العدد : ١٧٤٦٠ - الأحد ١١ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٦٠ - الأحد ١١ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٢ رجب ١٤٤٧هـ

أخبار البحرين

من يكتب قواعد السوق؟
- حوكمة الغرف التجارية بين التراكم المؤسسي والتراجع الإجرائي

بقلم : سمير عبدالله ناس

السبت ١٠ يناير ٢٠٢٦ - 21:48

 

- هل نتقدم أم نعود إلى ما قبل تأسيس هذا الكيان سنة 1910؟


لا تقاس خطورة القوانين الاقتصادية بما تعلنه من نوايا، بل بما تحدثه من آثار بعد سنوات فالاقتصاد بخلاف السياسة لا يحتمل التجربة، ولا ينسى الأخطاء سريعا، وما يجري اليوم من نقاش حول جدول الأصوات في انتخابات غرفة تجارة وصناعة البحرين ليس مجرد خلاف انتخابي عابر، بل اختبار حقيقي لطريقة صناعة القرار الاقتصادي، وحدود الشراكة مع القطاع الخاص، بل واختبار لمفهوم الحوكمة ذاته، ولمبدأ الاستقلالية الذي قامت عليه الغرف التجارية في العالم كله.

وكما هو معلوم بالنسبة لنا أن القوانين الاقتصادية تبنى على ثلاثة عناصر رئيسية: الخبرة، والتوافق، والاستقرار وعندما يغيب أحد هذه المرتكزات، يدفع السوق الثمن عاجلا أم آجلا، ومن هنا تتجلى خطورة ما يجري في هذا الملف إذ إن النقاش التشريعي انطلق هذه المرة من خارج الغرفة نفسها، رغم أنها المؤسسة التي انشئت اصلا لتمثيل الشركات وأصحاب الأعمال، وصاحبة الخبرة التراكمية في إدارة التوازن بين مصالح الشركات الكبيرة والصغيرة.

وليس ذلك فحسب، فالغرفة هي كذلك أقدم مؤسسة تجارية في منطقة الخليج، وواحدة من أعرق المؤسسات الاقتصادية في المنطقة، راكمت عبر تاريخها الطويل تجربة مؤسسية جعلتها شريكا أصيلا في صياغة السياسات الاقتصادية وبناء الثقة بين الحكومة والقطاع الخاص، وهو ما يطرح تساؤلا مشروعا حول منطق تجاوزها في ملف يمس جوهر عملها ومسؤولياتها التمثيلية.

ومن هذا المنطلق، يصبح من الطبيعي أن يكون الدور المحوري في أي نقاش تشريعي يمس قواعد التمثيل الاقتصادي منوطاً بالمؤسسة التي أُنشئت أصلًا لهذا الغرض، وتحمل تاريخًا طويلًا من الخبرة والتجربة في إدارة التوازن بين مصالح السوق غير أن ما حدث في هذا الملف جاء على خلاف هذا المنطق المؤسسي فقد جرى الاعتماد، بدلًا من الرجوع إلى الغرفة بصفتها الممثل الشرعي والجامع للسوق، على آراء جمعيات مجتمع مدني تمثل شرائح أو قطاعات محددة، وهي جهات محل تقدير لدورها المجتمعي، لكنها لا تتحمل عبء التمثيل الشامل، ولا تبعات الاستقرار المؤسسي، ولا مسؤولية حماية التوازنات الاقتصادية من التقلبات التشريعية، وهنا تحديدا ينتقل النقاش من دائرة المطالب إلى دائرة الشرعية المؤسسية حول الجهة التي تملك التفويض الحقيقي لصياغة القواعد التي تنظم عمل المؤسسة التمثيلية الأهم في الجانب الاقتصادي. 

وفي جوهر هذا النقاش كله، لا تدور القضية حول مادة قانونية تعدل أو جدول أصوات بل حول المنهج الذي تدار به واحدة من أهم المؤسسات الاقتصادية لذا يبقى السؤال الحقيقي كيف تدار انتخابات غرفة تجارة وصناعة البحرين؟ هل تدار بمنطق لوبيات الضغط، وردود الأفعال، وحسابات اللحظة؟
أم بمنطق مؤسسة تمثيلية أُنشئت لهذا الغرض تحديدا، وتحمل تاريخاً طويلا من الخبرة والمسؤولية في تمثيل السوق وصون توازنه؟ فالغرفة لم تُنشأ لتكون ساحة صراع بل منصة تمثيل اقتصادي تحمي استقرار السوق عبر الزمن.

ومن هنا فإن أي نقاش حول أنظمتها الانتخابية لا يمكن أن يكون نقاشا شكليا أو عابرا، بل يجب أن يكون نقاشا مؤسسيًا عميقا، ينطلق من داخلها، ويحترم تاريخها، ويصون دورها، ويحمي ثقة من تمثلهم، ولعل التجارب الاقتصادية في المنطقة وخارجها، تظهر أن القوانين التي تصاغ تحت ضغط اللحظة غالبا ما تُنتج إشكالات مؤجلة.
ومن هنا تبدو فكرة إعادة توزيع الأصوات، في ظاهرها، حلا سريعا لمعالجة خلل قائم، غير أنها في جوهرها قد تتحول إلى مدخل لإشكال أكبر إذا لم تبنّ على توافق مؤسسي فالمسألة لا تتعلق بإعادة ترتيب أرقام أو تعديل نسب، بقدر ما تتعلق بطبيعة الدور الذي يراد للغرفة أن تؤديه، فحين يكون 
التغيير في قوانين الغرفة دون شراكة مع ممثلي السوق، تصبح الغرفة مهددة بالتحول من منصة تمثيل اقتصادي جامعة إلى ساحة تنازع مصالح متقابلة، وهو ما لا يعزز دورها بقدر ما يُضعفه، ولا يصلح الخلل بقدر ما يعيد إنتاجه بصيغة أشد تعقيدا.

ولعل الأخطر من ذلك أن تجاوز الغرفة في ملف يمس صلب عملها يفتح الباب لسؤال أكبر:إذا لم تكن الغرفة شريكًا في تقرير آلياتها الانتخابية، فمتى يكون لها هذا الدور؟
وأين الحوكمة من هذه الممارسات؟
وأين الاستقلالية التي يجب أن تتمتع بها مؤسسة يفترض أنها تمثل السوق فالاقتصاد لا يحتاج إلى قرارات جريئة بقدر حاجته إلى قرارات محسوبة ولا يحتاج إلى أصوات أعلى، بل إلى قواعد أوضح ولا إلى حلول سريعة، بل إلى استقرار طويل الأمد.

ولا أخفيكم أمراً أو انكره أن الحديث عن تطوير الأنظمة الانتخابية في الغرفة ضروري، بل مطلوب، لكن التطوير لا يكون بإقصاء المؤسسة المعنية، ولا بتجزئة التمثيل، بل بإعادة جمع الأطراف حول طاولة واحدة
فالإصلاح الحقيقي لا يُبنى على الانقسام، بل على التوافق ولا يصنعه التسرّع، بل تصوغه الحكمة المؤسسية التي تراكمت عبر سنوات من التجربة والعمل المشترك والغرفة، بما تمثله من تاريخ ودور ومسؤولية، ليست طرفا في معادلة، بل هي الإطار الذي يجب أن تدار داخله المعادلة كلها، حفاظًا على توازن السوق، وصونًا لثقة المستثمرين، وضمانا لاستقرار البيئة الاقتصادية على المدى الطويل.

2⃣

ويبقى السؤال حاضرا كلما صيغت القوانين الاقتصادية بعيدا عن المؤسسات التي وجدت أصلًا لتمثيل السوق:هل نبحث عن تطوير حقيقي أم نعيد إنتاج الإشكال بصيغة جديدة؟ فمشروع تعديل جدول الأصوات لم يُعرض على الجمعية العمومية للغرفة وهي صاحبة الحق الأصيل في هذا الشأن، والممثل الشرعي والوحيد للشركات وأصحاب الأعمال ولم يُستأنس فيه كذلك برأي الحكومة، الشريك الأصيل في صياغة السياسات الاقتصادية، وهو ما يضع المشروع في مواجهة مباشرة مع الأعراف الدستورية المستقرة، ومع مبدأ الشراكة المؤسسية الذي يقوم على التشاور بين جميع الأطراف المعنية قبل المساس بقواعد عمل مؤسسة تمثيلية بهذا الحجم والدور، ولا يقف الأمر عند حدود الإجراء، بل يمتد إلى سؤال أعمق يتصل بجوهر العمل المؤسسي ذاته:أين استقلالية الغرفة في هذا المسار؟وكيف يطرح تعديل يمس صلب آلياتها الانتخابية من خارجها، دون الرجوع إلى جمعيتها العمومية، ودون التشاور مع الحكومة التي شاركت في بناء الإطار التشريعي القائم؟ بل إن التعديل المطروح بصيغته الحالية يثير تساؤلات جدية حول مدى انسجامه مع المبادئ الدستورية، ويضع علامة استفهام كبرى حول سلامة النهج الذي اتُّبع في طرحه، ويعيد إلى الواجهة إشكالية تجاوز المؤسسة المعنية بدل تمكينها من أداء دورها كشريك في صناعة القرار الاقتصادي.

ولعل الأكثر لفتًا للنظر أن هذا النهج يتناقض كليا مع المسار التشريعي الذي اعد به جدول الأصوات المعمول به حاليا ذلك المسار الذي قام على مداولات ومفاوضات موسعة شاركت فيها الحكومة والغرفة ومجلسا الشورى والنواب، وانتهى إلى صيغة متوازنة وواقعية حظيت بتوافق جميع الأطراف، قبل مصادقة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، عاهل البلاد المعظم لتصبح الإطار القانوني النافذ اليوم، وإذا كان الهدف هو التصحيح، فالأمانة تقتضي التذكير بأن جميع المبررات المطروحة اليوم لتعديل جدول الأصوات سبق مناقشتها بالتفصيل قبل خمسة أعوام، أثناء مناقشة القانون في عام 2020 أمام السلطة التشريعية، وقد جرى الرد عليها حينها بشكل مستفيض، وانتهت تلك المداولات إلى تعديل متوازن صدر بقانون، وهنا يبرز سؤال آخر:إذا كان الملف قد نوقش وأُغلق بتوافق وطني، فلماذا يعاد فتحه اليوم؟ ثم يأتي الدور الطبيعي للجمعية العمومية، وهي أعلى سلطة تجارية تمثل المجتمع التجاري وتراقب أداء الغرفة، وتمتلك كامل الأدوات القانونية لطلب أي تعديل أو فتح أي نقاش حول أي بند ومع ذلك، وعلى مدار خمس جمعيات عمومية متعاقبة منذ تطبيق النظام الحالي، لم يُسجَّل اعتراض واحد، ولا ملاحظة واحدة، ولا طلب واحد يتعلق بجدول الأصوات، لا في جداول الأعمال، ولا في المناقشات المفتوحة، ولا في محاضر الاجتماعات، بل إن الغرفة عقدت في اجتماعها الأخير واحدة من أكبر الجمعيات العمومية منذ عام 2012، ومع ذلك لم يطرح أي عضو أي اعتراض على جدول الأصوات أو آلية احتسابه.

فإذا كانت كل هذه القنوات متاحة ومفتوحة فلماذا لم يسلك هذا المسار الطبيعي؟ولماذا يطرح التعديل من خارج المؤسسة بدل العودة إليها؟ وأقول هذا وأنا أحمل أربعين عاما من العمل الغرفي، وتشرفت برئاسة الغرفة لدورتين متتاليتين، أشعر اليوم بقلق حقيقي على مستقبل هذه المؤسسة العريقة، وأرى مؤشرات تراجع في منطق الشراكة، وفي احترام المسار المؤسسي الذي بنى ثقة السوق عبر عقود فليست القضية مادة قانونية تعدل، بل فلسفة شراكة يجب أن تُحترم، ومسار مؤسسي لا يجوز القفز عليه وليست القضية من يربح مقعداً أكثر، بل من يحافظ على ثقة السوق فالمقاعد تُعاد كل دورة،أما الثقة فإذا اهتزت، احتاجت سنوات لتعود.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا