إن التحليل القائم على ربط الاستشراق بإعادة الهندسة الحديثة لمنطقة الشرق الأوسط يعد مجالًا أكاديميًا رصينًا، يمكن أن تُدَرّس فيه تاريخ المعرفة وسوسيولوجيا السياسة الخارجية للاستعمار. وإن المؤلَّف الموسوعي للدكتور إدوارد سعيد، «الاستشراق»، و«أرشيف جيرترود بيل في جامعة نيوكاسل»Gertrude Bell Archive Newcastle University، والمصادر والابحاث الحديثة التي تبني فهمًا متينًا للعلاقة بين معرفة المنطقة وإعادة صنعها، تشكل جميعها مصادر أكاديمية للبحث في معرفة جذور وحقيقة الاستشراق، الذي لم ينته، بل مازال أداؤه مستمرًا، بعناوين مختلفة، لرسم أحداث ومستقبل منطقتنا.
وللبحث في العلاقة بين إعادة هندسة المنطقة في مشروع الشرق الأوسط الجديد وبين ما أسسه المستشرقون خلال القرون السابقة هناك ضرورة لتوضيح وفهم الرابط التاريخي والفكري الدقيق للمشروع، والربط بين مرحلة الاستعمار الكلاسيكي، حيث كان الاستشراق أداة للفهم والتحكم، كنظام معرفي أنتج تصنيفات وهيمنات لا تزال تؤثر حتى اليوم؛ والمرحلة الحديثة، حيث أعيد توظيف هذه المعرفة في مشاريع إعادة الهندسة الجيوسياسية؛ وصولًا إلى تأكيد أن الاستشراق لم يكن مجرد دراسة أكاديمية بريئة بل كان جزءًا من آلة الهيمنة الاستعمارية المبكرة.
إن العلاقة بين مشروع الشرق الأوسط الجديد وقاعدة البيانات الاستشراقية هي علاقة تأسيسية وتكتيكية، يمكن فهمها على أنها عملية من مرحلتين: مرحلة تراكم المعرفة (الاستشراق) تليها مرحلة التطبيق (إعادة الهندسة)، إذ لم يكن الاستشراق مجرد اهتمام بالشرق كما جرى الترويج له، بل كان في المرحلة الأولى نظامًا معرفيًا منظمًا لجمع البيانات، وتصنيفها، خدَمَ أهدافًا استعمارية للفهم والمعرفة من أجل التَحَكُّم؛ ولتصنيف المجتمعات في خانة «قابل للاستعمار»؛ ولبناء سردية التفوق والتخلف. وفي المرحلة الثانية تأسس مشروع الشرق الأوسط الجديد كـتطبيق عملي للنظام المعرفي المنظم.
وبذلك يمكن التأكيد أن المعرفة التي أنتجها الاستشراق لم تذهب سدى بعد انتهاء مرحلة الاستعمار القديم بل أُعِيد استثمارها في مشروع إعادة الهندسة الحديث، الذي أعاد استخدام نفس التصنيفات والخرائط، لكن بأدوات وذهنية عصرية.. ولربما مع استمرارية تحديث وتطوير الجهد المعرفي الاستشراقي يبقى قابلًا للاستخدام والاستثمار من أجل بقاء فكر وقوة الاستعمار الغربي المهيمن في العالم إلى أجل غير معلوم.
مستشرقون في الحقبة
العربية المصيرية
من بين أعداد من المُرسَلين إلى المنطقة للبحث والاستكشاف عمل ثلاثة مستشرقين رئيسيين في عمق المجتمعات العربية، في تداخل زمني ومكاني جعلهم يُشَكّلُونَ معًا مثلثًا مؤثرًا في رسم خريطة المنطقة، على الرغم من اختلاف أدوارهم ومواقفهم، ما يؤكد تكامل أدوارهم، وتعاونهم في فترات معينة.
السيدة جيرترود بيل، الملقبة بـ«خاتون بغداد»، والسير ت. إ. لورانس، الملقب بـ«لورانس العرب»، والسانت جون فيليبي، الملقب بـ«الشيخ عبدالله»، نماذج من المستشرقين الذين عاشوا في منطقة الشرق الأوسط في نفس الحقبة المصيرية (1914-1926)، وعملوا بالتعاون والتنافس فيما بينهم، وكانوا من أبرز الضباط السياسيين وأهم الأذرع الاستخباراتية في وزارة المستعمرات البريطانية؛ وكانت معرفتهم العميقة بالمنطقة، وشبكة علاقاتهم، وتقاريرهم الاستخباراتية، هي المادة الخام التي رسمت بها بريطانيا خريطة الشرق الأوسط الحديث، ما جعل من هذا الثلاثي البريطاني الأكثر تأثيرًا في تاريخ المنطقة العربية في القرن العشرين.
أرشيف جيرترود بيل
دليل إدانة تاريخي
قضت المستشرقة الإنجليزية السيدة جيرترود بيل (1868-1926) سنوات من حياتها بين القبائل والعشائر والطوائف في شبه الجزيرة العربية ومنطقة شرق المتوسط «العثمانية»؛ وعاشت في العراق ما يقارب من عشر سنوات حتى وفاتها عام 1926، وأكدت قرارات مؤتمر القاهرة 1921 أنها كانت الخبيرة الرئيسية في الشؤون العربية لدى الحكومة البريطانية خلال وبعد الحرب العالمية الأولى؛ إذ لعبت دورًا محوريًا في رسم حدود العراق الحديث، واختيار النظام الملكي للعراق والملك فيصل الأول كأول ملك، وتأسيس متحف العراق، الذي نُهب لاحقًا عام 2003.
وأرشيف جيرترود بيل هو مجموعة ضخمة من المراسلات والتقارير والخرائط والمذكرات الشخصية والصور الفوتوغرافية التي تركتها؛ ويحتوي على رسائلها الرسمية إلى وزارة الخارجية البريطانية، ومراسلاتها الشخصية مع شخصيات مثل ت. إ. لورنس (لورنس العرب)، وتقارير استخباراتية عن العشائر والطوائف والموارد العراقية، ومذكراتها عن مؤتمر القاهرة الذي قرر مصير المنطقة، والخرائط التي رسمتها بيدها.. وتم رقمنة جزء كبير من هذا الأرشيف وهو متاح للعموم عبر مكتبة جامعة نيوكاسل في المملكة المتحدة (يمكن الاطلاع عليه تحت عنوان Gertrude Bell Archive).
حوّلت جيرترود بيل المعرفة الأنثروبولوجية إلى أداة إدارية لـمبدأ «فَرِّق تَسُد»، وخلق توازنات هشة، من خلال دراسة العشائر العراقية. وحددت في خرائطها مناطق نفوذ القبائل وحدودها، فكرّست نظرة للمجتمع العراقي كمجموعة هويات بدائية متصارعة، وليس كأمة قابلة للتطور، وخصوصًا بتصنيفها المجتمع ككيانات منفصلة وطوائف شيعة وسنة وأكراد.
استخدمت بيل معرفة اللغة (كانت تتحدث الانجليزية والفرنسية والعربية والفارسية) والتاريخ لتبرير السيطرة السياسية والعسكرية، وشرعنة الهيمنة من خلال ما تظهره كتاباتها من إيمان بواجب الرجل الأبيض في إدارة هذه المجتمعات المتخلفة التي كرستها في دراستها.
الاستشراق الأكاديمي
والتطبيق الاستعماري
يعد أرشيف جيرترود بيل أكثر من مجرد وثائق تاريخية، بل هو سجل حي يُظهر كيف تُترجم المعرفة الأنثروبولوجية والتاريخية مباشرة إلى قرارات حدودية وسياسية مصيرية؛ كما يُعتبر برهان على أن الرؤية الطائفية-العشائرية للمجتمعات العربية لم تكن طبيعية، بل تم تعزيزها وتسليط الضوء عليها من قبل القوى الخارجية لتسهيل حُكمها.
والأرشيف يعد نموذجًا للاستشراق الأكاديمي والتطبيق الاستعماري، وتأكيدًا لأن مشروع الشرق الأوسط الجديد ليس جديدًا، بل هو تكرار مُعاصر لنفس العقلية الاستعمارية التقليدية في إعادة التشكيل، مع تغيير الأدوات، فحلت الدبابات بدلًا من المعاهدات، و«الفوضى الخلاقة» بدلًا من الانتداب، والمستشارون ومصانع الفكر ومراكز الدراسات والسياسات بدلًا من المستشرقين.
الأرشيف يضم آلاف الصفحات والصور التي تُوَثّق البذور الأولى لمشروع إعادة رسم المنطقة في القرن العشرين، التي لا تزال تُثمر نارًا ودمارًا حتى اليوم.
الاستشراق مشروع مؤسسي منظم
لم يكن نجاح المستشرقين في جمع البيانات مصادفة أو جهودًا فردية فقط، بل كان مشروعًا مؤسسيًا منظمًا، بآليات منهجية وتمويل رسمي، هدفه بناء موسوعة استعمارية شاملة عن المنطقة. كانت الرحلات الاستكشافية العلمية هي آلياته المعلنة التي جمعت بين علوم الآثار والانثروبولوجيا والتجسس؛ كما عمل المستشرقون أيضًا في التأسيس الأكاديمي مثل إنشاء كليات اللغات الشرقية (باريس)، والجمعيات الجغرافية، والمجلات المتخصصة، التي شكّلت شبكة معرفية راعية لرحلات الاستكشاف؛ إضافة إلى الاهتمام الجاد بآلية التوثيق والتصوير وجمع المخطوطات والآثار.
ورغم ضبابية المعلومات حول جذور أعمال المستشرقين فإنهم كانوا يعملون تحت مظلة الدولة والدبلوماسية (مثال: وزارة المستعمرات البريطانية)، حيث كان منهم قناصل وسفراء وجواسيس، أو ضباط استخبارات، ووفرت لهم وظائفهم الحصانة والموارد وغطت أنشطتهم.
المعرفة منهج للغزو والحكم
إن المنطق العملي للإمبريالية المعرفية البريطانية تقوم على مبدأ غير مكتوب، يؤكد أنه «لكي تحكم شعبًا، يجب أولًا أن تعرفه أكثر مما يعرف نفسه»، وهذا يلخص تفاصيل الممارسة التاريخية الاستعمارية التي تم تجسيدها على الأرض بإنشاء قواعد بيانات ضخمة منح المستعمر والمحتل تفوقًا معلوماتيًا مكّنَه من تقسيم المجتمعات وإدارتها عبر سياسة «فرّق تسد»، والقدرة على توقّع الثورات وقمعها قبل انطلاقها، ونهب واستغلال موارد الشعوب بكفاءة.
هذا النهج في الحكم جعل الاستعمار البريطاني أكثر ديمومة وأقل كلفة من غيره، لأنه حوّل المعرفة إلى سلطة ممنهجة أسست أكبر إمبراطورية استعمارية في التاريخ.
إن جمع البيانات الاستشراقي كان المرحلة الصفر من الغزو، والمستشرقون وفروا هذه المعرفة التشغيلية التي جعلت الاستعمار ممكنًا، ولم تكن السيطرة بالدبابات وحدها، بل بالخرائط والقواميس وتقارير القبائل.
وهذا يفسر لماذا كانت حدود سايكس-بيكو دقيقة جدًا في تقسيم مناطق النفوذ، ولماذا استطاعت بريطانيا إدارة العراق المعقد بمئات الضباط فقط.
باختصار، كان الاستشراق هو الذكاء الاصطناعي في تلك المرحلة، وتراكمه المعرفي كان يُعتبر البيانات الضخمة لعصر الإمبراطوريات، لأنهم كانوا يحكمون عبر قاعدة البيانات التي صنعها المستشرقون على مدى قرن.
المستشرقون المعاصرون
ومع مرحلة الاستعمار الحديث تغيرت الألقاب والمسميات، وبقي الدور المعرفي والمعلوماتي مستمرًا؛ إذ يُستَخدم الباحث الاستشراقي كخبير استراتيجي، وباحث أو مستشار في مراكز الفكر، أو محلل في وزارة الدفاع. ويعد المستشرق برنارد لويس (1916- 2018)، المتخصص في التاريخ الإسلامي، المثال الأبرز كمرجع استراتيجي معاصر لصانعي القرار حول «كيف يفكر المسلمون»، من خلال دعواته الصريحة لإعادة رسم الخرائط الطائفية والعرقية التي رسمها الاستشراق الكلاسيكي في الشرق الأوسط، واستغلال الولاءات الأولية والهويات ما قبل الوطنية (القبلية والطائفية)، وتفكيك الولاء للدولة المركزية، مع تقديم التحرير في سردية للهويات الفرعية كتبرير لتفكيك الدولة القومية.
جوهر الخريطة الفكرية
لبرنارد لويس
في تحليلاته منذ السبعينيات طرح برنارد لويس أفكارًا شكلت النظرية التأسيسية لما يسمى «الشرق الأوسط الجديد» من خلال طرحه «إن الحدود التي رسمها سايكس-بيكو (1916) مصطنَعة وغير مستدامة، وستنهار تحت وطأة التناقضات الداخلية، لتظهر كيانات أكثر تجانسًا على أساس هويات ما قبل الوطنية (طائفية، عرقية، قبلية)». وفي مشروعه حول «العقلية الإسلامية» قدّم قراءة للتاريخ تفيد بأن الصراع الأساسي في المنطقة ليس مع الاستعمار أو إسرائيل، بل هو صراع داخلي بين الإسلام والحداثة، وبين السنة والشيعة، وبين العرب والأتراك والفرس والأكراد (برنارد لويس: «أزمة الإسلام: الحروب المقدسة والإرهاب غير المقدس»، 2003 (The Crisis of Islam: Holy War and Unholy Terror).
يعد المستشرق الأمريكي، البريطاني الأصل، برنارد لويس المُنَظّر غير الرسمي لمشروع الشرق الأوسط الجديد، من خلال نشاطه الفكري الذي جهّز العقلية الغربية لفهم المنطقة ليس كدول وشعوب لها حقوق، بل كـفسيفساء من الهويات المتناحرة التي يمكن التعامل معها وإعادة تركيبها.. هو لم يخطط للغزو، لكنه قدّم ما يمكن وصفه بخريطة طريق تنفيذية للمشروع، من خلال علاقته كمُنظّر يزرع الفكرة مع السياسي والعسكري، ويحصد نتائجها على الأرض.
كتب الاستشراق «دليل المستخدم» للمنطقة، ومنظرو «مشروع الشرق الأوسط الجديد» عملوا على تطبيق هذا الدليل بعنف لإصلاح، أو إعادة تركيب، خريطته بمنظور جديد أكثر تدميرًا. والخطير في الأمر أن هذا «الدليل» مبني على تصورات ثابتة وجوهرية مجردة عن التاريخ والسياق العام، ما يجعل الحل الذي يقدمه كارثيًا.
ولا يزال المستشرقون يقومون بأدوارهم الاستراتيجية، والتكتيكية، في أكثر المواقع حساسية وتأثيرًا في صناعة القرار العربي.
ولربما نكتب مستقبلًا عن السبل الجديدة في جمع البيانات الضخمة حول تفاصيلنا الحياتية الدقيقة، التي نقدمها بأنفسنا وبرحابة صدر، عبر التطبيقات الالكترونية الذكية والخفية على شبكات الانترنت، لتصب كمعلومات استراتيجية في نهر مراكز الاستشراق الجديدة المتمثلة في مخازن البيانات السحابية، ثم تُحال إلى البحث والتحليل وصناعة القرار في دوائر الاستعمار الحديث؛ وكيف أصبحت هذه البيانات اليوم هدفًا تتصارع عليه الأقطاب الكبرى في العالم، لأن من يملك المعلومة يملك القوة.
sr@sameerarajab.net

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك