العدد : ١٧٥٩٥ - الثلاثاء ٢٦ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٩٥ - الثلاثاء ٢٦ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٤٧هـ

أخبار البحرين

هوى المنامة… ذاكرة مدينة لا تغيب

بقلم فاطمة الحواج

الأحد ٢٨ ديسمبر ٢٠٢٥ - 02:00

بما‭ ‬أنني‭ ‬من‭ ‬أهل‭ ‬المنامة،‭ ‬فإن‭ ‬هوى‭ ‬هذه‭ ‬المدينة‭ ‬يسري‭ ‬في‭ ‬دمي‭.‬

فالمنامة،‭ ‬عاصمة‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مدينة‭ ‬إدارية‭ ‬أو‭ ‬مركز‭ ‬اقتصادي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬ذاكرة‭ ‬حيّة‭ ‬وتاريخ‭ ‬يمشي‭ ‬في‭ ‬الأزقة،‭ ‬ويقيم‭ ‬في‭ ‬القلوب‭.‬

في‭ ‬قلبها‭ ‬يقع‭ ‬سوق‭ ‬المنامة‭ ‬الشهير،‭ ‬حيث‭ ‬تُقام‭ ‬فعالية‭ ‬هوى‭ ‬المنامة،‭ ‬في‭ ‬مبادرة‭ ‬جميلة‭ ‬من‭ ‬وزارة‭ ‬السياحة‭ ‬لإحياء‭ ‬روح‭ ‬السوق‭ ‬القديمة‭.‬

سوق‭ ‬تتشابك‭ ‬فيه‭ ‬الأزقة،‭ ‬وتتعاكس‭ ‬الدواعيس،‭ ‬وكل‭ ‬زاوية‭ ‬تحكي‭ ‬حكاية؛‭ ‬من‭ ‬محلات‭ ‬الأقمشة‭ ‬والملابس،‭ ‬إلى‭ ‬الأطعمة‭ ‬المتنوعة،‭ ‬والقهاوي‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬شكّلت‭ ‬يومًا‭ ‬ما‭ ‬ملتقى‭ ‬الناس‭.‬

عندما‭ ‬كنا‭ ‬أطفالًا،‭ ‬كان‭ ‬سوق‭ ‬المنامة‭ ‬أهم‭ ‬سوق‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬العاصمة‭.‬

سوق‭ ‬يلبس‭ ‬التاريخ،‭ ‬ويتجسّد‭ ‬مجده‭ ‬في‭ ‬بوابته‭ ‬العريقة‭ ‬باب‭ ‬البحرين،‭ ‬وبجواره‭ ‬مركز‭ ‬الشرطة‭ ‬القديم،‭ ‬ومكاتب‭ ‬البريد،‭ ‬ومحاكم‭ ‬البحرين‭ ‬القديمة،‭ ‬التي‭ ‬أصبح‭ ‬موقعها‭ ‬اليوم‭ ‬مقر‭ ‬المحكمة‭ ‬الدستورية‭.‬

وكان‭ ‬شارع‭ ‬الشيخ‭ ‬عبدالله‭ ‬يتزيّن‭ ‬بمحلات‭ ‬الذهب‭ ‬الممتدة‭ ‬على‭ ‬جانبي‭ ‬الطريق،‭ ‬تتخللها‭ ‬محلات‭ ‬العطور‭ ‬والبخور،‭ ‬والتوابل‭ ‬والأعشاب‭.‬

كما‭ ‬وُجدت‭ ‬أسواق‭ ‬للخضراوات‭ ‬واللحم‭ ‬والأسماك،‭ ‬لكنها‭ ‬أُزيلت‭ ‬مع‭ ‬الزمن،‭ ‬وشُيّدت‭ ‬مكانها‭ ‬بنايات،‭ ‬ونُقلت‭ ‬تلك‭ ‬الأسواق‭ ‬إلى‭ ‬أطراف‭ ‬المنامة‭.‬

اليوم،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬سوق‭ ‬المنامة‭ ‬مجرد‭ ‬مكان‭ ‬للتسوق،‭ ‬بل‭ ‬مزارًا‭ ‬تاريخيًا‭ ‬يجسّد‭ ‬حضارة‭ ‬البحرين‭ ‬العريقة،‭ ‬يحمل‭ ‬عبق‭ ‬الماضي‭ ‬ويصافح‭ ‬الحاضر‭.‬

وعندما‭ ‬نمشي‭ ‬بين‭ ‬أزقته،‭ ‬نشعر‭ ‬أننا‭ ‬نستنشِق‭ ‬تاريخنا‭ ‬الجميل،‭ ‬ذلك‭ ‬التاريخ‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يغادرنا،‭ ‬رغم‭ ‬هجرة‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العوائل‭ ‬من‭ ‬المنامة‭.‬

تحكي‭ ‬أزقتها‭ ‬عن‭ ‬تاريخنا‭ ‬العريق،‭ ‬وعن‭ ‬طفولتنا‭ ‬البريئة‭ ‬التي‭ ‬شكّلت‭ ‬ملامح‭ ‬شخصياتنا‭.‬

المنامة‭ ‬هي‭ ‬أمي؛‭ ‬احتضنت‭ ‬طفولتي‭ ‬حتى‭ ‬كبرت،‭ ‬حلمت‭ ‬فيها،‭ ‬وحققت‭ ‬حلمي‭ ‬وحلم‭ ‬كل‭ ‬مجتهد‭ ‬عاش‭ ‬على‭ ‬أرضها‭.‬

أهلي،‭ ‬ناسها،‭ ‬وصديقاتي‮…‬‭ ‬عبق‭ ‬ماضيها‭ ‬عطر‭ ‬يسكن‭ ‬ذاكرتي،‭ ‬أستنشق‭ ‬بحورها،‭ ‬وعودها،‭ ‬وطيبة‭ ‬أهلها‭.‬

وحين‭ ‬أتمشى‭ ‬في‭ ‬المنامة،‭ ‬ورغم‭ ‬هجرة‭ ‬أهلها‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬البيوت‭ ‬القديمة،‭ ‬أجد‭ ‬فيها‭ ‬راحة‭ ‬وطمأنينة‭ ‬لم‭ ‬أجدها‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬منطقة‭ ‬أخرى‭.‬

احتضنت‭ ‬ضحكنا‭ ‬وبكاءنا،‭ ‬لعبنا،‭ ‬جدّنا،‭ ‬وهزلنا،‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬أبجدياتنا‭ ‬الأولى‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬أرواحنا،‭ ‬كأنها‭ ‬شمس‭ ‬غير‭ ‬الشموس‭.‬

هي‭ ‬قامة‭ ‬وطنية،‭ ‬وصرح‭ ‬عالي‭ ‬المقام،‭ ‬تمثل‭ ‬هوية‭ ‬كل‭ ‬منامي‭ ‬بلهجته‭ ‬المنامية‭ ‬المميزة‭.‬

في‭ ‬السوق‭ ‬يقع‭ ‬مطعم‭ ‬آلو‭ ‬بشير‭ ‬في‭ ‬موقعه‭ ‬المعروف،‭ ‬تحيط‭ ‬به‭ ‬محلات‭ ‬الكتب‭ ‬والحلوى،‭ ‬والمقاهي‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬يومًا‭ ‬ما‭ ‬حكرًا‭ ‬على‭ ‬الرجال،‭ ‬وأصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬تعج‭ ‬بالزوار‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الجنسيات،‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬تعبّر‭ ‬عن‭ ‬تحوّل‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬هويته‭.‬

اشتهرت‭ ‬المنامة‭ ‬قديمًا‭ ‬بالذهب‭ ‬واللؤلؤ‭ ‬الطبيعي‭ ‬البحريني،‭ ‬الذي‭ ‬يُعد‭ ‬من‭ ‬أجود‭ ‬وأفخم‭ ‬أنواع‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وكانت‭ ‬تجارة‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬أعمدة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬قبل‭ ‬اكتشاف‭ ‬النفط‭.‬

البحرين‭ ‬عروس‭ ‬التاريخ،‭ ‬وقلبها‭ ‬النابض‭ ‬المنامة؛‭ ‬أرض‭ ‬حضارات‭ ‬متعاقبة،‭ ‬من‭ ‬دلمون‭ ‬إلى‭ ‬تايلوس،‭ ‬وتاريخ‭ ‬يشهد‭ ‬على‭ ‬عمقها‭ ‬الحضاري‭.‬

ورغم‭ ‬التطور‭ ‬العمراني،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬الطابع‭ ‬القديم‭ ‬حاضرًا‭ ‬في‭ ‬فرجانها،‭ ‬ومن‭ ‬أبرزها‭ ‬فريق‭ ‬المخارقة،‭ ‬الذي‭ ‬ارتبط‭ ‬اسمه‭ ‬بحرفة‭ ‬قديمة‭ ‬هي‭ ‬ثَقب‭ ‬اللؤلؤ‭ ‬أو‭ ‬خرق‭ ‬اللؤلؤ‭.‬

وكانت‭ ‬المنطقة‭ ‬تُعرف‭ ‬قديمًا‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬المشبر‮»‬،‭ ‬نسبة‭ ‬إلى‭ ‬ساب‭ ‬لجمع‭ ‬المياه،‭ ‬كانت‭ ‬النساء‭ ‬يأتين‭ ‬إليه‭ ‬للغرف،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتغيّر‭ ‬الاسم‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭ ‬إلى‭ ‬المخارقة‭.‬

كما‭ ‬تضم‭ ‬دواعيس‭ ‬المنامة‭ ‬فرجانًا‭ ‬أخرى‭ ‬مثل‭ ‬فريج‭ ‬الفاضل‭ ‬وفريج‭ ‬الحمّام،‭ ‬حيث‭ ‬تنتشر‭ ‬المآتم‭ ‬الشيعية‭ ‬التي‭ ‬تُقام‭ ‬فيها‭ ‬الموالد‭ ‬والمآتم‭ ‬الحسينية،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يعكس‭ ‬التنوع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والديني‭ ‬المتجذّر‭ ‬في‭ ‬المدينة‭.‬

ما‭ ‬يهم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السرد‭ ‬أن‭ ‬المنامة‭ ‬هي‭ ‬قلب‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬عاش‭ ‬فيها،‭ ‬ولعب‭ ‬في‭ ‬شوارعها،‭ ‬وحمل‭ ‬ذكرياته‭ ‬بين‭ ‬بيوتها‭ ‬وأسواقها‭.‬

ولهذا،‭ ‬عندما‭ ‬يُعاد‭ ‬إحياء‭ ‬سوق‭ ‬المنامة‭ ‬عبر‭ ‬فعالية‭ ‬هوى‭ ‬المنامة،‭ ‬تعود‭ ‬الوجوه‭ ‬التي‭ ‬ترعرعت‭ ‬هناك،‭ ‬محمّلة‭ ‬بالحنين‭ ‬والذاكرة‭.‬

 

إنها‭ ‬ذكرى‭ ‬جميلة‭ ‬نعلّمها‭ ‬لأبنائنا‭ ‬وأحفادنا،‭ ‬ليعرفوا‭ ‬معنى‭ ‬هوى‭ ‬المنامة،

وليظل‭ ‬هذا‭ ‬الهوى‭ ‬حيًّا‭ ‬في‭ ‬القلوب،‭ ‬مهما‭ ‬تغيّرت‭ ‬الأمكنة‭.‬

 

كل‭ ‬الشكر‭ ‬والتقدير‭ ‬للقائمين‭ ‬على‭ ‬فعالية‭ ‬هوى‭ ‬المنامة،

على‭ ‬هذا‭ ‬الجهد‭ ‬الذي‭ ‬أعاد‭ ‬الحياة‭ ‬لأزقة‭ ‬السوق،

وأعاد‭ ‬للمنامة‭ ‬نبضها‭ ‬الإنساني‭ ‬ودفء‭ ‬ذاكرتها‭.‬

 

والشكر‭ ‬الخاص‭ ‬لسمو‭ ‬الشيخ‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد

على‭ ‬افتتاح‭ ‬هذا‭ ‬المهرجان،

ودعمه‭ ‬لمبادرات‭ ‬تُعيد‭ ‬إحياء‭ ‬التراث،

وتربط‭ ‬الحاضر‭ ‬بالماضي‭ ‬بروح‭ ‬وطنية‭ ‬أصيلة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا