بقلم: قاسم دراني
منذ 29 ديسمبر الماضي، تشهد إيران موجة احتجاجات شعبية بدأت بسبب الأوضاع الاقتصادية وانهيار العملة، وسرعان ما تحولت إلى مظاهرات مناهضة للنظام في العديد من المدن. وعلى الرغم من توسعها الجغرافي اليومي ودخول مدن جديدة إلى ساحة الاحتجاج، فإن عدد المتظاهرين لا يزال قليلا مقارنة بالموجات السابقة، ولا سيما احتجاجات مهسا أميني، واحتجاجات عامي 2018 و2019.
حتى الآن، لم يشارك الحرس الثوري أو قوات البسيج بشكل مباشر في مواجهة المتظاهرين، واكتفت السلطات العليا بإرسال قوات مكافحة الشغب التابعة للشرطة. وقد صدرت أوامر واضحة بعدم استخدام العنف طالما بقيت المظاهرات سلمية، رغم تسجيل بعض الاحتكاكات المحدودة وسقوط عدد من القتلى. هذا الطابع السلمي هو ما يجعل كثيرا من المراقبين يرون أن قوة الميدان ما زالت محدودة، وأن إسقاط النظام بالقوة العسكرية غير ممكن في الظروف الحالية، سواء عبر ضربات أمريكية أو تدخل إسرائيلي محدود، إلا في حال إنزال قوات أمريكية على الأرض كما حدث في العراق، وهو سيناريو يبدو مستبعدا للغاية.
المظاهرات تعكس بوضوح رغبة قطاع من الشعب في التغيير ورفض الفساد والاستبداد، لكنها لا تشكل حتى الآن قوة كافية لإسقاط النظام على المدى القريب. وهناك نقطة مهمة للغاية أن غالبية المتظاهرين لا يتحركون بدافع الولاء لأي رمز سياسي معارض، بل بدافع السخط العام على الأوضاع المعيشية والسياسية في البلاد.
ورغم محدودية عدد المتظاهرين مقارنة بسابقتها، فإن الحراك يتميز بتنوعه، إذ يضم طيفا واسعا من المجتمع الإيراني، يسار، يمين، جمهوريين، دستوريين، ومؤيدين للنظام الملكي. وقد أعلن ناشطون من مختلف التوجهات دعمهم العلني لمطالب المحتجين، مع تأكيد واسع لضرورة احترام التعددية ورفض احتكار الحراك من قبل أي جهة أو تيار سياسي. ما يجري اليوم في إيران هو حراك اجتماعي، سياسي عابر للتصنيفات، يستند إلى مطالب عامة تتجاوز أطر التوجهات السياسية الضيقة.
أما استفسار بعض الأحباب عن تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أو أي تدخلات إسرائيلية محتملة، أقول رغم مزاج ترامب المتقلب يصعب التكهن بما يدور في مخيلة ترامب لكن حتى وإن ترجمت هذه التصريحات الإعلامية من القول إلى الفعل فإنها لا تستطيع أن تغيير المعادلة الحالية على الأرض في إيران. فالضربات العسكرية المحدودة أو الضغوط الدولية قد تستخدم أحيانا لأهداف سياسية داخلية، مثل صرف انتباه الرأي العام عن أزمات أو ملفات حساسة يواجهها بعض القادة في بلدانهم، لكنها لا تملك القدرة الفعلية على إسقاط النظام الإيراني.
في هذا السياق، يشير بعض المحللين إلى أن أي تصعيد محدود قد يخدم حسابات داخلية. ترامب يواجه منذ سنوات جدلا واسعا واتهامات إعلامية وقضائية مرتبطة بملفات حساسة، من بينها علاقته بجيفري إبستين وما أثير حول قضايا أخلاقية وفساد. أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فيواجه محاكمات مباشرة تتعلق بتهم فساد واستغلال نفوذ. في مثل هذه الحالات، قد يستخدم التصعيد الخارجي كأداة لتحويل الأنظار أو لتوحيد الجبهة الداخلية خلف خطاب أمني.
ومع ذلك، حتى لو وقعت ضربات أمريكية أو إسرائيلية محدودة، فإنها لن تؤدي إلى إسقاط النظام الإيراني. فالتغيير الجذري يتطلب إما حراكا داخليا واسعا ومستداما يشمل معظم فئات المجتمع، أو تدخلا عسكريا مباشرا بإنزال قوات على الأرض، وهو خيار غير مطروح واقعيا في الظروف الإقليمية والدولية الحالية.
فما هو البديل أمام الشارع الإيراني يا ترى؟
البدائل العملية المتاحة لا تزال داخل الإطار الداخلي، وتشمل:
1 - استمرار الاحتجاجات السلمية وتوسيع المشاركة الشعبية.
2- تعطيل الاقتصاد الرمزي للنظام عبر الإضرابات وإغلاق الأسواق.
3- الاعتصامات والتنظيم والاتصال المستمر بعيدًا عن العنف.
4- الحفاظ على التعددية السياسية ومنع اختطاف الحراك من أي تيار بعينه.
أما ما نسمعه أو نقرأه في شبكات التواصل من تصريحات لبعض نشطاء العرب بإسقاط النظام الايراني في نهاية 2026 فأراه من الأمنيات المسكنة لآلام نفسية طالما تراكمت على نفسيات بعض الكتاب وهناك فرق كبير بين الأمنيات الجميلة والحقائق على الأرض الواقع. ومن المهم التمييز بين الأمنيات الجميلة والتحليل المبني على الحقائق والوقائع على الأرض.
نعم، الجميع يتمنى سقوط النظام ليس فقط قبل نهاية 2026 بل نتمنى أسقاط هذا الكابوس الجاثم على صدورنا كإيرانيين وصدور جيراننا العرب اليوم قبل الغد لكن الأمنيات وحدها لا تسقط الأنظمة. التحليل الجاد يجب أن ينطلق من معطيات الميدان لا من الرغبات.
حتى الآن، هذه المظاهرات أراها ليست قادرة على إسقاط النظام الإيراني، لكنها في الوقت نفسه ليست ذا قيمة عالية جدا. إنها أشبه بـ«نار تحت الرماد قد تخبو أحيانا، لكنها لا تنطفئ أبدا». ومع تراكم الزمن، واتساع المشاركة، وتلاقي الإرادة الشعبية، فإن مصير أي نظام ظالم، مستبد، ودكتاتوري مهما طال الزمن هو الزوال.
قد لا يكون الحاكم السقوط الحاكم المستبد في إيران قريبًا لكنه حتمي.. طال الزمن أو قصر.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك