بما أنني من أهل المنامة، فإن هوى هذه المدينة يسري في دمي.
فالمنامة، عاصمة مملكة البحرين، ليست مجرد مدينة إدارية أو مركز اقتصادي، بل هي ذاكرة حيّة وتاريخ يمشي في الأزقة، ويقيم في القلوب.
في قلبها يقع سوق المنامة الشهير، حيث تُقام فعالية هوى المنامة، في مبادرة جميلة من وزارة السياحة لإحياء روح السوق القديمة.
سوق تتشابك فيه الأزقة، وتتعاكس الدواعيس، وكل زاوية تحكي حكاية؛ من محلات الأقمشة والملابس، إلى الأطعمة المتنوعة، والقهاوي الشعبية التي شكّلت يومًا ما ملتقى الناس.
عندما كنا أطفالًا، كان سوق المنامة أهم سوق في قلب العاصمة.
سوق يلبس التاريخ، ويتجسّد مجده في بوابته العريقة باب البحرين، وبجواره مركز الشرطة القديم، ومكاتب البريد، ومحاكم البحرين القديمة، التي أصبح موقعها اليوم مقر المحكمة الدستورية.
وكان شارع الشيخ عبدالله يتزيّن بمحلات الذهب الممتدة على جانبي الطريق، تتخللها محلات العطور والبخور، والتوابل والأعشاب.
كما وُجدت أسواق للخضراوات واللحم والأسماك، لكنها أُزيلت مع الزمن، وشُيّدت مكانها بنايات، ونُقلت تلك الأسواق إلى أطراف المنامة.
اليوم، لم يعد سوق المنامة مجرد مكان للتسوق، بل مزارًا تاريخيًا يجسّد حضارة البحرين العريقة، يحمل عبق الماضي ويصافح الحاضر.
وعندما نمشي بين أزقته، نشعر أننا نستنشِق تاريخنا الجميل، ذلك التاريخ الذي لم يغادرنا، رغم هجرة الكثير من العوائل من المنامة.
تحكي أزقتها عن تاريخنا العريق، وعن طفولتنا البريئة التي شكّلت ملامح شخصياتنا.
المنامة هي أمي؛ احتضنت طفولتي حتى كبرت، حلمت فيها، وحققت حلمي وحلم كل مجتهد عاش على أرضها.
أهلي، ناسها، وصديقاتي… عبق ماضيها عطر يسكن ذاكرتي، أستنشق بحورها، وعودها، وطيبة أهلها.
وحين أتمشى في المنامة، ورغم هجرة أهلها من تلك البيوت القديمة، أجد فيها راحة وطمأنينة لم أجدها في أي منطقة أخرى.
احتضنت ضحكنا وبكاءنا، لعبنا، جدّنا، وهزلنا، وما زالت أبجدياتنا الأولى تعيش في أرواحنا، كأنها شمس غير الشموس.
هي قامة وطنية، وصرح عالي المقام، تمثل هوية كل منامي بلهجته المنامية المميزة.
في السوق يقع مطعم آلو بشير في موقعه المعروف، تحيط به محلات الكتب والحلوى، والمقاهي الشعبية التي كانت يومًا ما حكرًا على الرجال، وأصبحت اليوم تعج بالزوار من مختلف الجنسيات، في صورة تعبّر عن تحوّل المجتمع من دون أن يفقد هويته.
اشتهرت المنامة قديمًا بالذهب واللؤلؤ الطبيعي البحريني، الذي يُعد من أجود وأفخم أنواع اللؤلؤ في العالم، وكانت تجارة اللؤلؤ من أهم أعمدة الاقتصاد قبل اكتشاف النفط.
البحرين عروس التاريخ، وقلبها النابض المنامة؛ أرض حضارات متعاقبة، من دلمون إلى تايلوس، وتاريخ يشهد على عمقها الحضاري.
ورغم التطور العمراني، لا يزال الطابع القديم حاضرًا في فرجانها، ومن أبرزها فريق المخارقة، الذي ارتبط اسمه بحرفة قديمة هي ثَقب اللؤلؤ أو خرق اللؤلؤ.
وكانت المنطقة تُعرف قديمًا باسم «المشبر»، نسبة إلى ساب لجمع المياه، كانت النساء يأتين إليه للغرف، قبل أن يتغيّر الاسم مع الزمن إلى المخارقة.
كما تضم دواعيس المنامة فرجانًا أخرى مثل فريج الفاضل وفريج الحمّام، حيث تنتشر المآتم الشيعية التي تُقام فيها الموالد والمآتم الحسينية، في مشهد يعكس التنوع الاجتماعي والديني المتجذّر في المدينة.
ما يهم في هذا السرد أن المنامة هي قلب كل من عاش فيها، ولعب في شوارعها، وحمل ذكرياته بين بيوتها وأسواقها.
ولهذا، عندما يُعاد إحياء سوق المنامة عبر فعالية هوى المنامة، تعود الوجوه التي ترعرعت هناك، محمّلة بالحنين والذاكرة.
إنها ذكرى جميلة نعلّمها لأبنائنا وأحفادنا، ليعرفوا معنى هوى المنامة،
وليظل هذا الهوى حيًّا في القلوب، مهما تغيّرت الأمكنة.
كل الشكر والتقدير للقائمين على فعالية هوى المنامة،
على هذا الجهد الذي أعاد الحياة لأزقة السوق،
وأعاد للمنامة نبضها الإنساني ودفء ذاكرتها.
والشكر الخاص لسمو الشيخ محمد بن سلمان بن حمد
على افتتاح هذا المهرجان،
ودعمه لمبادرات تُعيد إحياء التراث،
وتربط الحاضر بالماضي بروح وطنية أصيلة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك