العدد : ١٧٤٦٧ - الأحد ١٨ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٦٧ - الأحد ١٨ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ رجب ١٤٤٧هـ

أخبار البحرين

حريق القرية التراثية الأهلية بعراد.. الألم أكبر من الخسائر
صاحب القرية وسط الركام: أكثر من 150 ألف دينار خسائر الحريق

الأحد ١٨ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

كتبت‭: ‬نوال‭ ‬عباس

لم‭ ‬يكن‭ ‬الحريق‭ ‬الذي‭ ‬اندلع‭ ‬في‭ ‬القرية‭ ‬التراثية‭ ‬الأهلية‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬عراد‭ ‬مجرد‭ ‬حادث‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬لحظة‭ ‬موجعة‭ ‬التهمت‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬العمل،‭ ‬وأحلام‭ ‬عشرات‭ ‬الأطفال‭ ‬والشباب‭ ‬الذين‭ ‬وجدوا‭ ‬في‭ ‬القرية‭ ‬بيتًا‭ ‬ثانيًا‭ ‬وملاذًا‭ ‬آمنًا‭ ‬لتعلم‭ ‬الحرف‭ ‬والتشبث‭ ‬بالجذور‭.‬

علي‭ ‬عبدالله‭ ‬المطاوعة،‭ ‬صاحب‭ ‬القرية،‭ ‬وقف‭ ‬أمام‭ ‬رماد‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬بناه‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ثماني‭ ‬سنوات‭ ‬بسواعده‭ ‬وسواعد‭ ‬أبنائه‭ ‬وطلبته،‭ ‬يقول‭ ‬بصوت‭ ‬يختلط‭ ‬فيه‭ ‬الألم‭ ‬بالأمل‭ ‬إن‭ ‬خسائر‭ ‬الحريق‭ ‬تجاوزت‭ ‬150‭ ‬ألف‭ ‬دينار‭ ‬بحريني،‭ ‬خسائر‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬أرقامًا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬قصصًا‭ ‬ومقتنيات‭ ‬وقطعًا‭ ‬نادرة‭ ‬يصعب‭ ‬تعويضها‭.‬

يستعيد‭ ‬المطاوعة‭ ‬تفاصيل‭ ‬اللحظات‭ ‬الأولى‭ ‬للحريق،‭ ‬حين‭ ‬اندلعت‭ ‬النيران‭ ‬بشكل‭ ‬مفاجئ‭ ‬نتيجة‭ ‬الحرارة‭ ‬المصاحبة‭ ‬لأعمال‭ ‬وضع‭ ‬عازل‭ ‬الأمطار،‭ ‬ليشتعل‭ ‬سعف‭ ‬النخيل‭ ‬وتتمدد‭ ‬ألسنة‭ ‬اللهب‭ ‬بسرعة‭ ‬مع‭ ‬هبوب‭ ‬الرياح‭. ‬ورغم‭ ‬توافر‭ ‬طفايات‭ ‬الحريق‭ ‬ومحاولات‭ ‬الأهالي‭ ‬والدفاع‭ ‬المدني‭ ‬فإن‭ ‬النار‭ ‬كانت‭ ‬أسرع،‭ ‬تاركة‭ ‬خلفها‭ ‬صدمة‭ ‬ثقيلة‭ ‬في‭ ‬القلوب‭.‬

كانت‭ ‬القرية‭ ‬قبل‭ ‬الحريق‭ ‬تنبض‭ ‬بالحياة؛‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬20‭ ‬حرفة‭ ‬ومهنة‭ ‬تراثية،‭ ‬بأدواتها‭ ‬وخاماتها‭ ‬ومنتجاتها،‭ ‬وغرف‭ ‬تحتضن‭ ‬قطعًا‭ ‬نادرة‭ ‬تجاوز‭ ‬عمر‭ ‬بعضها‭ ‬120‭ ‬عامًا،‭ ‬من‭ ‬أجهزة‭ ‬كهربائية‭ ‬قديمة‭ ‬وراديوهات‭ ‬وتلفزيونات‭ ‬وتحفا‭ ‬وصناديق‭ ‬تحكي‭ ‬فصولًا‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬البحرين‭ ‬الأصيل‭. ‬اليوم،‭ ‬تحولت‭ ‬تلك‭ ‬الكنوز‭ ‬إلى‭ ‬رماد،‭ ‬ومعها‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭.‬

الألم‭ ‬كان‭ ‬أشد‭ ‬حين‭ ‬طال‭ ‬الحريق‭ ‬القسم‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬افتُتح‭ ‬مؤخرًا‭ ‬لتعزيز‭ ‬القيمة‭ ‬التراثية،‭ ‬منها‭ ‬‮«‬دار‭ ‬الطواش‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تضم‭ ‬أدوات‭ ‬الغوص‭ ‬والطواش،‭ ‬ومكاييل‭ ‬اللؤلؤ،‭ ‬وأدوات‭ ‬صياغة‭ ‬الذهب،‭ ‬وأدوات‭ ‬‮«‬المدبسة‮»‬‭ ‬ومجسمات‭ ‬تراثية‭ ‬نادرة،‭ ‬لم‭ ‬تسلم‭ ‬غالبيتها‭ ‬من‭ ‬النيران‭.‬

لكن‭ ‬الخسارة‭ ‬الكبرى،‭ ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬المطاوعة،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬المباني‭ ‬ولا‭ ‬في‭ ‬المقتنيات،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬الأطفال‭ ‬والشباب‭ ‬الذين‭ ‬تتراوح‭ ‬أعمارهم‭ ‬بين‭ ‬10‭ ‬و22‭ ‬عامًا،‭ ‬الذين‭ ‬اعتادوا‭ ‬الاجتماع‭ ‬يوميًا‭ ‬في‭ ‬القرية‭ ‬للتعلم‭ ‬والعمل‭ ‬ساعات‭ ‬طويلة،‭ ‬بشغف‭ ‬وحب،‭ ‬حتى‭ ‬أصبحوا‭ ‬يشاركون‭ ‬في‭ ‬معارض‭ ‬داخل‭ ‬البحرين‭ ‬وخارجها‭. ‬‮«‬القرية‭ ‬كانت‭ ‬الحضن‭ ‬الدافئ‭ ‬لهم‮»‬،‭ ‬يقولها‭ ‬بحسرة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يستدرك‭ ‬بابتسامة‭ ‬أمل‭: ‬‮«‬لكنهم‭ ‬اليوم‭ ‬مصممون‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬بنائها‭ ‬من‭ ‬جديد‮»‬‭.‬

ورغم‭ ‬قسوة‭ ‬المشهد،‭ ‬لا‭ ‬يغيب‭ ‬الأمل،‭ ‬يناشد‭ ‬المطاوعة‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة،‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬هيئة‭ ‬البحرين‭ ‬للثقافة‭ ‬والآثار‭ ‬وهيئة‭ ‬البحرين‭ ‬للسياحة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬للوقوف‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬الإنساني‭ ‬والتراثي،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أن‭ ‬الفكرة‭ ‬مازالت‭ ‬حية،‭ ‬والعقول‭ ‬والسواعد‭ ‬جاهزة‭ ‬لإعادة‭ ‬الإعمار،‭ ‬لكن‭ ‬الطريق‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬ومساندة‭.‬

القرية‭ ‬التراثية‭ ‬في‭ ‬عراد،‭ ‬التي‭ ‬تأسست‭ ‬عام‭ ‬2018‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬قلعة‭ ‬عراد،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬موقع‭ ‬للعرض،‭ ‬بل‭ ‬متحفًا‭ ‬حيًا‭ ‬أعاد‭ ‬للزوار‭ ‬ذكريات‭ ‬الماضي،‭ ‬وفتح‭ ‬أبوابه‭ ‬لتجربة‭ ‬صناعة‭ ‬الفخار‭ ‬والنسيج،‭ ‬وارتداء‭ ‬الزي‭ ‬التراثي،‭ ‬وتذوق‭ ‬الأكلات‭ ‬الشعبية،‭ ‬في‭ ‬أجواء‭ ‬عائلية‭ ‬دافئة‭. ‬وهي‭ ‬اليوم،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬أصابها،‭ ‬تقف‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬التراث‭ ‬لا‭ ‬يحترق،‭ ‬وأن‭ ‬الذاكرة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬النهوض‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬الرماد‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا