إن كلمات الرثاء صعبةٌ في حق الفقيدِ الذي رحل إلى رحابِ الله سبحانه وتعالى في مساء يوم الأربعاء جمادى الأولى 1447 هـ الموافق 5 نوفمبر 2025 ، ووري جثمانُه الثرى في اليوم التالي بعد صلاة العصر في مقبرة المنامة، فقد كان للفقيدِ مكانةٌ خاصة في قلوبِ الأقاربِ والمعارف، وارتبط اسمُه وعملُه بكلِّ معاني الخير، وكان نموذجًا مشرِّفًا للمواطنِ البحريني الذي يُحتذى به، فقد سخَّر حياته لخدمةِ القيادة الحكيمة والوطن والمجتمع البحريني، وترك وراءه إرثًا من العطاء لا يُنسى، فقد حرص على مشاركةِ الناس في أتراحِهم وأفراحِهم، ولمس الجميعُ ما يتحلى به من أخلاقٍ حميدة وتواضعٍ وعطاء وإسهاماتٍ إنسانية وخيرية، وترك بصماتٍ مضيئة في مختلف المجالات، خاصة بعد انضمامه إلى إدارةِ الكهرباء في عام 1970 قبل أن تتحوَّلَ إلى وزارةِ الكهرباء والماء وكان دائمَ الوجود في مجلس والده الأسبوعي وبعد وفاة والده في عام 1999، حرص الفقيدُ على استمرار فتح المجلس الذي كان منذ بدايته يمثل بوتقةً حضاريَّة للم شمل جميع مكونات المجتمع البحريني بأعراقه وأطيافه المتحابة، حتى إغلاقه خلال جائحة كورونا وبعدها استمر الفقيد في فتح المجلس في مساء كل يوم أحد من بداية كل شهر، وكان يوصي الأهل والأقارب والمعارف والأصدقاء بالحضور في المجلس ويسأل عن الغائب.
وُلد الفقيدُ في قلب مدينة المنامة، بحي «فريج كانو» في يناير 1946 وتلقى تعليمَه التحضيري في المدرسةِ الشرقية للبنين بالمنامة، وانتقل إلى مدرسة رأس الرمان الابتدائية، ثم واصل دراسته في المدرسة الثانوية للبنين بالقضيبية، وتخرج فيها في العام الدراسي 1962 – 1963 الفرع العلمي، وتوجه بعدها إلى المملكة المتحدة لتحقيق حلمه بدراسة الهندسة الكهربائية، فالتحق بكلية «كونكورد» التأهيلية عام 1966، ثم بجامعة سالفورد في مانشستر، حيث حصل على درجة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية بعد أربع سنوات من الدراسة.
يعدُّ الفقيدُ أحدَ رجالات البحرين البارزين الذين خدموا وطنَهم بإخلاص وتفانٍ على مدى عقود وترك بصمة واضحة في مسيرة التطوير الحكومي والاقتصادي، ولا سيما في قطاعي الكهرباء والماء، اللذين يعدان من أكثر القطاعات حيوية في مملكة البحرين، فقد كان أول مهندس كهربائي مع زميله المهندس جميل كاظم العلوي والذي كان أول مهندس ميكانيكي يلتحقان بإدارة الكهرباء قبل أن تتحول إلى وزارة الكهرباء والماء، وعملا بالتزام وجد وشغف ومسؤولية لإثبات كفاءة المهندس البحريني أمام المهندسين الأجانب، وفتحا بذلك المجال في الوزارة أمام كثير من المهندسين البحرينيين بفضل دعم القيادة الحكيمة والوزير الأسبق للأشغال والكهرباء والماء السيد ماجد جواد الجشي الذي يعدُّ أول مهندس يتخرج في الجامعة الأمريكية في الهندسة المدنية عام 1955.
بدأ الفقيد حياته العملية في عام 1970، كمهندس في دائرة توزيع الكهرباء واكتسب خبرة واسعة من خلال العمل الميداني والاحتكاك المباشر بالمستهلكين والمشروعات التطويرية، وتدرج في المناصب ليُعين مديرا لدائرة توزيع الكهرباء عام 1977، ثم مديرا عاما للكهرباء في الثمانينيات، وصولا إلى وكيل وزارة مساعد لشؤون الكهرباء في التسعينيات، وفي عام 1995، صدر مرسوم أميري من قبل حضرة صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه، بتعيينه وزيرا للكهرباء والماء، وهو المنصب الذي شغله حتى عام 1999، وخلالها أشرف على كثير من مراحل تطوير البنية التحتية في البلاد، وكان أحد رواد تحديث وتطوير الكهرباء والماء حيث عاصر الفقيد خلال مسيرته العملية، فترة الطفرة في جميع المجالات ومنها المشاريع العمرانية والصناعية في البلاد والمنطقة والتي واكبها ارتفاع إنتاج الكهرباء والماء وتوسعة خطوط توصيل الكهرباء والماء خلال السبعينيات من القرن الماضي، إذ ارتفع إنتاج الكهرباء من عشرات الميغاوات إلى آلاف الميغاوات، لتصل الزيادة في الطلب إلى أكثر من 15% سنويا في بعض الفترات، رغم أن التقديرات القياسية المتعارف عليها لا تتجاوز 5 إلى 7 % سنويا، وكما شارك في تنفيذ مشاريع إيصال التيار الكهربائي إلى مختلف مناطق وقرى البلاد وجزيرة النبيه صالح التي تم ربطها بالشبكة الرئيسية عن طريق كابل بحري.
وخير ما أختم مقالي عن الفقيد، الذي عرف عنه الهدوء والوقار والتواضع والمساعدة وحب الخير وأسلوبه المميز في التعامل مع الناس، مما ساهم في أن يترك بصمات مميزة في كل مكان وجد فيه، هو أنه جعل ذكراه محبوبة عند كل من عرفه، مما جعلنا نتحسر على فقده حين وداعه ودفنه في قبره بعيون ملئت بالدموع وكأنها قطرات من مطر منهمر، ولكننا نعزي أنفسنا، بأنها مشيئة الله سبحانه وتعالى، ونقول كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام عند وفاة ابنه إبراهيم:
«إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك (يا إبراهيم) لمحزونون».
ونقول كما قال الشاعر عن الموت:
وما الموت إلا سارق دق شخصه *يصول بلا كف ويسعى بلا رجل
نبكي لموتــــــــــانـــــــــا على غير رغبة *تفوت من الدنيــــــا ولا موهب جزل
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يدخله فسيح جناته، ويلهم أهله وأقاربه ومعارفه ومحبيه الصبر والسلوان، وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
yousufsalahuddin@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك