كتبت: زينب علي
تصوير: محمود بابا
في منطقة الخليج العربي، حيث يلتقي التراث بالعراقة، تبرز مملكة البحرين كمهدٍ للحرف التقليدية التي تشكّل جزءًا لا يتجزأ من هويتها الثقافية. ومن بين أبرز هذه الحرف، تتربع صناعة البشوت، تلك العباءة العربية الفاخرة التي ظلّت لعقود طويلة رمزًا للوقار والهيبة، ومظهرًا من مظاهر الأصالة التي تحظى بتقدير واسع في المجتمع البحريني والخليجي على حد سواء.
ورغم التطور الصناعي والتقني الذي طال العديد من المهن التقليدية، بقيت حرفة صناعة البشوت محافظة على أصالتها، تُمَارس يدويًا بتقنيات متوارثة، تحتاج إلى دقة وصبر وخبرة متراكمة لا يمتلكها إلا القلّة. ومن بين هؤلاء القلة، يبرز اسم ماثيو، الحرفي الذي قَدِم إلى البحرين قبل ما يزيد على خمسة وأربعين عامًا، وأصبح اليوم أحد أبرز صناع البشوت في المملكة.
يروي ماثيو تفاصيل بداياته قائلاً: «قدمت إلى البحرين بمحض الصدفة، ولم يكن في ذهني أنني سأمتهن حرفة البشوت أو أرتبط بها بهذا الشكل. بدأت العمل في أحد المحال المتخصصة في هذه الصناعة، وهناك تعلمت الأساسيات على أيدي الحرفيين الحساويين الذين كانوا يتقنون هذه الحرفة بإخلاص وتفانٍ».
ويضيف: «عملت في هذا المحل لأكثر من 35 عامًا، واكتسبت خلال هذه الفترة خبرة عميقة في كل مراحل الصناعة، حتى قررت أن أستقل بعملي الخاص. الفضل بعد الله يعود الى هؤلاء الحرفيين البحرينيين الذين علموني الصنعة ومنحوني ثقتهم، ولم أشعر يومًا أنني غريب عن هذا المجتمع».
رغم أن ماثيو أصبح من الأسماء المعروفة في مجال البشوت البحرينية، إلا أنه لا يخفي قلقه من التحديات التي تواجه هذه الحرفة اليوم، ويقول: «الطلب على البشوت لا يزال موجودًا، لكن المشكلة الأكبر تكمن في قلة الأيدي العاملة المؤهلة، وندرة الشباب المهتمين بتعلم هذا الفن، الذي يحتاج إلى سنوات من الممارسة ليصل إلى درجة الإتقان».
ويؤكد ماثيو أن ما يحفزه على الاستمرار هو اهتمام كبار الشخصيات والمسؤولين في البحرين بهذه الحرفة، وحرصهم على اقتناء البشوت المصنوعة يدويًا، والتي تعكس جودة ودقة متناهية، لا يمكن مقارنتها بما يُنتج بالآلات.
وعن مراحل تصنيع البشت، ذكر أنها تبدأ من اختيار نوع القماش (الخلق)، مرورًا بتحديد النقوش والتطريز، ثم تأتي مرحلة الإعداد، والتي تشمل شد القماش وتثبيت الشكل، وصولاً إلى دق الزري، وهو خيط ذهبي أو فضي يستخدم في الزخرفة ويعد أهم ما يميز البشت.
ويضيف: «تحتاج صناعة البشت إلى فريق مكون من أربعة إلى خمسة أشخاص، لأن كل مرحلة تتطلب مهارة متخصصة. بعض البشوت تحتاج إلى 15 يومًا كاملة لصنعها، خاصة إذا كانت الزخارف معقدة أو دقيقة».
ويحرص ماثيو على استخدام الزري الألماني في أعماله، معتبرًا إياه الأفضل من بين باقي الأنواع الموجودة في الأسواق مثل الزري الهندي، الفرنسي، أو الياباني. ويقول: «الزري الألماني يمتاز بجودته وثبات لونه وبريقه، وهو الأنسب لحرفتنا اليدوية».
وعن دخول التكنولوجيا إلى هذا المجال، أوضح ماثيو أن بعض الورش بدأت تستخدم آلات الكمبيوتر في التطريز، لكن ذلك، بحسب وصفه، لا يرتقي إلى مستوى العمل اليدوي، لأنه لا يضاهي الجودة اليدوية من حيث التفاصيل والجمالية، هناك لمسة فنية لا يمكن أن تنسخها الآلات.
وتشهد مهنة صناعة البشوت نشاطًا ملحوظًا في بعض المواسم والمناسبات، حيث أوضح ماثيو أن أبرز الفترات التي ترتفع فيها معدلات الطلب تشمل الأعياد الوطنية، حفلات الزواج، وشهر رمضان المبارك. ويضيف: «عادةً أُنتج ما يزيد على 100 بشت سنويًا، بسبب الوقت الطويل الذي تستغرقه الصناعة. وأكثر الأنواع طلبًا هو بشت الربيع المصنوع من قماش «مريانا» الياباني، لأنه يناسب مختلف المناسبات، ويأتي بعده اللون الأبيض، ثم البني، فالبني الغامق».
وذكر: «كنت أتمنى أن يكمل أبنائي هذا المشوار، لكنهم اختاروا مجالات مختلفة في الطب والهندسة. مع ذلك سأحرص على تعليم حفيدي، الذي أبدى اهتمامًا كبيرًا بالحرفة، وربما يجمع في مستقبله بين الدراسة الأكاديمية والمهنة اليدوية».
وجدير بالذكر أن ماثيو يعد من القلائل الذين لا يزالون يجيدون صناعة البشوت في مملكة البحرين، متمسكًا بأصالتها، ومحافظًا على جودتها العالية وفق الأسس التقليدية المتوارثة. وبفضل إخلاصه في العمل وتميزه في الحرفة، نال ثقة كبار الشخصيات، الذين يحرصون على اقتناء البشوت التي ينتجها وارتدائها في مختلف مناسباتهم الرسمية والاجتماعية.
ويجسد ماثيو نموذجًا حقيقيًا للانتماء الصادق الى تراث بلد احتضنه، وحرفة وجد فيها شغفه وذاته. فهو وأمثاله يمثلون حماة التراث، الذين يحافظون على ما تبقى من أصالة الماضي، بخيوط من ذهب، وعزيمة لا تقل مع الزمن.
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك