة‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭. ‬لذلك،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتضمن‭ ‬أي‭ ‬خطة‭ ‬استباقية‭ ‬فاعلة‭ ‬إدارةً‭ ‬إنسانية‭ ‬للتحول‭ ‬الرقمي،‭ ‬تحمي‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬للموظفين‭ ‬أثناء‭ ‬عملية‭ ‬التغيير‭ ‬الجذري‭ ‬هذه،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬‮«‬الحساسية‭ ‬التقنية‮»‬‭ ‬بعداً‭ ‬جديداً‭ ‬مطلوباً‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الحساسية‭ ‬الثقافية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا