العدد : ١٧٤٥٤ - الاثنين ٠٥ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ رجب ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٥٤ - الاثنين ٠٥ يناير ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ رجب ١٤٤٧هـ

عربية ودولية

المظاهرات الإيرانية.. الواقع ومطالب الشارع وحدود البدائل

الأحد ٠٤ يناير ٢٠٢٦ - 02:00

بقلم‭: ‬قاسم‭ ‬دراني

منذ‭ ‬29‭ ‬ديسمبر‭ ‬الماضي،‭ ‬تشهد‭ ‬إيران‭ ‬موجة‭ ‬احتجاجات‭ ‬شعبية‭ ‬بدأت‭ ‬بسبب‭ ‬الأوضاع‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وانهيار‭ ‬العملة،‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬مظاهرات‭ ‬مناهضة‭ ‬للنظام‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المدن‭. ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬توسعها‭ ‬الجغرافي‭ ‬اليومي‭ ‬ودخول‭ ‬مدن‭ ‬جديدة‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬الاحتجاج،‭ ‬فإن‭ ‬عدد‭ ‬المتظاهرين‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬قليلا‭ ‬مقارنة‭ ‬بالموجات‭ ‬السابقة،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬احتجاجات‭ ‬مهسا‭ ‬أميني،‭ ‬واحتجاجات‭ ‬عامي‭ ‬2018‭ ‬و2019‭.‬

حتى‭ ‬الآن،‭ ‬لم‭ ‬يشارك‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬أو‭ ‬قوات‭ ‬البسيج‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬المتظاهرين،‭ ‬واكتفت‭ ‬السلطات‭ ‬العليا‭ ‬بإرسال‭ ‬قوات‭ ‬مكافحة‭ ‬الشغب‭ ‬التابعة‭ ‬للشرطة‭. ‬وقد‭ ‬صدرت‭ ‬أوامر‭ ‬واضحة‭ ‬بعدم‭ ‬استخدام‭ ‬العنف‭ ‬طالما‭ ‬بقيت‭ ‬المظاهرات‭ ‬سلمية،‭ ‬رغم‭ ‬تسجيل‭ ‬بعض‭ ‬الاحتكاكات‭ ‬المحدودة‭ ‬وسقوط‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬القتلى‭. ‬هذا‭ ‬الطابع‭ ‬السلمي‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬المراقبين‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬الميدان‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬محدودة،‭ ‬وأن‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬غير‭ ‬ممكن‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬الحالية،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬ضربات‭ ‬أمريكية‭ ‬أو‭ ‬تدخل‭ ‬إسرائيلي‭ ‬محدود،‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬إنزال‭ ‬قوات‭ ‬أمريكية‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬وهو‭ ‬سيناريو‭ ‬يبدو‭ ‬مستبعدا‭ ‬للغاية‭.‬

المظاهرات‭ ‬تعكس‭ ‬بوضوح‭ ‬رغبة‭ ‬قطاع‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬في‭ ‬التغيير‭ ‬ورفض‭ ‬الفساد‭ ‬والاستبداد،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تشكل‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬قوة‭ ‬كافية‭ ‬لإسقاط‭ ‬النظام‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القريب‭. ‬وهناك‭ ‬نقطة‭ ‬مهمة‭ ‬للغاية‭ ‬أن‭ ‬غالبية‭ ‬المتظاهرين‭ ‬لا‭ ‬يتحركون‭ ‬بدافع‭ ‬الولاء‭ ‬لأي‭ ‬رمز‭ ‬سياسي‭ ‬معارض،‭ ‬بل‭ ‬بدافع‭ ‬السخط‭ ‬العام‭ ‬على‭ ‬الأوضاع‭ ‬المعيشية‭ ‬والسياسية‭ ‬في‭ ‬البلاد‭.‬

ورغم‭ ‬محدودية‭ ‬عدد‭ ‬المتظاهرين‭ ‬مقارنة‭ ‬بسابقتها،‭ ‬فإن‭ ‬الحراك‭ ‬يتميز‭ ‬بتنوعه،‭ ‬إذ‭ ‬يضم‭ ‬طيفا‭ ‬واسعا‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬الإيراني،‭ ‬يسار،‭ ‬يمين،‭ ‬جمهوريين،‭ ‬دستوريين،‭ ‬ومؤيدين‭ ‬للنظام‭ ‬الملكي‭. ‬وقد‭ ‬أعلن‭ ‬ناشطون‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬التوجهات‭ ‬دعمهم‭ ‬العلني‭ ‬لمطالب‭ ‬المحتجين،‭ ‬مع‭ ‬تأكيد‭ ‬واسع‭ ‬لضرورة‭ ‬احترام‭ ‬التعددية‭ ‬ورفض‭ ‬احتكار‭ ‬الحراك‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬جهة‭ ‬أو‭ ‬تيار‭ ‬سياسي‭. ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬هو‭ ‬حراك‭ ‬اجتماعي،‭ ‬سياسي‭ ‬عابر‭ ‬للتصنيفات،‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬مطالب‭ ‬عامة‭ ‬تتجاوز‭ ‬أطر‭ ‬التوجهات‭ ‬السياسية‭ ‬الضيقة‭.‬

أما‭ ‬استفسار‭ ‬بعض‭ ‬الأحباب‭ ‬عن‭ ‬تهديدات‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬أو‭ ‬أي‭ ‬تدخلات‭ ‬إسرائيلية‭ ‬محتملة،‭ ‬أقول‭ ‬رغم‭ ‬مزاج‭ ‬ترامب‭ ‬المتقلب‭ ‬يصعب‭ ‬التكهن‭ ‬بما‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬مخيلة‭ ‬ترامب‭ ‬لكن‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬ترجمت‭ ‬هذه‭ ‬التصريحات‭ ‬الإعلامية‭ ‬من‭ ‬القول‭ ‬إلى‭ ‬الفعل‭ ‬فإنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تغيير‭ ‬المعادلة‭ ‬الحالية‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬في‭ ‬إيران‭. ‬فالضربات‭ ‬العسكرية‭ ‬المحدودة‭ ‬أو‭ ‬الضغوط‭ ‬الدولية‭ ‬قد‭ ‬تستخدم‭ ‬أحيانا‭ ‬لأهداف‭ ‬سياسية‭ ‬داخلية،‭ ‬مثل‭ ‬صرف‭ ‬انتباه‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬عن‭ ‬أزمات‭ ‬أو‭ ‬ملفات‭ ‬حساسة‭ ‬يواجهها‭ ‬بعض‭ ‬القادة‭ ‬في‭ ‬بلدانهم،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬القدرة‭ ‬الفعلية‭ ‬على‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يشير‭ ‬بعض‭ ‬المحللين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تصعيد‭ ‬محدود‭ ‬قد‭ ‬يخدم‭ ‬حسابات‭ ‬داخلية‭. ‬ترامب‭ ‬يواجه‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬جدلا‭ ‬واسعا‭ ‬واتهامات‭ ‬إعلامية‭ ‬وقضائية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بملفات‭ ‬حساسة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬علاقته‭ ‬بجيفري‭ ‬إبستين‭ ‬وما‭ ‬أثير‭ ‬حول‭ ‬قضايا‭ ‬أخلاقية‭ ‬وفساد‭. ‬أما‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو،‭ ‬فيواجه‭ ‬محاكمات‭ ‬مباشرة‭ ‬تتعلق‭ ‬بتهم‭ ‬فساد‭ ‬واستغلال‭ ‬نفوذ‭. ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات،‭ ‬قد‭ ‬يستخدم‭ ‬التصعيد‭ ‬الخارجي‭ ‬كأداة‭ ‬لتحويل‭ ‬الأنظار‭ ‬أو‭ ‬لتوحيد‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية‭ ‬خلف‭ ‬خطاب‭ ‬أمني‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬وقعت‭ ‬ضربات‭ ‬أمريكية‭ ‬أو‭ ‬إسرائيلية‭ ‬محدودة،‭ ‬فإنها‭ ‬لن‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭. ‬فالتغيير‭ ‬الجذري‭ ‬يتطلب‭ ‬إما‭ ‬حراكا‭ ‬داخليا‭ ‬واسعا‭ ‬ومستداما‭ ‬يشمل‭ ‬معظم‭ ‬فئات‭ ‬المجتمع،‭ ‬أو‭ ‬تدخلا‭ ‬عسكريا‭ ‬مباشرا‭ ‬بإنزال‭ ‬قوات‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬وهو‭ ‬خيار‭ ‬غير‭ ‬مطروح‭ ‬واقعيا‭ ‬في‭ ‬الظروف‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬الحالية‭.‬

فما‭ ‬هو‭ ‬البديل‭ ‬أمام‭ ‬الشارع‭ ‬الإيراني‭ ‬يا‭ ‬ترى؟

البدائل‭ ‬العملية‭ ‬المتاحة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬داخل‭ ‬الإطار‭ ‬الداخلي،‭ ‬وتشمل‭:‬

1‭ - ‬استمرار‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬السلمية‭ ‬وتوسيع‭ ‬المشاركة‭ ‬الشعبية‭.‬

2-‭ ‬تعطيل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرمزي‭ ‬للنظام‭ ‬عبر‭ ‬الإضرابات‭ ‬وإغلاق‭ ‬الأسواق‭.‬

3-‭ ‬الاعتصامات‭ ‬والتنظيم‭ ‬والاتصال‭ ‬المستمر‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬العنف‭.‬

4-‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التعددية‭ ‬السياسية‭ ‬ومنع‭ ‬اختطاف‭ ‬الحراك‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬تيار‭ ‬بعينه‭.‬

أما‭ ‬ما‭ ‬نسمعه‭ ‬أو‭ ‬نقرأه‭ ‬في‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬من‭ ‬تصريحات‭ ‬لبعض‭ ‬نشطاء‭ ‬العرب‭ ‬بإسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الايراني‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬2026‭ ‬فأراه‭ ‬من‭ ‬الأمنيات‭ ‬المسكنة‭ ‬لآلام‭ ‬نفسية‭ ‬طالما‭ ‬تراكمت‭ ‬على‭ ‬نفسيات‭ ‬بعض‭ ‬الكتاب‭ ‬وهناك‭ ‬فرق‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬الأمنيات‭ ‬الجميلة‭ ‬والحقائق‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬الواقع‭. ‬ومن‭ ‬المهم‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬الأمنيات‭ ‬الجميلة‭ ‬والتحليل‭ ‬المبني‭ ‬على‭ ‬الحقائق‭ ‬والوقائع‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.‬

نعم،‭ ‬الجميع‭ ‬يتمنى‭ ‬سقوط‭ ‬النظام‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬قبل‭ ‬نهاية‭ ‬2026‭ ‬بل‭ ‬نتمنى‭ ‬أسقاط‭ ‬هذا‭ ‬الكابوس‭ ‬الجاثم‭ ‬على‭ ‬صدورنا‭ ‬كإيرانيين‭ ‬وصدور‭ ‬جيراننا‭ ‬العرب‭ ‬اليوم‭ ‬قبل‭ ‬الغد‭ ‬لكن‭ ‬الأمنيات‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تسقط‭ ‬الأنظمة‭. ‬التحليل‭ ‬الجاد‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬ينطلق‭ ‬من‭ ‬معطيات‭ ‬الميدان‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬الرغبات‭.‬

حتى‭ ‬الآن،‭ ‬هذه‭ ‬المظاهرات‭ ‬أراها‭ ‬ليست‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬ليست‭ ‬ذا‭ ‬قيمة‭ ‬عالية‭ ‬جدا‭. ‬إنها‭ ‬أشبه‭ ‬بـ«نار‭ ‬تحت‭ ‬الرماد‭ ‬قد‭ ‬تخبو‭ ‬أحيانا،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تنطفئ‭ ‬أبدا‮»‬‭. ‬ومع‭ ‬تراكم‭ ‬الزمن،‭ ‬واتساع‭ ‬المشاركة،‭ ‬وتلاقي‭ ‬الإرادة‭ ‬الشعبية،‭ ‬فإن‭ ‬مصير‭ ‬أي‭ ‬نظام‭ ‬ظالم،‭ ‬مستبد،‭ ‬ودكتاتوري‭ ‬مهما‭ ‬طال‭ ‬الزمن‭ ‬هو‭ ‬الزوال‭.‬

قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬الحاكم‭ ‬السقوط‭ ‬الحاكم‭ ‬المستبد‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬قريبًا‭ ‬لكنه‭ ‬حتمي‭.. ‬طال‭ ‬الزمن‭ ‬أو‭ ‬قصر‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا