العدد : ١٧٤٧٤ - الأحد ٢٥ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٧٤ - الأحد ٢٥ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ شعبان ١٤٤٧هـ

أخبار البحرين

الإرهاق العاطفي.. موت بطيء لطاقات الموظفين (2-1)

تحقيق: محمد الساعي.

الأحد ٢٥ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

76‭%‬‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬يعانون‭ ‬إرهاقا‭ ‬عاطفيا‭.. ‬والطلاب‭ ‬ليسوا‭ ‬بمنأى‭ ‬عن‭ ‬المشكلة

الأسباب‭: ‬بيئات‭ ‬عمل‭ ‬غير‭ ‬صحية‭.. ‬مسؤوليات‭ ‬كبيرة‭.. ‬افتقاد‭ ‬الحوافز‭.. ‬‭ ‬والمدير‭ ‬الميكافيلي‭!‬

الأعراض‭: ‬اضطرابات‭ ‬القلق‭.. ‬الاكتئاب‭.. ‬الرهاب‭.. ‬الوسواس‭ ‬القهري‭.. ‬تراجع‭ ‬الإنتاجية

دراسات‭: ‬علاقة‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬الضغوط‭ ‬النفسية‭ ‬للموظف‭ ‬وسلوكيات‭ ‬التخريب‭ ‬والإسراف‭ ‬والغضب‭ ‬والاستهزاء

بسبب‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬السليمة‭.. ‬بحريني‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬ترقيتين‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬وينتقل‭ ‬من‭ ‬موظف‭ ‬إلى‭ ‬مدير‭ ‬لفرعين‭ ‬


في‭ ‬محاضرة‭ ‬قيمة‭ ‬القاها‭ ‬أستاذ‭ ‬الطب‭ ‬النفسي‭ ‬بجامعة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬واستشاري‭ ‬الأمراض‭ ‬النفسية‭ ‬الأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬أحمد‭ ‬مال‭ ‬الله‭ ‬الأنصاري‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬جامعة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬للاستشارات‭ ‬والتدريب‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬الاحتراق‭ ‬الوظيفي‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬العمل‭ ‬والدراسة‮»‬،‭ ‬أكد‭ ‬المحاضر‭ ‬أن‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬أصبح‭ ‬تحديًا‭ ‬متناميًا‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬العمل‭ ‬السائدة‭ ‬واتباع‭ ‬حلول‭ ‬مؤسسية‭ ‬شاملة‭.‬

وعرض‭ ‬الأنصاري‭ ‬أرقاما‭ ‬مفزعة‭ ‬خلاصتها‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬76‭%‬‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭.‬

بالعودة‭ ‬إلى‭ ‬الدراسات‭ ‬العلمية،‭ ‬تؤكد‭ ‬دراسة‭ ‬أعدتها‭ ‬شركة‭ ‬برايس‭ ‬ووترهاوس‭ ‬كوبرز،‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬تفقد‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬37.5‭ ‬مليون‭ ‬يوم‭ ‬إنتاجي‭ ‬سنويًا‭ ‬إثر‭ ‬تداعيات‭ ‬الأمراض‭ ‬النفسية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬3.5‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬خسائر‭ ‬الإنتاجية‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬تؤكده‭ ‬أرقام‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬والتي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يخسر‭ ‬12‭ ‬مليار‭ ‬يوم‭ ‬عمل‭ ‬في‭ ‬السنة،‭ ‬بسبب‭ ‬اضطرابات‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬للموظفين‭ ‬والعمال‭. ‬وتتجاوز‭ ‬الخسائر‭ ‬العالمية‭ ‬بسبب‭ ‬الحالات‭ ‬النفسية‭ ‬كالاكتئاب‭ ‬والقلق‭ ‬والتوترات‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭ ‬سنويًا‭.‬

بالمقابل،‭ ‬كشفت‭ ‬دراسة‭ ‬لجامعة‭ ‬أرهوس‭ ‬الدنماركية،‭ ‬أن‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يعانون‭ ‬اضطرابات‭ ‬نفسية‭ ‬يفقدون‭ ‬ما‭ ‬معدله‭ ‬10‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬مسيرتهم‭ ‬المهنية‭. ‬بل‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬علاقة‭ ‬بين‭ ‬الضغوط‭ ‬النفسية‭ ‬لدى‭ ‬الموظف‭ ‬وبين‭ ‬ارتكابه‭ ‬سلوكيات‭ ‬سلبية‭ ‬كالتخريب‭ ‬المتعمد‭ ‬أو‭ ‬الاسراف،‭ ‬أو‭ ‬الغضب‭ ‬السريع‭ ‬والسخرية‭ ‬والاستهزاء‭. ‬فيما‭ ‬تزيد‭ ‬برامج‭ ‬تعزيز‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬الإنتاجية‭ ‬بنسبة‭ ‬80‭%‬‭. ‬

السلامة‭ ‬النفسية

يأتي‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يؤكد‭ ‬فيه‭ ‬الخبراء‭ ‬بمجال‭ ‬الإنتاجية‭ ‬أن‭ ‬64‭%‬‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬شركة‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬العاملين‭ ‬السليمين‭ ‬نفسيا،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬للموظفين‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬ذيل‭ ‬قائمة‭ ‬الاهتمامات‭ ‬الإدارية‭ ‬في‭ ‬اغلب‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بظاهرة‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬بيئة‭ ‬عمل‭ ‬غير‭ ‬صحية‭ ‬والتي‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬وتخلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التعب‭ ‬النفسي‭ ‬والجسدي‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬الضغط‭ ‬المستمر،‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الأداء‭ ‬والرفاهية‭ ‬العامة‭ ‬للأفراد‭. ‬وتتسبب‭ ‬بتداعيات‭ ‬نفسية‭ ‬تنعكس‭ ‬سلبا‭ ‬على‭ ‬الإنتاجية‭. ‬وما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬المشكلة‭ ‬هو‭ ‬غياب‭ ‬الدعم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الإدارة‭ ‬وانعدام‭ ‬الأمان‭ ‬الوظيفي‭ ‬وانخفاض‭ ‬الأجور‭.‬

وما‭ ‬يؤكد‭ ‬ذلك،‭ ‬حالة‭ ‬غريبة‭ ‬تناولناها‭ ‬في‭ ‬موضوع‭ ‬سابق،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مشكلة‭ ‬الموظف‭ ‬حصوله‭ ‬على‭ ‬انذار‭ ‬او‭ ‬توبيخ‭ ‬أو‭ ‬جزاء‭ ‬في‭ ‬وظيفته،‭ ‬بل‭ ‬حصل‭ ‬على‭ ‬ترقية‭. ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬سببا‭ ‬كافيا‭ ‬لأن‭ ‬تتدهور‭ ‬معنوياته‭ ‬وتتراكم‭ ‬مشاكله،‭ ‬حيث‭ ‬تسببت‭ ‬له‭ ‬الترقية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬محملة‭ ‬بالمسؤوليات،‭ ‬وبنفس‭ ‬الوقت‭ ‬مفتقرة‭ ‬إلى‭ ‬التدريب‭ ‬الكافي‭ ‬والدعم‭ ‬المعنوي‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الإدارة،‭ ‬إلى‭ ‬شعور‭ ‬مبالغ‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬والقلق‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحملها،‭ ‬وتحول‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬أعراض‭ ‬نفسية‭ ‬بدأت‭ ‬تتفاقم،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬صار‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬إنتاجيته‭. ‬ولأنه‭ ‬موظف‭ ‬واعٍ،‭ ‬لجأ‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬مبكر‭ ‬إلى‭ ‬الاستشاري‭ ‬النفسي‭.‬

وبالحديث‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الأمر،‭ ‬أكدت‭ ‬لنا‭ ‬مسؤولة‭ ‬في‭ ‬احدى‭ ‬الجامعات‭ ‬المحلية‭ (‬أ‭. ‬ج‭)‬،‭ ‬ان‭ ‬كثرة‭ ‬المسؤوليات‭ ‬وعدم‭ ‬اتضاح‭ ‬الرؤية،‭ ‬وبيئة‭ ‬تنافس‭ ‬غير‭ ‬صحية‭ ‬تعاني‭ ‬منها،‭ ‬خلق‭ ‬عندها‭ ‬حالة‭ ‬نفسية‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الانسجام‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أثر‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬علاقاتها‭ ‬مع‭ ‬زملائها‭ ‬وامتد‭ ‬إلى‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬اصدقائها‭ ‬وعائلتها‭. ‬ولم‭ ‬يتوقف‭ ‬الامر‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬بل‭ ‬تطور‭ ‬الامر‭ ‬إلى‭ ‬اضطراب‭ ‬القلق‭ ‬المزمن،‭ ‬وتراجعت‭ ‬انتاجيتها‭ ‬ودخلت‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الاكتئاب‭ ‬المزمن‭!‬

يقابل‭ ‬ذلك‭ ‬حالة‭ ‬لموظف‭ ‬بحريني‭ (‬ع‭.‬ف‭) ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬أجنبية‭. ‬حصل‭ ‬على‭ ‬ترقية‭ ‬انتقل‭ ‬بموجبها‭ ‬من‭ ‬موظف‭ ‬إلى‭ ‬مدير‭ ‬للفرع،‭ ‬ويتحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬إدارة‭ ‬الموظفين‭ ‬وبيئة‭ ‬العمل‭. ‬ولكن‭ ‬المفارقة،‭ ‬أنه‭ ‬ولستة‭ ‬أشهر‭ ‬كاملة،‭ ‬كان‭ ‬يخضع‭ ‬لدورات‭ ‬تدريبية‭ ‬أسبوعية‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬ومواجهة‭ ‬المشكلات،‭ ‬وطرق‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات،‭ ‬والتعامل‭ ‬الأمثل‭ ‬مع‭ ‬الموظفين‭. ‬وبنفس‭ ‬الوقت‭ ‬كان‭ ‬المسؤول‭ ‬المباشر‭ ‬له‭ ‬على‭ ‬تواصل‭ ‬يومي‭ ‬معه‭ ‬ويقدم‭ ‬له‭ ‬الاستشارات‭ ‬والنصائح‭. ‬ووفقا‭ ‬لمحدثنا،‭ ‬أعطاه‭ ‬ذلك‭ ‬حافزا‭ ‬كبيرا‭ ‬وثقة‭ ‬بالنفس‭ ‬مكنته‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬العمل‭ ‬بشكل‭ ‬مرض‭.‬

والنتيجة،‭ ‬بعد‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬من‭ ‬الترقية،‭ ‬تسلم‭ ‬إدارة‭ ‬فرع‭ ‬ثان‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬اقتنعت‭ ‬الإدارة‭ ‬العليا‭ ‬بأنه‭ ‬مؤهل‭ ‬لإدارة‭ ‬فرعين‭.‬

النفسية‭.. ‬جانب‭ ‬مهمل

المختصون‭ ‬يؤكدون‭ ‬هنا‭ ‬ان‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬غير‭ ‬الصحية‭ ‬تفرز‭ ‬أعراضا‭ ‬نفسية‭ ‬عديدة‭ ‬منها‭ ‬اضطرابات‭ ‬القلق‭ ‬والاكتئاب‭ ‬والرهاب‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬مشكلة‭ ‬منتشرة‭ ‬بين‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الموظفين‭ ‬والعاملين،‭ ‬وكذلك‭ ‬الوسواس‭ ‬القهري‭ ‬الذي‭ ‬له‭ ‬تداعيات‭ ‬نفسية‭ ‬تؤثر‭ ‬بشكل‭ ‬على‭ ‬السلوك‭ ‬والإنتاجية‭.‬

ووفقا‭ ‬لخبير‭ ‬الإنتاجية‭ ‬الدكتور‭ ‬أكبر‭ ‬جعفري،‭ ‬‮«‬أن‭ ‬الحالة‭ ‬النفسية‭ ‬في‭ ‬مواقع‭ ‬العمل‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬الاهتمام‭ ‬بها‭ ‬حتى‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬منظمة‭ ‬العمل‭ ‬الدولية‭ ‬او‭ ‬الشركات‭ ‬او‭ ‬المسؤولين‮»‬‭. ‬ويشرح‭ ‬ذلك‭ ‬بأن‭ ‬منظمة‭ ‬العمل‭ ‬الدولية‭ ‬تضع‭ ‬44‭ ‬معيارا‭ ‬مؤثرا‭ ‬في‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬سوى‭ ‬ثلاثة‭ ‬عوامل‭ ‬تتعلق‭ ‬بالحالة‭ ‬النفسية‭ ‬وبشكل‭ ‬خجول،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ان‭ ‬الأدلة‭ ‬العملية‭ ‬الدامغة‭ ‬تؤكد‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬علاقة‭ ‬طردية‭ ‬مباشرة‭ ‬وقوية‭ ‬بين‭ ‬الحالة‭ ‬النفسية‭ ‬للموظف‭ ‬وانتاجيته،‭ ‬وقد‭ ‬يبلغ‭ ‬معدل‭ ‬تدهور‭ ‬الإنتاجية‭ ‬72‭%‬‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬مواقع‭ ‬العمل،‭ ‬وتمثل‭ ‬الأسباب‭ ‬النفسية‭ ‬بين‭ ‬40‭%‬‭ ‬و60‭%‬‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭. ‬ويمتد‭ ‬الامر‭ ‬إلى‭ ‬احتماليات‭ ‬ارتفاع‭ ‬نسب‭ ‬حوادث‭ ‬العمل،‭ ‬حيث‭ ‬تشير‭ ‬الدراسات‭ ‬إلى‭ ‬ان‭ ‬40‭%‬‭ ‬من‭ ‬الحوادث‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭ ‬تعود‭ ‬الى‭ ‬أسباب‭ ‬نفسية‭.‬

والمشكلة‭ ‬ان‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬مازالت‭ ‬تركز‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬المادي‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بتحسين‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬ونادرا‭ ‬ما‭ ‬نجد‭ ‬فهما‭ ‬واعيا‭ ‬لأهمية‭ ‬الجانب‭ ‬النفسي‭ ‬والإنساني‭ ‬والوجداني‭. ‬وبالتالي‭ ‬ليس‭ ‬بمستغرب‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬تدهورا‭ ‬في‭ ‬الإنتاجية‭ ‬يعود‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬الى‭ ‬الجوانب‭ ‬النفسية‭ ‬والوجدانية‭ ‬والادراكية‭ ‬شبه‭ ‬المهملة،‭ ‬حيث‭ ‬يطغى‭ ‬النظام‭ ‬الفني‭ ‬والمادي‭ ‬على‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬مع‭ ‬سيادة‭ ‬نظام‭ ‬السيطرة‭ ‬المطلقة‭ ‬التي‭ ‬يتبعها‭ ‬التخوف‭ ‬والقلق‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الموظفين‭. ‬وهي‭ ‬مشكلة‭ ‬عامة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬العالم‭. ‬والمشكلة‭ ‬الأكبر‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬أصبح‭ ‬ظاهرة‭ ‬مقبولة‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬العمل،‭ ‬بحيث‭ ‬تحول‭ ‬الوظيفة‭ ‬إلى‭ ‬عبودية‭ ‬ولكن‭ ‬بشكل‭ ‬مزيّن‭ ‬ومنمق‭.‬

إدراك‭ ‬القيمة‭ ‬الذاتية

واستنادا‭ ‬إلى‭ ‬دراسات‭ ‬أجرتها‭ ‬مؤسسة‭ ‬جفكون‭ ‬لتحسين‭ ‬الإنتاجية‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬ممن‭ ‬الشركات‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬أبرز‭ ‬الأولويات‭ ‬التي‭ ‬تدعم‭ ‬الحالة‭ ‬النفسية‭ ‬للعامل‭ ‬بشكل‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬انتاجيته‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬القصور‭ ‬او‭ ‬شبه‭ ‬غائبة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬مواقع‭ ‬العمل،‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬إدراك‭ ‬القيمة‭ ‬الذاتية‭ ‬والتقدير‭ ‬والاحترام‭ ‬والعلاقات‭ ‬الإنسانية‭ ‬والوجدانية،‭ ‬وحسن‭ ‬التواصل‭. ‬وبنفس‭ ‬الوقت‭ ‬هناك‭ ‬بيئات‭ ‬تتسم‭ ‬بنظام‭ ‬سيطرة‭ ‬مطلقة‭ ‬تخلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التخوف‭ ‬والقلق‭ ‬عند‭ ‬الموظفين‭. ‬وتزداد‭ ‬المشكلة‭ ‬بوجود‭ ‬مدير‭ ‬نرجسي‭ ‬ميكافيلي،‭ ‬تتسم‭ ‬شخصيه‭ ‬بالانتهازية‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬الاخرين‭ ‬والتركيز‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اعتبار‭ ‬للجوانب‭ ‬الإنسانية‭. ‬فيما‭ ‬تحولت‭ ‬إدارات‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬إلى‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الأدوار‭ ‬الإدارية‭ ‬التنظيمية‭ ‬والفنية‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الجوانب‭ ‬الوجدانية‭ ‬الحسية‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬ان‭ ‬ربحية‭ ‬الشركة‭ ‬وانتاجيتها‭ ‬تعتمد‭ ‬كما‭ ‬ذكرت‭ ‬على‭ ‬الحالة‭ ‬النفسية‭ ‬للموظفين‭.‬

بيئة‭ ‬سامة‭!‬

في‭ ‬دراسة‭ ‬نشرتها‭ ‬مجلة‭ (‬المجلة‭ ‬الدولية‭ ‬لدراسات‭ ‬الحالة‭ ‬في‭ ‬الأعمال‭ ‬وتكنولوجيا‭ ‬المعلومات‭ ‬والتعليم‭) ‬بعنوان‭ ‬‮«‬مراجعة‭ ‬حول‭ ‬تأثير‭ ‬ثقافة‭ ‬مكان‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬ورفاهية‭ ‬الموظفين‮»‬‭ ‬أجريت‭ ‬عام‭ ‬2023،‭ ‬أكدت‭ ‬أن‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭ ‬التي‭ ‬تتميز‭ ‬بالقيادة‭ ‬الداعمة‭ ‬والتوازن‭ ‬بين‭ ‬العمل‭ ‬والحياة،‭ ‬مع‭ ‬وضوح‭ ‬الأدوار‭ ‬والسياسات‭ ‬الفعّالة،‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬صحة‭ ‬الموظفين‭ ‬النفسية‭ ‬ورفاههم،‭ ‬وتعزز‭ ‬الرضا‭ ‬الوظيفي‭ ‬وتقلل‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬والقلق‭.‬

ولكن‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ثقافات‭ ‬العمل‭ ‬السلبية‭ ‬أو‭ ‬السامة‭ ‬مثل‭ ‬غياب‭ ‬الدعم‭ ‬والطلبات‭ ‬المفرطة‭ ‬وضعف‭ ‬توازن‭ ‬العمل‭ ‬والحياة،‭ ‬وعدم‭ ‬وجود‭ ‬سياسات‭ ‬فعّالة،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬الموظفين‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬وعلى‭ ‬صحتهم‭ ‬النفسية‭ ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬زيادة‭ ‬التوتر‭ ‬والقلق‭ ‬والإرهاق‭ ‬وتراجع‭ ‬الرفاهية‭ ‬النفسية‭ ‬العامة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬في‭ ‬العمل‭.‬

وخلصت‭ ‬الدراسة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ثقافة‭ ‬العمل‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬شكل‭ ‬الإجراءات‭ ‬والسياسات‭ ‬المتبعة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬والسلوكيات‭ ‬اليومية‭ ‬التي‭ ‬تشكل‭ ‬تجربة‭ ‬الموظف‭ ‬النفسية‭. ‬وعندما‭ ‬تكون‭ ‬الثقافة‭ ‬داعمة‭ ‬ومحفزة،‭ ‬تقل‭ ‬الضغوط‭ ‬النفسية‭ ‬ويزيد‭ ‬الرفاه‭ ‬الوظيفي‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬في‭ ‬معدلات‭ ‬حضور‭ ‬أعلى‭ ‬وأداء‭ ‬أفضل‭.‬

الإرهاق‭ ‬العاطفي

هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬والحالات‭ ‬دفعتنا‭ ‬إلى‭ ‬الخوض‭ ‬مفصلا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬أبعادها‭ ‬وانعكاساتها‭ ‬وإمكانية‭ ‬التخفيف‭ ‬من‭ ‬تحدياتها‭ ‬انطلاقا‭ ‬من‭ ‬الطرح‭ ‬الذي‭ ‬قدمه‭ ‬الدكتور‭ ‬احمد‭ ‬الانصاري‭. ‬الذي‭ ‬أكد‭ ‬أن‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭ ‬أصبح‭ ‬تحديا‭ ‬منظوميا‭ ‬يتطلب‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬العمل‭ ‬السائدة،‭ ‬والانتقال‭ ‬من‭ ‬الحلول‭ ‬الفردية‭ ‬إلى‭ ‬حلول‭ ‬مؤسسية‭ ‬شاملة‭. ‬لذلك‭ ‬صنفت‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬ضمن‭ ‬التصنيف‭ ‬الدولي‭ ‬للأمراض،‭ ‬بوصفه‭ ‬متلازمة‭ ‬ناتجة‭ ‬عن‭ ‬الإجهاد‭ ‬المزمن‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬غير‭ ‬المُدارة‭ ‬بنجاح‭.‬

ما‭ ‬هو‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬بأبسط‭ ‬تعاريفه؟

سؤال‭ ‬طرحناه‭ ‬على‭ ‬أستاذ‭ ‬الطب‭ ‬النفسي‭ ‬بجامعة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬واستشاري‭ ‬الأمراض‭ ‬النفسية‭ ‬الأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬أحمد‭ ‬مال‭ ‬الله‭ ‬الأنصاري،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أجاب‭ ‬عنه‭ ‬بقوله‭:‬

وفقاً‭ ‬لمنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬–‭ ‬التصنيف‭ ‬الدولي‭ ‬للأمراض،‭ ‬يعرف‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬بأنه‭ ‬متلازمة‭ ‬يتم‭ ‬تصويرها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬ناتجة‭ ‬عن‭ ‬الإجهاد‭ ‬المزمن‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬إدارته‭ ‬بنجاح‭. ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬تتميز‭ ‬هذه‭ ‬المتلازمة‭ ‬بثلاثة‭ ‬أبعاد‭ ‬هي‭: ‬مشاعر‭ ‬استنزاف‭ ‬الطاقة‭ ‬أو‭ ‬الإعياء،‭ ‬مشاعر‭ ‬السلبية‭ ‬أو‭ ‬التشاؤم‭ ‬المتعلق‭ ‬بالعمل،‭ ‬وانخفاض‭ ‬الكفاءة‭ ‬المهنية‭. ‬ويمكن‭ ‬تشبيه‭ ‬الأمر‭ ‬ببطارية‭ ‬تستنزف‭ ‬تدريجيًا،‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬المتسمة‭ ‬بحالة‭ ‬من‭ ‬الإرهاق،‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬استنزاف‭ ‬دائم‭ ‬للموظف‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يعالجه‭ ‬النوم‭ ‬مثلا‭ ‬أو‭ ‬فترات‭ ‬الاستراحة‭ ‬القصيرة‭. ‬وهنا‭ ‬يبقى‭ ‬الفرد‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬‮«‬طاقة‭ ‬منخفضة‮»‬‭ ‬وبشكل‭ ‬مستمر‭.‬

{ وهل‭ ‬يختلف‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬عما‭ ‬نعرفه‭ ‬بالاحتراق‭ ‬الوظيفي؟

في‭ ‬الواقع‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬فرق‭ ‬جوهري،‭ ‬ويمكن‭ ‬القول‭: ‬إن‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬هو‭ ‬المسمى‭ ‬الجديد‭ ‬لهذه‭ ‬الظاهرة‭ (‬الاحتراق‭ ‬الوظيفي‭)‬،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬التعليم‭ ‬أو‭ ‬غيرها‭.‬

{ هل‭ ‬هناك‭ ‬أنواع‭ ‬أو‭ ‬أنماط‭ ‬للإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬في‭ ‬العمل؟‭ ‬وماهي‭ ‬علاماتها؟

بشكل‭ ‬عام‭ ‬هناك‭ ‬ثلاثة‭ ‬أنواع،‭ ‬أولها‭ ‬الإرهاق‭ ‬الكلاسيكي‭ ‬الذي‭ ‬يشمتل‭ ‬على‭ ‬إعياء‭ ‬عالي‭ ‬الشدة‭ ‬وتشاؤم‭ ‬عالٍ،‭ ‬يقابل‭ ‬ذلك‭ ‬إنجاز‭ ‬منخفض‭.‬

والنوع‭ ‬الثاني‭ ‬هو‭ ‬الإرهاق‭ ‬الممتد‭ ‬فوق‭ ‬الطاقة،‭ ‬وهذا‭ ‬النوع‭ ‬يتسبب‭ ‬أيضا‭ ‬بإعياء‭ ‬عالي‭ ‬الشدة،‭ ‬ولكن‭ ‬يبقى‭ ‬الشخص‭ ‬منخرطا‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬ولا‭ ‬يتأثر‭ ‬الإنجاز‭ ‬الوظيفي‭ ‬لديه‭.‬

أما‭ ‬النوع‭ ‬الثالث‭ ‬فهو‭ ‬الإرهاق‭ ‬غير‭ ‬المنخرط،‭ ‬وهنا‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يعاني‭ ‬الشخص‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬إعياء،‭ ‬ولكن‭ ‬يكون‭ ‬التشاؤم‭ ‬عنده‭ ‬عاليا،‭ ‬والإنجاز‭ ‬متفاوتا‭.‬

ويقابل‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالشخص‭ ‬المنخرط،‭ ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬تكون‭ ‬نسب‭ ‬الإعياء‭ ‬منخفضة،‭ ‬والتشاؤم‭ ‬منخفضة،‭ ‬وتكون‭ ‬نسب‭ ‬الإنجاز‭ ‬عالية‭.‬

انعكاسات‭ ‬جسدية‭ ‬وعاطفية

{ أمام‭ ‬ذلك،‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬الانعكاسات‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬ان‭ ‬تنتج‭ ‬بسبب‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمل؟

هناك‭ ‬انعكاسات‭ ‬جسدية‭ ‬وعضلية‭ ‬مثل‭ ‬الإرهاق‭ ‬المزمن،‭ ‬أمراض‭ ‬متكررة،‭ ‬صداع،‭ ‬آلام‭ ‬عضلية‭ ‬وتغير‭ ‬في‭ ‬النوم‭ ‬والشهية‭.‬

وهناك‭ ‬انعكاسات‭ ‬وعلامات‭ ‬عاطفية‭ ‬مثل‭ ‬سرعة‭ ‬الغضب،‭ ‬الانفعال،‭ ‬الشعور‭ ‬باليأس‭ ‬وفقدان‭ ‬الحافز‭.‬

يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬علامات‭ ‬سلوكية‭ ‬مثل‭ ‬الانسحاب،‭ ‬المماطلة،‭ ‬استخدام‭ ‬أدوية‭ ‬ومهدئات‭ ‬للإحساس‭ ‬بالتحسن،‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬الأخطاء‭ ‬والحوادث‭.‬

{ هل‭ ‬تختلف‭ ‬حدة‭ ‬الانعكاسات‭ ‬باختلاف‭ ‬الاشخاص؟‭ ‬وكيف‭ ‬ذلك؟

نعم،‭ ‬فبعض‭ ‬الفئات‭ ‬معرضة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها،‭ ‬مثل‭ ‬العاملين‭ ‬عن‭ ‬بعد‭ ‬مع‭ ‬حدود‭ ‬غير‭ ‬واضحة‭ ‬للمسؤوليات‭ ‬والادوار،‭ ‬وكذلك‭ ‬الافراد‭ ‬المثاليين‭ ‬وأصحاب‭ ‬الانجازات‭ ‬العالية‭ ‬والذي‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬ينقص‭ ‬مستواه‭ ‬العلمي‭ ‬أو‭ ‬الوظيفي،‭ ‬والأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬لديهم‭ ‬توازن‭ ‬سيئ‭ ‬بين‭ ‬العمل‭ ‬والحياة‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬عمل‭ ‬سامة‭. ‬هؤلاء‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬حدة‭ ‬الانعكاسات‭ ‬عليهم‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭.‬

{ في‭ ‬رأيك‭.. ‬ماهي‭ ‬الكلفة‭ ‬السلبية‭ ‬لوجود‭ ‬هذه‭ ‬المشاكل‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمل؟

بكل‭ ‬تأكيد،‭ ‬هناك‭ ‬كلفة‭ ‬كبيرة‭ ‬بسبب‭ ‬الإرهاق‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬المهارات‭ ‬ودور‭ ‬الموظفين‭ ‬والإنتاجية،‭ ‬فبشكل‭ ‬عام،‭ ‬يشبه‭ ‬الخبراء‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬ببطارية‭ ‬تستنزف‭ ‬تدريجيا‭ ‬مع‭ ‬الاستخدام،‭ ‬ويتحول‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الإرهاق‭ ‬ولمدد‭ ‬طويلة‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬استنزاف‭ ‬دائم‭. ‬وعندما‭ ‬تزداد‭ ‬مطالب‭ ‬العمل‭ ‬التي‭ ‬تستنزف‭ ‬بطارية‭ ‬الموظف‭ ‬مثل‭ ‬عبء‭ ‬عمل‭ ‬مرتفع،‭ ‬الجهد‭ ‬العاطفي،‭ ‬ضغط‭ ‬الوقت‭ ‬وتعارض‭ ‬الأدوار‭ ‬وانخفاض‭ ‬موارد‭ ‬الوظيفة،‭ ‬فإن‭ ‬لذلك‭ ‬كله‭ ‬كلفة‭ ‬تنعكس‭ ‬على‭ ‬الموظف‭ ‬وعلى‭ ‬الإنتاجية‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬ان‭ ‬عوامل‭ ‬مثل‭ ‬الاستقلالية‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬الوظيفة،‭ ‬والدعم‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬والتغذية‭ ‬الراجعة‭ ‬المنتظمة‭ ‬وفرص‭ ‬النمو‭ ‬الوظيفي‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬إيجابية‭.‬

لذلك‭ ‬تؤكد‭ ‬الدراسات‭ ‬هنا‭ ‬أن‭ ‬الوقاية‭ ‬من‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬أقل‭ ‬كلفة‭ ‬وأكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬من‭ ‬علاجه‭.‬

أنماط‭ ‬سلبية

{ أشرت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬السبب‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬أنماط‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬الخاطئة‭ ‬السائدة،‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬الأنماط‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا؟

يمكن‭ ‬ان‭ ‬نلخص‭ ‬أبرز‭ ‬أسباب‭ ‬او‭ ‬سمات‭ ‬الأنماط‭ ‬غير‭ ‬الصحية‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭ ‬والتي‭ ‬تسبب‭ ‬الإرهاق‭ ‬بست‭ ‬نقاط‭ ‬هي‭:‬

1‭. ‬عبء‭ ‬العمل‭ ‬غير‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬الإدارة‭ ‬الفعالة،‭ ‬عبء‭ ‬كثير‭ ‬وبسرعة‭ ‬كبيرة‭.‬

2‭. ‬نقص‭ ‬السيطرة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الموظفين،‭ ‬بمعنى‭ ‬ان‭ ‬يدار‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬جو‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬فيه‭ ‬للموظف‭ ‬أي‭ ‬رأي‭ ‬بالقرارات‭.‬

3‭. ‬المكافآت‭ ‬غير‭ ‬الكافية،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يشمل‭ ‬عدم‭ ‬التقدير‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬الأجر‭ ‬العادل‭.‬

4‭. ‬انهيار‭ ‬المجتمع‭ ‬الوظيفي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬العزلة‭ ‬والصراع‭ ‬داخل‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭.‬

5‭. ‬غياب‭ ‬العدالة،‭ ‬مثل‭ ‬التمييز‭ ‬والمحاباة‭.‬

6‭. ‬تعارض‭ ‬القيم‭. ‬كأن‭ ‬تختلف‭ ‬القيم‭ ‬الشخصية‭ ‬للموظف‭ ‬مقابل‭ ‬قيم‭ ‬الشركة‭ ‬والمؤسسة‭.‬

{ هل‭ ‬هناك‭ ‬قطاعات‭ ‬ومجالات‭ ‬تزداد‭ ‬فيها‭ ‬المشكلة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرها؟

ربما‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬مهن‭ ‬تزداد‭ ‬فيها‭ ‬مشكلة‭ ‬الإرهاق‭ ‬او‭ ‬الاحتراق‭ ‬الوظيفي‭ ‬ومنها‭ ‬المهن‭ ‬المساعدة‭ ‬في‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية،‭ ‬المهن‭ ‬التعليمية‭ ‬وخاصة‭ ‬المعلمين‭ ‬والاخصائيين‭ ‬الاجتماعيين‭. ‬ولكن‭ ‬اليوم‭ ‬بات‭ ‬الجميع‭ ‬معرضا‭ ‬لان‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬الارهاق‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬المجالات‭ ‬ولكن‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭.‬

{ وهل‭ ‬تقتصر‭ ‬المشكلة‭ ‬على‭ ‬بيئات‭ ‬العمل‭ ‬فقط؟‭ ‬أم‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يعاني‭ ‬منها‭ ‬الطلاب‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية‭ ‬مثلا؟

بالطبع‭ ‬نعم،‭ ‬فحتى‭ ‬الطلاب‭ ‬معرضون‭ ‬لمشكلة‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي،‭ ‬وخاصة‭ ‬إن‭ ‬كانت‭ ‬الموارد‭ ‬والقدرات‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬متطلبات‭ ‬الدراسة،‭ ‬مع‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬الحافز‭ ‬النفسي‭ ‬أو‭ ‬الشغف‭ ‬لدراسة‭ ‬مادة‭ ‬التخصص،‭ ‬وتزداد‭ ‬المشكلة‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬الشخصيات‭ ‬التي‭ ‬تتميز‭ ‬بالقلق‭ ‬وعدم‭ ‬التوازن‭.‬

{ في‭ ‬ظل‭ ‬ما‭ ‬أشرتم‭ ‬اليه‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬أنماط‭ ‬العمل‭ ‬غير‭ ‬الصحية،‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬أبرز‭ ‬أساليب‭ ‬الوقاية‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬وسائل‭ ‬العلاج‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬الشخص‭ ‬يعاني‭ ‬منها؟

الخبراء‭ ‬يؤكدون‭ ‬أن‭ ‬مواجهة‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬تتطلب‭ ‬حلولًا‭ ‬متكاملة،‭ ‬تبدأ‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الفردي‭ ‬وتصل‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬العمل‭.‬

ومن‭ ‬النصائح‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الفردي،‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬ان‭ ‬تعرف‭ ‬أعراض‭ ‬الإرهاق‭ ‬قبل‭ ‬حصوله‭. ‬وفي‭ ‬حال‭ ‬شعورك‭ ‬بالإرهاق،‭ ‬أعد‭ ‬شحن‭ ‬بطاريتك‭ ‬بأخذ‭ ‬راحة‭ ‬فورية،‭ ‬وضع‭ ‬حدوداً‭ ‬واضحة‭ ‬للعمل‭ ‬وساعات‭ ‬العمل،‭ ‬تعلم‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬عبء‭ ‬كبير‭ ‬أثناء‭ ‬العمل،‭ ‬خذ‭ ‬راحة‭ ‬حقيقية‭ ‬مثل‭ ‬خمس‭ ‬دقائق‭ ‬كل‭ ‬ساعة‭ ‬عمل‭. ‬وانقطع‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬بعد‭ ‬انقضاء‭ ‬ساعات‭ ‬العمل‭ ‬الرسمية،‭ ‬انتبه‭ ‬الى‭ ‬النوم‭ ‬والتغذية‭ ‬السليمة‭ ‬والصحة‭ ‬النفسية‭ ‬وطلب‭ ‬الدعم‭ ‬عند‭ ‬الحاجة‭.‬

ومن‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭ ‬التي‭ ‬ينصح‭ ‬بها‭:‬

‭- ‬اكتب‭ ‬عن‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬واربط‭ ‬العمل‭ ‬بالقيم‭ ‬الشخصية‭.‬

‭- ‬طور‭ ‬هواياتك‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬العمل‭.‬

‭- ‬لا‭ ‬تنسى‭ ‬أهمية‭ ‬طلب‭ ‬الدعم،‭ ‬مثل‭ ‬التحدث‭ ‬مع‭ ‬الاصدقاء‭ ‬والعائلة‭ ‬أو‭ ‬المعالج‭ ‬النفسي‭.‬

أما‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬المؤسسي،‭ ‬فتبرز‭ ‬أهمية‭ ‬اصلاح‭ ‬المنظوم‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬القادة‭ ‬في‭ ‬العمل،‭ ‬مثل‭ ‬ضبط‭ ‬أعباء‭ ‬العمل،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الاستقلالية،‭ ‬والاعتراف‭ ‬بجهود‭ ‬الموظفين‭ ‬وادوارهم‭ ‬وآرائهم،‭ ‬وبناء‭ ‬بيئة‭ ‬عمل‭ ‬عادلة‭ ‬وداعمة‭ ‬يقودها‭ ‬قادة‭ ‬يرسخون‭ ‬ثقافة‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الحياة‭ ‬والعمل‭.‬

ومن‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬المهمة‭ ‬هنا‭:‬

‭- ‬مراقبة‭ ‬أعباء‭ ‬عمل‭ ‬واقعية‭.‬

‭- ‬زيادة‭ ‬الاستقلالية‭ ‬للموظفين‭ ‬ومنها‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التحكم‭ ‬والسيطرة‭.‬

‭- ‬الاعتراف‭ ‬بالمساهمات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التقدير‭ ‬المنتظم،‭ ‬مع‭ ‬زيادة‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وشبكات‭ ‬الدعم‭.‬

‭- ‬فرض‭ ‬العدالة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سياسات‭ ‬شفافة‭. ‬وبنفس‭ ‬الوقت‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬

أن‭ ‬يكون‭ ‬القائد‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬قدوة‭ ‬للآخرين،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أخذ‭ ‬فترات‭ ‬راحة‭ ‬أيضاً‭.‬

 

في‭ ‬الجزء‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬الموضوع‭ ‬نتناول‭ ‬مشكلة‭ ‬الإرهاق‭ ‬العاطفي‭ ‬وأبعاده‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬علم‭ ‬الإدارة،‭ ‬والدراسات‭ ‬التي‭ ‬أجريت‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬المشكلة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا