تغطية: أمل الحامد
تصوير: رضا جميل
أوصى مجموعة من علماء وخبراء الآثار والتراث الثقافي بدول الخليج بتعزيز التعاون البحثي المشترك بين الجهات المعنية بالآثار والمتاحف في دول الخليج العربي، وتكثيف تبادل الخبرات، وتنفيذ المشاريع البحثية المشتركة.
كما طالبوا بتوظيف التقنيات الحديثة والتحول الرقمي في أعمال التنقيب والتوثيق والحفظ والدراسة، بما يسهم في تطوير البحث الأثري في دول الخليج العربي، إلى جانب دعم الدراسات العلمية المتخصصة وبناء القدرات الوطنية من خلال التدريب والتأهيل المستمر للكوادر الأثرية، وتشجيع البحث العلمي المشترك، جاء ذلك في ختام أعمال ندوة آثار الخليج العربي بعنوان «التراث الأثري الخليجي: بين الاكتشاف والحفاظ» أمس والتي عقدت على مدى يومين في متحف البحرين الوطني.
وأشاروا إلى أهمية اعتماد الندوة كمنصة علمية دورية، بما يضمن مواكبة المستجدات العلمية، وتبادل أحدث نتائج الاكتشافات والتنقيبات والدراسات الأثرية في دول الخليج العربي، مع نشر مخرجاتها في نشرة علمية إلكترونية متخصصة.
ودعوا إلى التركيز على رقمنة المعلومات، والتوثيق المكاني للمواقع الأثرية، وتعزيز تبادل البيانات الأثرية بين الجهات المعنية.
وأكدوا أهمية استمرار استضافة مثل هذه الفعاليات العلمية المتخصصة في مختلف دول مجلس التعاون لدول الخليج العرب، إلى جانب توجيه الشكر إلى مملكة البحرين، ممثلةً بهيئة البحرين للثقافة والآثار.
بدوره، أوضح الدكتور سلمان المحاري المدير العام للآثار في هيئة البحرين للثقافة في تصريحات خاصة لـ«أخبار الخليج» أن مملكة البحرين بدأت استخدام التقنيات الحديثة مثل الزيارات الافتراضية والتوثيق الثلاثي الأبعاد في المتاحف والمواقع الأثرية خلال الأعوام الماضية عبر استخدامات الدرون وتصوير المواقع الأثرية والحصول على نماذج ثلاثية الأبعاد سواء للمواقع الأثرية أو القطع الأثرية المكتشفة، مشيراً إلى إمكانية استخدام تطبيقات الهواتف الذكية لإنتاج بعض المقاطع المتعلقة بالقطع الأثرية الجامدة وتحريكها.
وشهد اليوم الختامي من أعمال الندوة تقديم مجموعة من أوراق العمل البحثية، حيث استعرض الدكتور نايف القنور مدير إدارة المواقع الأثرية بهيئة التراث في وزارة الثقافة السعودية في ورقته عن «جهود هيئة التراث في حماية الممتلكات الثقافية» مشروع إزالة التشوهات الكتابية على مواقع التراث الثقافي أنموذجاً كإحدى مبادرات الهيئة التي تهدف إلى حماية المواقع الأثرية وتهيئتها وتأهيلها لتحقيق المنافع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لتحقيق رؤية الهيئة في حماية التراث الوطني والمحافظة على مكوناته وعناصره، والمحافظة على التراث الثقافي بالمملكة.
وتطرق إبراهيم المقبالي، فني آثار في دائرة المسوحات والتنقيبات الأثرية في سلطنة عمان، إلى الحديث عن أبرز الاكتشافات الأثرية في موقع دبا الأثري في محافظة مسند أحد أهم المواقع الأثرية والتاريخية في شمال سلطنة عُمان، وقد برز دوره خلال فترة العصر الحديدي المتأخر (حوالي 1600 قبل الميلاد إلى 300 قبل الميلاد) بوصفه مركزاً تجارياً وإقليمياً رئيسياً على ساحل خليج عُمان. وأسفرت نتائج الاكتشافات الأثرية عن وجود مقابر جماعية فريدة تضم مئات الهياكل العظمية، بالإضافة إلى لقى أثرية ذات قيمة عالية مثل الخناجر الحديدية، والخرز المصنوع من الأحجار الكريمة، والأواني الحجرية، والقطع المعدنية، وكذلك عدد كبير من اللقى المستوردة التي تؤكد المكانة الاجتماعية والاقتصادية لسكان المنطقة وارتباطهم في شبكات التجارة البحرية الممتدة إلى الهند وبلاد فارس وبلاد الرافدين وشرق افريقيا.
واستعرض أبرز الاكتشافات الأثرية في موقع دبا الأثري، ومنها القبر الجماعي الأول الذي يأخذ شكلًا مستطيلاً وشيد بأساسيات متينة من كتل حجرية ضخمة ذات حواف منحنية وواجهات داخلية مستقيمة ومسطحة، ما يعكس دقة في البناء وتخطيطًا معماريًا متقدَمًا، وقد ضم القبر رفات ما لا يقل عن 188 فردًا من مختلف الفئات العمرية، رافقها مجموعة كبيرة من اللقى الأثرية الثمينة بلغ عددها نحو 2000 قطعة، تشمل أواني من البرونز والحجر الصابوني، إضافة إلى خناجر وأساور ورؤوس سهام وقلائد وميداليات، ما يدل على الثراء الجنائزي والمكانة الاجتماعية المرتفعة للأفراد المدفونين داخله.
وبين أن القبر الجماعي الثاني أكبر حجماً مقارنة بالقبر الأول، ويتميز ببنائه المعماري المتنوع إذ استخدمت فيه الحجارة المسطحة والدائرية إلى جانب الطوب اللبن مع دلائل على تقوية الجدران بالجص والطين المحروق ما يعكس مراحل متعددة من الترميم وإعادة الاستخدام. واحتوى القبر على مجموعة واسعة من اللقى الأثرية شملت الأواني الفخارية، وأواني الحجر الصابوني، ورؤوس السهام البرونزية، والمجوهرات، وأنواعاً متعددة من الخرز. وتنتمي هذه اللقى إلى فترات زمنية مختلفة تمتد من نهاية العصر البرونزي (1350 – 1600 ق.م) وحتى العصر الحديدي الثاني والثالث (حوالي 600 ق.م)، وهو ما يشير إلى فترة استخدام طويلة للقبر وارتباطه بطقوس دفنية متعاقبة عبر أكثر من حقبة حضارية.
وأشار إلى أنه تم اكتشاف أكثر من 10 آلاف مقتنى أثري منذ بداية التنقيبات، وتشمل هذه التنقيبات أواني من الفخار والحجر الأملس، أسلحة برونزية، أختام دائرية وأسطوانية، وحُلي.
وتطرق إلى الحديث عن مشاريع تطوير وتأهيل الموقع بما يضمن حفاظه على قيمته الأثرية وتحويله إلى مزار سياحي بارز يخدم الجوانب الثقافية في المنطقة.
وذكر أنه سوف يتم إنشاء مركز زوار دبا الأثري الذي سوف يعرض أكثر من 5000 مقتنى أثري من فترة العصر البرونزي المتأخر إلى فترة ما قبل الإسلام.
وقدمت جواهر النعيمي رئيس قسم قاعدة البيانات ومختبر الترميم في دولة قطر ورقة بحثية بعنوان «نظم إدارة معلومات التراث وقواعد البيانات الأثرية» أشارت فيها إلى أن النظام يعد أداة رقمية متكاملة تستخدم لتوثيق وإدارة وحفظ البيانات المتعلقة بالمواقع الأثرية والتاريخية، ويتيح النظام جمع وتنظيم المعلومات الوصفية والمكانية وربطها بنظام المعلومات الجغرافية ما يسهم في إنشاء قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة. ويساعد هذا النظام الجهات المختصة على متابعة حالة المواقع التراثية. ودعم عمليات التخطيط والحماية واتخاذ القرار بما يضمن الحفاظ على التراث الثقافي للأجيال القادمة.
واستعرضت إحصائية للبيانات في قاعدة البيانات التي تعد مصدرا رئيسيا في تسجيل ومتابعة ومراقبة المناطق الأثرية في دولة قطر، حيث تم تسجيل أكثر من 9400 منطقة تراثية، ونحو 350 نشاطا، وأكثر من 23 ألف قطعة أثرية مسجلة، وأكثر من 66 ألف صورة، وتجاوز عدد التقارير والدراسات 9600 مصدر.
كما تحدثت نورة الملا، مهندسة معمارية في إدارة الحفاظ العماري في متاحف قطر، في ورقتها العلمية عن التعاون بين الإدارة ووزارة الأوقاف بهدف الحفاظ على المساجد الأثرية المتضررة والمنهارة في قطر، ويأتي هذا التعاون ضمن مشروع يهدف إلى ترميم وصيانة ما بين 5 و6 مساجد سنوياً يتم اختيارها من أصل 66 مسجداً وذلك ضمن خطة تمتد لخمسة أعوام ويُعد هذا المشروع مهماً لأنه يسهم في تجديد الهوية التراثية، وتعزيز الانتماء الثقافي للمجتمع، وإبراز تاريخه وتراثه الديني.
وأشارت إلى أنه جارٍ حالياً طرح مناقصة لترميم 6 مساجد من قبل وزارة الأوقاف في عام 2026، كما تم الانتهاء مؤخراً من ترميم 6 مساجد بمناطق متفرقة من قطر.
وذكرت أن الوزارة تقوم بتشغيل المساجد الأثرية التي تم ترميمها من قبل متاحف قطر.
وأكدت الحرص على استخدام المواد الأصلية المستخدمة في إنشاء المساجد الأثرية لذلك تتم عمليات الصيانة الدورية المستمرة والترميم. وأشارت إلى أن المساجد كانت مهجورة وبعد عمليات الصيانة والترميم تم الحرص على أن تكون مصليات فيها تمديدات كهرباء وماء لذلك يتم الحرص على صيانتها وترميمها.
وتضمن اليوم الأخير للندوة، الحديث عن إدارة وصون المواقع الأثرية في مملكة البحرين: موقع قلعة البحرين التي ناقشتها وتحدثت عنها شذى أبو الفتح، مهندسة معمارية في هيئة البحرين للثقافة والآثار ومديرة موقع قلعة البحرين، ومن دولة الإمارات العربية المتحدة تم التحدث عن سجل البيئة التاريخية في أبوظبي وأهميته في إدارة التراث، وتوظيفات التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي لحفظ وتوثيق التراث والترويج له من المملكة العربية السعودية، ومن دولة الكويت الحديث عن آثار حضارة العُبيد في موقع الصبية خلال العصر الحجري الحديث، وتم أمس زيارة ميدانية لموقع سار الأثري ومسجد الخميس.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك