من الأسباب: عبء العمل.. غياب العدالة الوظيفية.. مركزية القرارات.. التحيز الجنسي والعرقي
الموظف المحترق كفيل بنقل السلبية والشك وثقافة «الحد الأدنى» إلى زملائه
ما يحدث هو تآكل تدريجي للأصول الفكرية وتقويض لرأس المال البشري
«لم يعد الأمر مقتصرا على الشعور بالإرهاق الجسدي أو الضيق النفسي فحسب، بل يمثل استنزافًا نفسيًا وعاطفيًا يؤثر بشكل مباشر على الأداء الوظيفي والرضا المهني وجودة الحياة بشكل عام».
كلمات مقتضبة ولكنها تعكس حجم التحدي الذي يمثله الاحتراق الوظيفي، هذه الظاهرة التي يواجهها الافراد والمؤسسات، التي تتطلب وقفة مهنية جادة، ولا سيما أمام الأرقام المفزعة التي تشير إليها الدراسات. فنحو 76% من الموظفين يعانون من الإرهاق العاطفي. فيما تؤكد دراسات أجريت حول منطقة الخليج أن دول مجلس التعاون الخليجي تفقد ما لا يقل عن 37.5 مليون يوم إنتاجي سنويًا إثر تداعيات الأمراض النفسية، وهو ما يعادل 3.5 مليارات دولار من خسائر الإنتاجية.
وفي الواقع، لا تعتبر المشكلة محلية أو إقليمية، بل هي عالمية تعاني منها أغلب بيئات العمل، حيث وجد تقرير عالمي حديث (The Burnout Report 2025) أن حوالي %82 من الموظفين يعانون من الاحتراق الوظيفي بدرجات متفاوتة، مع ارتفاع النسب بين الموظفين الأصغر سنًا.
وفي تقرير نشرته The Times استنادًا إلى بحث شركةReed البريطانية للدراسات، أكد 85% من القوى العاملة بأنهم تعرضوا لأعراض الاحتراق، وارتفع ذلك بين الفئات الشابة (91%-94% للذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاما.
تشير أرقام منظمة الصحة العالمية إلى أن العالم يخسر 12 مليار يوم عمل في السنة، بسبب اضطرابات الصحة النفسية للموظفين والعمال.
ويثبت الخبراء بمجال الإنتاجية أن 64% من أسباب نجاح أي شركة يعود إلى العاملين السليمين نفسيا، وعلى الرغم من ذلك فإن الصحة النفسية للموظفين غالبا ما تأتي في ذيل قائمة الاهتمامات الإدارية في أغلب المؤسسات، وهو ما يقود إلى ما يعرف بظاهرة الإرهاق العاطفي.
كل ذلك يبرز أهمية التركيز على هذا المحور الذي لا يعتبر ظاهرة معزولة تتعلق بفئة من دون غيرها.

أ. د. عادل إسماعيل العلوي.
في علم الإدارة
استعرضنا في الجزء الأول من الموضوع الجانب النفسي للإرهاق العاطفي في العمل وأعراضه وتأثيره على سلوكيات الموظف والعامل وإنتاجيته. ولكن يبقى هناك جانب مهم وهو الجانب الإداري، على اعتبار أن بيئة العمل يفترض أن تدار وفق مبادئ ونظريات إدارية متطورة تنأى بالموظفين عن الوصول إلى مرحلة الاحتراق الوظيفي أو الإرهاق العاطفي الذي يستنزف طاقاتهم وقدراتهم ويقلص إنتاجيتهم إلى أدنى مستوى.
وهذا ما دفعنا إلى أن نحمل حقيبة تساؤلاتنا ونتجه إلى الأستاذ الدكتور عادل اسماعيل العلوي استاذ ادارة الاعمال ونظم المعلومات منسق برنامج الماجستير في ادارة الاعمال بكلية التربية والعلوم الادارية والتقنية في جامعة الخليج العربي، حيث سألناه بداية: ما هو الإرهاق العاطفي في علم الإدارة؟ ومتى يمكننا القول إن الشخص بلغ هذه المرحلة؟
وهو ما أجاب عنه بقوله: الإرهاق العاطفي هو الشعور بأن «بطاريتك النفسية قد فرغت تماماً». وهو أحد الأبعاد الرئيسية للاحتراق الوظيفي، ويُعرف بأنه استنزاف شديد للمشاعر وفقدان الموارد العاطفية.
ويضيف العلوي: ببساطة، هو الإحساس بأنك أعطيت كل ما لديك ولم يعد هناك طاقة عاطفية أو نفسية لتقديم المزيد. وينشأ هذا الشعور نتيجة للضغوط المستمرة والمزمنة في العمل، التي تتجاوز قدرة الشخص على التحمل؛ بمعنى آخر أن الإرهاق العاطفي هو حالة من الاستنفاد، حيث يشعر الشخص بالتعب العاطفي والنفسي نتيجة التعرض المستمر للضغط أو بيئات العمل ذات المطالب العالية. ويتميز هذا بحالة من التعب الشديد، وغالبًا ما يكون مصحوبًا بفقدان الطاقة، ومشاعر العجز والانسحاب النفسي.
* متى يصل الشخص إلى هذه المرحلة؟
* يبلغ الشخص مرحلة الإرهاق العاطفي عندما تتحول المشاعر العابرة إلى حالة مستمرة، وتظهر في أشكال ملموسة يمكن ملاحظتها مثل:
1. التعب المزمن والدائم حتى بعد الراحة والنوم.
2. الانفصال والسلبية، وهذا ما يشمل فقدان الحماس، ويصبح الشخص سلبيا ولا مبال أو متشككا تجاه العمل، والآخرين ومتذمراً ومنعزلاً.
3. تراجع الشعور بالإنجاز، ونمو الإحساس بالفشل وعدم الكفاءة أو أن المجهود غير مُقدر أو غير مفيد.
4. أعراض جسدية مثل الصداع المتكرر، واضطرابات النوم وانخفاض المناعة.
5. أعراض عاطفية مثل شعور بالاختناق والإحباط واليأس، أو أن العمل أصبح سجناً وعبئاً ثقيلاً.
بين الإرهاق والاحتراق
* وهل هناك فرق بين الاحتراق الوظيفي والإرهاق العاطفي في العمل؟
* يمكن القول إن الإرهاق العاطفي هو أحد مراحل الاحتراق الوظيفي. وبحسب نموذج أستاذ علم النفس، جامعة كاليفورنيا، العالمة كريستينا ماسلاك، فإن الاحتراق الوظيفي ليس مجرد تعب، بل هو متلازمة كاملة مكونة من ثلاثة أعراض رئيسية تتفاقم معاً وهي:
1- الإرهاق العاطفي الذي يمثل العرض الأول والأساسي، وهو الشعور بالاستنزاف الكامل على المستوى العاطفي والنفسي والجسدي.
2- تبلد المشاعر والسلبية واللامبالاة، وهو العرَض الثاني، ويمثل رد فعل دفاعي.
3- تراجع الإحساس بالإنجاز الشخصي، وهو العرَض الثالث الذي يمثل الضربة القاضية للثقة.
بمعنى آخر، يمكن تشبيه العلاقة بينهما بأن الاحتراق الوظيفي هو «مرض الإنفلونزا الشديد»، ويكون الإرهاق العاطفي هو العرض الأساسي المتمثل في الحمى والوهن الشديد. أما السلبية وتراجع الإنجاز فهما «الآلام في كل الجسم والسعال الشديد» (الأعراض المصاحبة).
من هنا يمكن القول إنه من الممكن أن تعاني إرهاقا عاطفيا شديدا من دون أن تصل إلى مرحلة الاحتراق الوظيفي الكامل، إذا لم تظهر عليك أعراض اللامبالاة القاسية والشك الكامل في قيمتك، لكن لا يمكن أن يحدث احتراق وظيفي كامل من دون وجود إرهاق عاطفي شديد.
أنماط خاطئة
* إجمالا.. ما هي أنماط العمل التي تزيد من احتمالية الوصول إلى الإرهاق العاطفي والاحتراق الوظيفي؟
* في الواقع.. غالبا ما تكون العوامل المساهمة نظامية وتنظيمية، ومن ذلك:
- عبء العمل المفرط وساعات العمل الطويلة وخاصة في القطاع الخاص. وهناك أنماط ونماذج عالمية لهذه المشكلة مثل ثقافة «الرجل المُرتزق» أو «كاروشي» في اليابان، التي من الممكن أن تقود إلى الموت بسبب الإفراط في العمل.
- نقص السيطرة وعدم القدرة على التأثير في القرارات المتعلقة بعمل الفرد، مثل الهياكل الهرمية العالية في بعض المؤسسات الحكومية أو الشركات العائلية، ما يؤدي إلى الإحباط والشعور بالعجز.
- المكافآت غير الكافية وعدم التقدير، والأجور المنخفضة.
- عدم الإنصاف وغياب العدالة، والشعور بعدم المساواة في عبء العمل أو الأجور أو الترقيات، مع وجود المحسوبية والواسطة، بل حتى التحيز الجنسي والعرقي، ما يؤدي إلى تآكل المعنويات.
- عدم التوافق بين القيم الشخصية ومتطلبات المؤسسة.
- ضعف الدعم الاجتماعي وبيئة العمل السامة.
* من الطبيعي أن يمر أي شخص بضغوطات عمل، متى يتحول ضغط العمل الطبيعي إلى تهديد نفسي حقيقي؟
* يتحول ضغط العمل من حالة طبيعية محفزة إلى تهديد نفسي حقيقي عندما يتحول من تحدٍّ مؤقت يمكن تجاوزه إلى وضعية وجودية مزمنة تهدد سلامة الشخص العقلية والجسدية. وهذا التحول لا يحدث بين ليلة وضحاها، بل هو عملية تراكمية تنهار فيها آليات الدفاع والتكيف لدى الفرد. ويمكن توضيح ذلك من عدة أبعاد:
أولا: العتبة الزمنية، وهي التحول من «أزمة» إلى «مناخ دائم»؛ فالضغط الطبيعي يكون مرتبطاً بمشروع محدد أو موعد نهائي. وبمجرد انتهاء السبب يعود التوتر إلى مستواه الطبيعي. ولكن التهديد النفسي يحدث عندما يصبح التوتر هو «المناخ الدائم» للعمل، أي لا توجد نهاية مرئية له ويستمر أسابيع وشهورا. وفي كثير من الوظائف العربية وخاصة في القطاع الخاص غير المنظم، قد يستمر سنوات من دون هوادة. وتصبح الشعور بـ«الراحة» ذكرى بعيدة.
ثانيا: فقدان السيطرة والإحساس بالحصار؛ ففي ضغط العمل الطبيعي يشعر الشخص أنه يمتلك بعض السيطرة على عمله أو وقته أو موارد الحل. لكن يحدث التهديد النفسي عندما يسود إحساس عميق بالعجز والحصار، ومهما حاول الشخص تبقى العوائق النظامية مثل البيروقراطية والقيادة السيئة ونقص الموارد أقوى منه. وهذا الإحساس هو أحد أكبر مسببات الاكتئاب والقلق.
وفي السياق العربي، يمكن أن يأتي هذا من هياكل عمل شديدة المركزية أو من ثقافة لا تتقبل إبداء الرأي من المستويات الأدنى.
ثالثا: تأثر جميع جوانب الحياة، وعدم القدرة على «الفصل»؛ ففي ضغط العمل الطبيعي يبقى التوتر محصوراً في مكان العمل أو أوقاته. ويستطيع الشخص «فصل» نفسه ذهنياً وعاطفياً عند عودته إلى المنزل. ولكن عندما يحدث التهديد النفسي يغزو التوتر الحياة كلها، ويفقد الشخص القدرة على الاستمتاع بهواياته أو التركيز في حديث مع عائلته لأن «عقله لا يزال في العمل». وتبدأ العلاقات الأسرية والصداقات في التآكل.
رابعا: ظهور أعراض سريرية وفسيولوجية بحيث يصبح التهديد ملموساً في الجسد والدماغ؛ مثل اضطرابات القلق ونوبات الذعر والقلق المستمر والوسواس وأعراض الاكتئاب والأفكار السلبية عن الذات والمستقبل.
كما تظهر أعراض جسدية لا تقتصر على مجرد صداع عابر، بل أمراض مرتبطة بالتوتر المزمن مثل ارتفاع ضغط الدم وأمراض القولون العصبي واضطرابات مناعية (الإصابة المتكررة بالعدوى)، وألم عضلي ليفي واضطرابات النوم.
خامسا: تهور الأداء الوظيفي والوظائف المعرفية، حيث يبدأ الدماغ المُنهَك بالفشل، ويظهر ضبابية الذهن وصعوبة التركيز والنسيان المتكرر وتراجع القدرة على اتخاذ القرار مع زيادة الأخطاء والتسويف المزمن.
سادسا: تحول النظرة للذات والعالم، وهو ما يسمى السقوط في «الثقب الأسود» الوجودي. ففي الضغط الطبيعي، قد يتذمر الشخص من عمله، لكنه يحتفظ بإحساسه بهويته وقيمه وإنجازاته خارج العمل. ولكن عند بلوغ مرحلة التهديد النفسي، يحدث تشويه للمعتقدات الأساسية عن الذات وعن العمل وعن العالم. وهذا التحول هو جوهر الاحتراق الوظيفي الذي يجعل التعافي أكثر صعوبة، لأنه يحتاج إلى إعادة بناء الثقة من الصفر.
الموارد البشرية
* عندما يقع الشخص في براثن هذه المشكلة، ما هي الآثار السلبية التي ستنعكس عليه وعلى المؤسسة؟
* من منظور إداري وأكاديمي في نظم الأعمال، تُعد الآثار السلمية للإرهاق الوظيفي بمثابة تآكل منهجي للأصول البشرية والفكرية للمؤسسة، ما يقوّض رأس المال التنافسي ويخلق تسرباً مستمراً للقيمة.
وما يجب أن نؤكده هنا هو أن الإرهاق الوظيفي ليس «مشكلة موارد بشرية» عابرة، بل هو مؤشر على خلل جوهري في نموذج التشغيل وإدارة رأس المال البشري. والمؤسسة التي تتعامل مع موظفيها كموارد قابلة للاستهلاك بدلاً من أصول قابلة للاستثمار والتطوير تحول نفسها إلى آلة تحرق الوقود (الموظفين) بسرعة وتنتج دخاناً (سوء جودة) بدلاً من حركة إلى الأمام وبالتأكيد لهذه المشكلة انعكاسات وكلفة كبيرة.
أولا: فيما يتعلق بالشخص نفسه:
- تدهور الإنتاجية، ما يعني تدهورا لرأس المال البشري. فغالبا يكون حضور الموظف جسديا فقط (Presenteeism) ولهذا كلفة كبيرة، حيث قد تنخفض انتاجيته بنسبة 40%-60%.
- زيادة الأخطاء وتدهور الجودة وتآكل ضبط العمليات. وتزداد المشكلة في المهن الحرجة كالطيران والصحة وتشغيل المنصات التقنية، حيث تكون العواقب كارثية وأحياناً قاتلة.
- الانسحاب السلوكي (Withdrawal Behaviors)، وهو مؤشر الإنذار المبكر، تآكل منهجي للأصول البشرية والفكرية للمؤسسة، ما يقوّض رأس المال التنافسي ويخلق تسرباً مستمراً للقيمة.
كما أن التغيب والتأخير يمثل تكاليف مباشرة وخللا في سير العمليات، ويتطور الامر إلى نية ترك العمل والتوقف عن المشاركة في التدريب أو الاهتمام بالعلاقات المهنية. وهذا ما يدمر رأس المال الاجتماعي داخل الفريق.
- سوء اتخاذ القرار.
ثانياً: على مستوى المؤسسة والمنظومة، بالتأكيد يكبدها مخاطر استراتيجية وتكاليف خفية تُقاس ليس فقط في بنود المصروفات، بل في ضعف النمو وقابلية التوسع وفقدان الميزة التنافسية. ومن ذلك:
- ارتفاع معدل الدوران الوظيفي و«هروب الأدمغة» واستنزاف الأصول الفكرية. فقد وجدت دراسة لهارفارد بيزنس ريفيو أن كلفة استبدال موظف تقدر ما بين %50 و200% من راتبه السنوي شاملا التوظيف والتدريب وضياع الإنتاجية خلال التعلم.
- الكلفة الكارثية غير الملموسة من خلال ضياع المعرفة الضمنية وانهيار العلاقات مع العملاء. ففي الخليج مثلا، حيث نسبة كبيرة من الكفاءات وافدة، يؤدي هذا إلى فقدان حاد للخبرة الدولية ويجعل الشركة في حالة بداية دائمة.
- عدوى الثقافة السامة؛ فمثلا الموظف المحترق ينقل السلبية والشك وثقافة «الحد الأدنى» إلى زملائه، وهذا يخلق تأثيراً مضاعفاً سلبياً.
- زيادة التكاليف المباشرة وغير المباشرة، وتسرب الأرباح، وهذا ما يشمل تكاليف الرعاية الصحية وتكاليف الغياب والإجازات المرضية وتكاليف الأخطاء وكلفة الفرصة الضائعة، التي تعتبر أكثر التكاليف خفاءً. فالمؤسسة التي يكون موظفوها مرهقين لن تبتكر ولن تستشعر فرص السوق الجديدة، ولن تتحرك بسرعة تجاه المنافسين. يركز الجميع على «إخماد الحرائق» اليومية بدلاً من البناء للمستقبل.
- تضرر السمعة.
الأنماط العربية
* أشرت غير مرة إلى بيئات العمل العربية والخليجية، هل تعتقد أننا نواجه أزمة صامتة ومخفية؟
* نعم، نواجه أزمة نظامية صامتة لا تقل خطورة عن أزمات التمويل أو البنية التحتية، ولكنها أكثر خفاءً لأنها تتعلق بالرأسمال البشري والفكري الذي تقوم عليه اقتصادات المعرفة. وهذه الأزمة لا تُقاس بمعدلات البطالة الظاهرة، بل بمعدلات الاستنزاف الخفية للطاقات والإبداع والولاء التنظيمي. وما يزيد من المشكلة هو وجود بعض الابعاد الدارجة لهذه الأزمة، منها:
- القياس الخاطئ للقيمة، حيث تُقاس الإنتاجية غالباً بـ«ساعات الوجود» وليس بـ«القيمة المضافة».
- ثقافة «الطاعة الظاهرية في الأنظمة الهرمية العربية (حكومية وخاصة)، حيث يُكافأ الانضباط الظاهري وعدم إثارة المشاكل أكثر من المبادرة والنقد البناء.
- نظام المكافآت المعكوس، حيث يُكافأ الموظف الذي «ينقذ الموقف» تحت الضغط بدلاً من مكافأة النظام الذي يُجنب الوقوع في الأزمة.
- الافتقار إلى بيانات الرفاهية وقياس مؤشرات الصحة التنظيمية.
ومن أمثلة ذلك قطاع التعليم العالي، حيث قد نجد عبء التدريس البحثي والإداري الهائل على أعضاء هيئة التدريس، مع انخفاض الموارد. والنتيجة: أستاذ مرهق لا ينتج أبحاثاً رائدة، ولا يطور مناهجه، ولا يوجه الطلاب بشكل كافٍ. هذه أزمة في مخرجات التعليم لا تظهر إلا بعد سنوات.
وفي الشركات العائلية، وهو النمط الشائع، نجد عدم الفصل بين الملكية والإدارة، واتخاذ القرارات المركزية، وغياب معايير الترقية الواضحة. وهذا ما يخلق شعوراً بعدم العدالة واليأس لدى الموظفين غير المنتمين إلى العائلة، فيسحبون أفضل ما لديهم تدريجياً.
تخفيف حدة المشكلة
* أمام ذلك، ما هو المطلوب للتعامل أو تخفيف حدة انعكاسات هذه المشكلة المنتشرة في بيئات العمل؟
* معالجة هذه القضية تتطلب الانتقال من التركيز على المرونة الفردية إلى التغيير النظامي. وهذا يشمل عدة خطوات:
- تدريب القيادات وتأهيل المديرين في دول الخليج والمنطقة على التحول من دور الآمر الناظر إلى دور القائد الداعم، وهذا يشمل: التعرف المبكر على علامات الإرهاق، وإدارة عادلة لأعباء العمل، وتقديم الدعم العملي من خلال حوارات داعمة وتسهيلات تخفف الضغوط، والتدخل في الوقت المناسب، بهدف تحويل ثقافة القيادة من «السلطة والرقابة» إلى «الدعم والتمكين».
- إعادة تصميم بيئات العمل من خلال سياسات لحدود واضحة بين العمل والحياة الشخصية واعتماد برامج مساعدة الموظفين. وكذلك إعادة تصميم الوظائف بحيث يكون التركيز على نتائج العمل وليس ساعاته، مع تقدير الكفاءة وليس الوجود.
- التركيز على قياس الرفاهية واستقرارهم النفسي، وأيضا إصلاح أنظمة التقييم والمكافأة.
- تطوير استراتيجيات المواجهة لتراعي تحديات العصر الرقمي. فمستقبل العمل، وخاصة في المناطق الطموحة رقمياً مثل دول الخليج العربي، لا يأتي فقط بوعود الكفاءة، بل بمخاطر نفسية جديدة مثل التوتر التكنولوجي وخوف الموظفين من استبدال الذكاء الاصطناعي لهم. هذه العوامل تزيد من حدة الإرهاق العاطفي وتجعل الأزمة الصامتة أكثر خطورة. لذلك، يجب أن تتضمن أي خطة استباقية فاعلة إدارةً إنسانية للتحول الرقمي، تحمي الصحة النفسية للموظفين أثناء عملية التغيير الجذري هذه، ما يجعل «الحساسية التقنية» بعداً جديداً مطلوباً إلى جانب الحساسية الثقافية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك