فتحت الاحتجاجات المتصاعدة في إيران، التي انطلقت على خلفية التدهور الاقتصادي قبل أن تتوسع إلى مطالب تمس هرم السلطة، الباب أمام سيناريوهات متعددة لمستقبل النظام القائم منذ 47 عامًا، وسط قمع أمني متواصل ومخاوف من تحولات غير محسوبة.
وبحسب تقرير لصحيفة The Times، فإن النظام يعتمد حتى الآن استراتيجية مجرّبة تقوم على قطع الإنترنت والاتصالات ثم الدفع بقوات الحرس الثوري الإيراني ومليشيات الباسيج لتطويق الاحتجاجات. ونقلت الصحيفة عن السفير البريطاني السابق لدى طهران روب ماكير قوله إن النظام «سيذهب في النهاية إلى أقصى درجات القمع»، معتبرًا أن استمرار الوضع الراهن «غير مستدام».
وتناول التقرير سيناريو انقسام داخلي قد يفضي إلى خروج المرشد الأعلى علي خامنئي من المشهد، في ظل صراعات خلافة متصاعدة، مشيرًا إلى تقارير استخباراتية وتصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب رجّحت احتمال فراره إذا تفاقمت الاحتجاجات. وفي حال حدوث ذلك، قد يسعى النظام إلى إعادة إنتاج نفسه عبر قيادة بديلة مع وعود إصلاحية.
كما حذّر التقرير من سيناريو آخر يتمثل في تغوّل الحرس الثوري وتهميش المرجعية الدينية، بما يضع البلاد فعليًا تحت حكم عسكري، مستندًا إلى النفوذ الاقتصادي والإعلامي الواسع لهذه المؤسسة. وفي المقابل، رُصدت مخاوف من أن أي ضربة عسكرية أمريكية محتملة قد تدفع البلاد إلى مرحلة «غير قابلة للتنبؤ»، دون ضمان تحقيق أهداف خارجية.
أما السيناريو الأبعد، فيتعلق بعودة نجل الشاه السابق رضا بهلوي، الذي أعلن استعداده للعودة وقيادة مرحلة انتقالية، وسط هتافات «يحيا الشاه» في بعض الاحتجاجات داخل إيران وخارجها. غير أن نجاح هذا المسار يظل مرهونًا بتصدعات داخلية عميقة، وموقف الحرس الثوري، وقدرة المعارضة على فرض واقع ميداني جديد.
من جهة ثانية كشفت مصادر خاصة وفق ارم نيوز أن من أخطر هذه السيناريوهات احتمال لجوء الحرس الثوري الإيراني إلى انقلاب داخلي يستهدف رموز السلطة التقليدية، يتزامن مع فتح قنوات تفاوض مع واشنطن لبحث صيغة جديدة للنظام السياسي، مقابل تقديم تنازلات وُصفت بأنها «قاسية ومؤلمة»، قد يحدد ترامب سقفها وشروطها.
وتحذّر المصادر من أن تسارع الأحداث قد يقود إلى صدام خطير بين المؤسستين العسكريتين الأهم في البلاد، الحرس الثوري والجيش النظامي، في ظل احتدام الصراع على النفوذ داخل الدولة، وهو سيناريو قد يفضي إلى مواجهات دموية غير مسبوقة تهدد بانفجار داخلي واسع.
ويأتي ذلك في وقت تتواصل فيه الاتصالات الخلفية بين طهران وواشنطن، إذ تحدث ترامب عن طلب إيراني للتفاوض حول البرنامج النووي، بينما أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي استمرار التواصل بين الوزير عباس عراقجي والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف لتبادل الرسائل عند الحاجة، دون وضوح الجهة المسيطرة على قرار التفاوض داخل إيران.
ويرى محللون أن النظام الإيراني يقترب من لحظة حاسمة بعد نحو 47 عامًا من الحكم، في ظل ضغط الشارع، والخسائر الاقتصادية الهائلة، والتلويح الأمريكي بخيارات عسكرية أو اقتصادية أشد قسوة. وبينما تتراوح الخيارات بين تغيير من الداخل أو تسوية مفروضة من الخارج، تبقى الأيام القليلة المقبلة كفيلة بتحديد ما إذا كانت طهران ستدخل مرحلة تنازلات كبرى أم تنزلق إلى صراع داخلي مفتوح يعيد رسم المشهد الإيراني والإقليمي.
على صعيد آخر قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، إن الخطاب العلني لإيران يتناقض مع لهجة ممثليها في الاتصالات غير المعلنة مع واشنطن، مؤكدة أن طهران تعتمد نبرة مختلفة كليًا في القنوات الخلفية مقارنة بتصريحاتها الرسمية.
وأضافت ليفيت للصحفيين أن الحكومة الإيرانية تواصلت مع شخصية مقرّبة جدًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هو المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، مشيرة إلى أن الحوار جرى «بلغة مغايرة تمامًا لما تطرحه إيران علنًا».
وكان موقع أكسيوس قد أفاد، نقلًا عن مصادر، بأن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وويتكوف ناقشا تطورات الأوضاع في إيران وإمكانية عقد لقاء خلال الأيام المقبلة، وهو ما أكده عراقجي لاحقًا، مشددًا على أن الاتصالات مستمرة حتى بعد اندلاع الاحتجاجات.
وفي السياق ذاته، جدّد ترامب تهديده بدعم ضربات جديدة ضد إيران إذا واصلت تطوير برامجها الصاروخية والنووية، ملوّحًا بتوجيه «ضربة قوية» في حال سقوط قتلى بين المتظاهرين، ومؤكدًا استعداده لـ«مساعدة الشعب الإيراني عند الحاجة». كما نقلت رويترز عنه قوله إن طهران طلبت مفاوضات بشأن برنامجها النووي، وإن واشنطن منفتحة على لقاء ممثليها، دون أن يذكر صحفيو البيت الأبيض الملف النووي صراحة.
وتأتي هذه التصريحات على وقع احتجاجات اندلعت في إيران منذ أواخر ديسمبر 2025 بسبب تراجع قيمة الريال، وتصاعدت بعد دعوات أطلقها رضا بهلوي في 8 يناير، تزامنًا مع قطع الإنترنت وتحول التظاهرات في عدة مدن إلى مواجهات مع الشرطة، قبل أن تعلن السلطات الإيرانية في 12 يناير السيطرة على الوضع، متهمة الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلف الاضطرابات.
في المقابل حذّر عدد من أعضاء الكونغرس الجمهوريين البيت الأبيض من الانشغال بملفات خارجية لا تحظى بأولوية لدى الناخب الأمريكي، وذلك عقب العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا وتصريحات الرئيس دونالد ترامب بشأن إيران وغرينلاند، وفق تقرير نشرته مجلة The Atlantic.
وبحسب التقرير، شدد المشرعون الجمهوريون على أن أولوية ناخبيهم تتركز على القضايا المعيشية داخل الولايات المتحدة، وفي مقدمتها ضبط الأسعار وتحسين القدرة الشرائية، وليس التورط في تدخلات عسكرية خارجية أو الانخراط في أزمات دول بعيدة عن اهتمامات المواطن الأمريكي اليومية.
ونقلت المجلة عن هؤلاء المشرعين قولهم إن غالبية الناخبين لا يبدون اهتمامًا يُذكر بما يجري في دول مثل فنزويلا أو إيران، بل إن كثيرين منهم لا يعرفون الموقع الجغرافي لغرينلاند، التي تظهر على الخرائط بحجم أكبر من حقيقتها بسبب إسقاطات الخرائط التقليدية.
وكان ترامب قد أدلى في وقت سابق بتصريحات لافتة بشأن عدة ملفات خارجية، إذ تحدث عن وضع «غامض» في كوبا، وعلّق على الاحتجاجات في إيران بالقول إن «الجمهورية الإسلامية تتوق إلى الحرية»، ملوّحًا باستعداد واشنطن لتقديم المساعدة، قبل أن يكرر تهديده بتوجيه ضربة قوية لطهران في حال سقوط قتلى بين المتظاهرين.
أما فيما يتعلق بغرينلاند، وهي إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ضمن الدنمارك، فقد جدد ترامب تأكيده أهميتها الاستراتيجية للأمن القومي الأمريكي، ولم يستبعد استخدام القوة لضمها، ما أثار ردود فعل غاضبة من كوبنهاغن وسلطات غرينلاند، ودفع دول الاتحاد الأوروبي إلى بحث خيارات الرد في حال تحولت التصريحات الأمريكية إلى خطوات عملية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك