كتبت: نوال عباس
لم يكن الحريق الذي اندلع في القرية التراثية الأهلية في منطقة عراد مجرد حادث عابر، بل لحظة موجعة التهمت سنوات من العمل، وأحلام عشرات الأطفال والشباب الذين وجدوا في القرية بيتًا ثانيًا وملاذًا آمنًا لتعلم الحرف والتشبث بالجذور.
علي عبدالله المطاوعة، صاحب القرية، وقف أمام رماد المكان الذي بناه على مدى ثماني سنوات بسواعده وسواعد أبنائه وطلبته، يقول بصوت يختلط فيه الألم بالأمل إن خسائر الحريق تجاوزت 150 ألف دينار بحريني، خسائر لم تكن أرقامًا بقدر ما كانت قصصًا ومقتنيات وقطعًا نادرة يصعب تعويضها.
يستعيد المطاوعة تفاصيل اللحظات الأولى للحريق، حين اندلعت النيران بشكل مفاجئ نتيجة الحرارة المصاحبة لأعمال وضع عازل الأمطار، ليشتعل سعف النخيل وتتمدد ألسنة اللهب بسرعة مع هبوب الرياح. ورغم توافر طفايات الحريق ومحاولات الأهالي والدفاع المدني فإن النار كانت أسرع، تاركة خلفها صدمة ثقيلة في القلوب.
كانت القرية قبل الحريق تنبض بالحياة؛ أكثر من 20 حرفة ومهنة تراثية، بأدواتها وخاماتها ومنتجاتها، وغرف تحتضن قطعًا نادرة تجاوز عمر بعضها 120 عامًا، من أجهزة كهربائية قديمة وراديوهات وتلفزيونات وتحفا وصناديق تحكي فصولًا من تاريخ البحرين الأصيل. اليوم، تحولت تلك الكنوز إلى رماد، ومعها جزء من الذاكرة الجماعية.
الألم كان أشد حين طال الحريق القسم الجديد الذي افتُتح مؤخرًا لتعزيز القيمة التراثية، منها «دار الطواش»، التي كانت تضم أدوات الغوص والطواش، ومكاييل اللؤلؤ، وأدوات صياغة الذهب، وأدوات «المدبسة» ومجسمات تراثية نادرة، لم تسلم غالبيتها من النيران.
لكن الخسارة الكبرى، كما يقول المطاوعة، لم تكن في المباني ولا في المقتنيات، بل في عيون الأطفال والشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و22 عامًا، الذين اعتادوا الاجتماع يوميًا في القرية للتعلم والعمل ساعات طويلة، بشغف وحب، حتى أصبحوا يشاركون في معارض داخل البحرين وخارجها. «القرية كانت الحضن الدافئ لهم»، يقولها بحسرة، قبل أن يستدرك بابتسامة أمل: «لكنهم اليوم مصممون على إعادة بنائها من جديد».
ورغم قسوة المشهد، لا يغيب الأمل، يناشد المطاوعة الجهات المختصة، على رأسها هيئة البحرين للثقافة والآثار وهيئة البحرين للسياحة، إلى جانب المجتمع المدني، للوقوف إلى جانب هذا المشروع الإنساني والتراثي، مؤكدًا أن الفكرة مازالت حية، والعقول والسواعد جاهزة لإعادة الإعمار، لكن الطريق يحتاج إلى دعم ومساندة.
القرية التراثية في عراد، التي تأسست عام 2018 بالقرب من قلعة عراد، لم تكن مجرد موقع للعرض، بل متحفًا حيًا أعاد للزوار ذكريات الماضي، وفتح أبوابه لتجربة صناعة الفخار والنسيج، وارتداء الزي التراثي، وتذوق الأكلات الشعبية، في أجواء عائلية دافئة. وهي اليوم، رغم ما أصابها، تقف شاهدًا على أن التراث لا يحترق، وأن الذاكرة قادرة على النهوض من تحت الرماد.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك