إن التحليل العلمي السليم لأي مشهد جيوسياسي أو اقتصادي، أو اجتماعي، يتطلب الموضوعية، والدقة، والعمق، وليس الحياد ولا الانحياز؛ والموضوعية بحاجة إلى ذكاء ثقافي، فلا يمكن الضحك على ذكاء الآخرين بتحليل غير موضوعي وغير علمي.
إن الفهم القوي في شؤون العلاقات الدولية، أو العلاقات الإنسانية، يتطلب البحث عن تحليلات لا تتجاهل العوامل التاريخية والهيكلية، مع تجنب الإفراط في التبسيط أو الدخول في التحيز الأيديولوجي. كما يتطلب فهماً في ديناميكيات المصالح التاريخية، وديناميكيات القوى الخفية وهياكل السلطة، وتأثير السرديات التراثية، وليس فقط الأحداث السطحية. وهذا يتوافق مع منظور الموضوعية التي تتطلب ذكاءً ثقافياً، لتمييز الفارق الجوهري الذي يفصل بين التحليل السطحي والتحليل الجاد.
قد يحاول البعض الادعاء المباشر بالحياد، الذي يعني عدم وجود موقف، وهو أمر مستحيل، وغالباً ما يخفي هذا الحياد غير الموضوعي والسطحي انحيازاً خفياً فاشلاً يوحي بسطحية صاحبه.
ما بين الموضوعية
والذكاء الثقافي
الموضوعية تعني البحث عن الحقيقة بغض النظر عن الميول الشخصية، من خلال الاعتراف بالتحيزات الذاتية ومحاولة تجاوزها؛ والاعتماد على البيانات والتاريخ والأنماط القابلة للتحقق، وفهم السياقات المختلفة (التاريخية، الثقافية، الاقتصادية) من دون اختزالها، مع الاعتراف بتعدد الأطراف ووجهات النظر من دون التخلي عن الحكم النقدي.
أما الذكاء الثقافي فهو السلاح الذي يجعل الموضوعية ممكنة، إذ يسمح لنا بفهم لماذا قد تتصرف دولة إقليمية بطريقة معينة بناءً على تاريخها ورهاناتها؛ وكيف تختلف المفاهيم، مثل «الدولة» و«الشرعية» و«الحرية»، من ثقافة سياسية إلى أخرى؛ وكيف يتم توظيف الخطاب، مثل شعارات «الديمقراطية» و«الإرهاب»، لخدمة مصالح محددة.
إن العصر الذي كان يمكن فيه خداع الجمهور بتحليلات مبسطة ومتحيزة قد ولّى، وإن القارئ اليوم أصبح أكثر ذكاءً واطلاعًا، وأصبح التحليل العلمي الموضوعي هو اللغة الوحيدة المقبولة لمن يريد فهم العالم وتغييره.
الموضوعية منهجية معرفية
تعد الموضوعية أحد أهم الأطر المنهجية لفهم التعقيدات التي تحيط في المنطقة العربية والعالم، وهي الأداة الرئيسية لتحسين قدرة المحلل والمفكر التحليلية، أو لفهم التحيزات في التقارير المتداولة، إذ تتطلب الموضوعية فهمًا عميقًا للسياقات الثقافية.
وبالذكاء الثقافي يتمكّن الباحث من تجاوز التحيزات الخفية، في الوقت الذي يؤدي القصور الثقافي إلى تحليلات مشوّهة حتى مع اتباع المنهج العلمي.
الجانب المفاهيمي
في التحليل العلمي تعد الموضوعية، والذكاء الثقافي، والقصور الثقافي، مفاهيم مترابطة وتشكل مثلثاً حاسمًا لفهم أي ظاهرة اجتماعية أو سياسية، وخاصة في سياق معقد مثل الشرق الأوسط.
إن الموضوعية العلمية تعني السعي إلى تقليل التحيز الشخصي إلى الحد الأدنى، عبر اتباع منهجية واضحة، والاعتماد على أدلة قابلة للتحقق، والانفتاح على النقد والتدقيق، من دون الانجرار نحو الوهم الشائع باعتقاد أن الموضوعية تعني الحياد المطلق أو النظر من لا مكان، الذي يعد مستحيلاً.
إن الحقيقة في الموضوعية هي عملية جماعية ونقدية، هدفها الحد من التحيز، وليس القضاء عليه تماماً، وإن الباحث الموضوعي هو من يعلن تحيزاته المحتملة، ويبني منهجيته لمراقبتها.
أما الذكاء الثقافي فإنه الجسر نحو الموضوعية الحقيقية، وهو القدرة على الفهم والتفسير والتكيّف مع السياقات الثقافية المختلفة، وبدونه، يتحول التحليل العلمي إلى تطبيق آلي خالٍ من الفهم.
إن المكون المعرفي في الذكاء الثقافي يعد أمراً ضرورياً لفهم القيم التاريخية والدينية والاجتماعية، الذي بدونه، على سبيل المثال، قد يُفسَّر الولاء القَبَلِي على أنه فساد أو تخلف. أما المُكوِّن الاستراتيجي في الذكاء الثقافي فإنه لربما يُعد من أهم ضروريات التحليل العلمي، لرفع القدرة على التخطيط والتفاعل مع ثقافة أخرى، كالتخطيط للمقابلات ومراعاة التراتبية الاجتماعية واختيار الكلمات بعناية.
وهناك مُكَوِّن التحفز في الذكاء الثقافي الذي يرفع معدل الرغبة لفهم الآخر، كي لا تصبح عملية التحليل العلمي مجرد مهمة، بل تعتبر فرصة لفهم منطق الآخر، سواء كان صديقًا أو عدوًّا.
ويبقى المكون السلوكي في الذكاء الثقافي هو العامل الذي يبني القدرة على التكيف؛ حيث يتعلم الباحث من خلاله قواعد المجتمع وأعرافه ويعمل على بناء الثقة، أو معرفة مستويات الثقة، بين الأطراف.
إن الذكاء الثقافي هو الشرط الأساسي لتحقيق موضوعية ذات معنى في العلوم الإنسانية، فهو يمنع الباحث من فرض مقولاته الثقافية على واقع مختلف، ويساعده على تفسير السلوك من داخل منظومته الثقافية، وليس من الخارج فقط.
القصور الثقافي؛ العدو
الخفي للموضوعية
أما القصور الثقافي فهو يعني غياب الذكاء الثقافي، الذي قد يكون الباحث غير واعٍ له غالباً، وهو ما أفسد الكثير من الدراسات والبحوث العلمية والحوارات.
أهم مكونات القصور الثقافي هو المركزية الثقافية التي يستخدم فيها الباحث ثقافته كمعيار مطلق للحكم على جميع الثقافات، كاعتبار «الديمقراطية الليبرالية الغربية» هي الهدف النهائي الوحيد للتطور السياسي، واعتبار أي انحراف عنها في عالمنا العربي فشلاً.
وهناك مكونات أخرى أكثر وضوحاً في مجتمعاتنا، وفي غيرها من البحوث والتحاليل العلمية في المجتمعات الغربية، كالاختزال من خلال تفسير أغلب الظواهر المعقدة بعامل ثقافي واحد، أو الافتراض بأن للشعوب أو الأديان جوهرًا ثابت لا يتغير، أو دراسة النصوص أو البيانات المجردة من دون فهم السياق التاريخي أو الاجتماعي الذي أنتجها.
المعادلة الجوهرية
إن التحليل العلمي الموضوعي يشمل مكونات المنهجية الصارمة، والذكاء الثقافي العالي، مع تفادي خطر القصور الثقافي، حيث بدون ذكاء ثقافي فإن أفضل المنهجيات تنتج بيانات دقيقة عن إجابات خاطئة؛ لأن الأسئلة نفسها قد تكون مشوهة بتحيز ثقافي.
إن القصور الثقافي يجعل الباحث يرى انعكاس صورته الثقافية في المرآة، ويعتقد أنه يُدَرّس الآخر.
لذلك تتطلب الموضوعية الحقيقية في دراسة المجتمعات تواضعاً معرفياً يُقر بأن فهم الثقافة الأخرى عملية مستمرة ومعقدة، وليست مجرد تطبيق نماذج جاهزة.
إن تطبيق مفاهيم ومكونات الموضوعية على دراسات الشرق الأوسط يكشف كم من «الخبراء» الغربيين يقعون في فخ القصور الثقافي (جهلاً أو عمداً)، فينتجون تحليلات صحيحة تقنياً، لكنها مشوهة جوهراً، لأنهم يفتقرون إلى الذكاء الثقافي لفهم الدوافع والمفاهيم المحلية. في المقابل، فإن الباحث من داخل الثقافة عليه أن يستخدم الذكاء الثقافي لفهم تنوعها الداخلي، وأن يستخدم المنهجية العلمية لتجنب الانحياز الذاتي.
إن الموضوعية، بهذا المفهوم، هي مهارة قابلة للتعلّم، وليست موهبة فطرية. وهي تتطلب جهداً مزدوجاً، يبدأ بإتقان المنهج العلمي، وينجح بالتعمق في احترام الثقافة المدروسة.
وأخيراً، يمكن القول إنه بناءً على هذا المعيار العلمي فإن الحديث عن الموضوعية في التحليل العربي عموماً لا يزال بعيداً عن متناول المناهج المتبعة، سواء على مستوى التعليم أو التَعَلّم، أو على المستوى العلمي أو السياسي.
sr@sameerarajab.net

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك