العدد : ١٧٣٢٦ - السبت ٣٠ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٣٢٦ - السبت ٣٠ أغسطس ٢٠٢٥ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٧هـ

ألوان

بداية غير متوقعة.. ومهنة أصبحت قدرا:
ماثيو يحترف صناعة البشوت في البحرين أكثر من أربعة عقود

السبت ٣٠ أغسطس ٢٠٢٥ - 02:00

كتبت‭: ‬زينب‭ ‬علي‭ ‬

تصوير‭: ‬محمود‭ ‬بابا‭ ‬

 

في‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬حيث‭ ‬يلتقي‭ ‬التراث‭ ‬بالعراقة،‭ ‬تبرز‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬كمهدٍ‭ ‬للحرف‭ ‬التقليدية‭ ‬التي‭ ‬تشكّل‭ ‬جزءًا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬هويتها‭ ‬الثقافية‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬الحرف،‭ ‬تتربع‭ ‬صناعة‭ ‬البشوت،‭ ‬تلك‭ ‬العباءة‭ ‬العربية‭ ‬الفاخرة‭ ‬التي‭ ‬ظلّت‭ ‬لعقود‭ ‬طويلة‭ ‬رمزًا‭ ‬للوقار‭ ‬والهيبة،‭ ‬ومظهرًا‭ ‬من‭ ‬مظاهر‭ ‬الأصالة‭ ‬التي‭ ‬تحظى‭ ‬بتقدير‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬البحريني‭ ‬والخليجي‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

ورغم‭ ‬التطور‭ ‬الصناعي‭ ‬والتقني‭ ‬الذي‭ ‬طال‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المهن‭ ‬التقليدية،‭ ‬بقيت‭ ‬حرفة‭ ‬صناعة‭ ‬البشوت‭ ‬محافظة‭ ‬على‭ ‬أصالتها،‭ ‬تُمَارس‭ ‬يدويًا‭ ‬بتقنيات‭ ‬متوارثة،‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دقة‭ ‬وصبر‭ ‬وخبرة‭ ‬متراكمة‭ ‬لا‭ ‬يمتلكها‭ ‬إلا‭ ‬القلّة‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬هؤلاء‭ ‬القلة،‭ ‬يبرز‭ ‬اسم‭ ‬ماثيو،‭ ‬الحرفي‭ ‬الذي‭ ‬قَدِم‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬قبل‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬خمسة‭ ‬وأربعين‭ ‬عامًا،‭ ‬وأصبح‭ ‬اليوم‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬صناع‭ ‬البشوت‭ ‬في‭ ‬المملكة‭.‬

يروي‭ ‬ماثيو‭ ‬تفاصيل‭ ‬بداياته‭ ‬قائلاً‭: ‬‮«‬قدمت‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭ ‬بمحض‭ ‬الصدفة،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬ذهني‭ ‬أنني‭ ‬سأمتهن‭ ‬حرفة‭ ‬البشوت‭ ‬أو‭ ‬أرتبط‭ ‬بها‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل‭. ‬بدأت‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬المحال‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الصناعة،‭ ‬وهناك‭ ‬تعلمت‭ ‬الأساسيات‭ ‬على‭ ‬أيدي‭ ‬الحرفيين‭ ‬الحساويين‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬يتقنون‭ ‬هذه‭ ‬الحرفة‭ ‬بإخلاص‭ ‬وتفانٍ‮»‬‭.‬

ويضيف‭: ‬‮«‬عملت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المحل‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬35‭ ‬عامًا،‭ ‬واكتسبت‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬خبرة‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مراحل‭ ‬الصناعة،‭ ‬حتى‭ ‬قررت‭ ‬أن‭ ‬أستقل‭ ‬بعملي‭ ‬الخاص‭. ‬الفضل‭ ‬بعد‭ ‬الله‭ ‬يعود‭ ‬الى‭ ‬هؤلاء‭ ‬الحرفيين‭ ‬البحرينيين‭ ‬الذين‭ ‬علموني‭ ‬الصنعة‭ ‬ومنحوني‭ ‬ثقتهم،‭ ‬ولم‭ ‬أشعر‭ ‬يومًا‭ ‬أنني‭ ‬غريب‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‮»‬‭.‬

رغم‭ ‬أن‭ ‬ماثيو‭ ‬أصبح‭ ‬من‭ ‬الأسماء‭ ‬المعروفة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬البشوت‭ ‬البحرينية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يخفي‭ ‬قلقه‭ ‬من‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬هذه‭ ‬الحرفة‭ ‬اليوم،‭ ‬ويقول‭: ‬‮«‬الطلب‭ ‬على‭ ‬البشوت‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬موجودًا،‭ ‬لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬الأكبر‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬قلة‭ ‬الأيدي‭ ‬العاملة‭ ‬المؤهلة،‭ ‬وندرة‭ ‬الشباب‭ ‬المهتمين‭ ‬بتعلم‭ ‬هذا‭ ‬الفن،‭ ‬الذي‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الممارسة‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬الإتقان‮»‬‭.‬

ويؤكد‭ ‬ماثيو‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحفزه‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬هو‭ ‬اهتمام‭ ‬كبار‭ ‬الشخصيات‭ ‬والمسؤولين‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬بهذه‭ ‬الحرفة،‭ ‬وحرصهم‭ ‬على‭ ‬اقتناء‭ ‬البشوت‭ ‬المصنوعة‭ ‬يدويًا،‭ ‬والتي‭ ‬تعكس‭ ‬جودة‭ ‬ودقة‭ ‬متناهية،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬مقارنتها‭ ‬بما‭ ‬يُنتج‭ ‬بالآلات‭.‬

وعن‭ ‬مراحل‭ ‬تصنيع‭ ‬البشت،‭ ‬ذكر‭ ‬أنها‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬اختيار‭ ‬نوع‭ ‬القماش‭ (‬الخلق‭)‬،‭ ‬مرورًا‭ ‬بتحديد‭ ‬النقوش‭ ‬والتطريز،‭ ‬ثم‭ ‬تأتي‭ ‬مرحلة‭ ‬الإعداد،‭ ‬والتي‭ ‬تشمل‭ ‬شد‭ ‬القماش‭ ‬وتثبيت‭ ‬الشكل،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬دق‭ ‬الزري،‭ ‬وهو‭ ‬خيط‭ ‬ذهبي‭ ‬أو‭ ‬فضي‭ ‬يستخدم‭ ‬في‭ ‬الزخرفة‭ ‬ويعد‭ ‬أهم‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬البشت‭.‬

ويضيف‭: ‬‮«‬تحتاج‭ ‬صناعة‭ ‬البشت‭ ‬إلى‭ ‬فريق‭ ‬مكون‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬إلى‭ ‬خمسة‭ ‬أشخاص،‭ ‬لأن‭ ‬كل‭ ‬مرحلة‭ ‬تتطلب‭ ‬مهارة‭ ‬متخصصة‭. ‬بعض‭ ‬البشوت‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬15‭  ‬يومًا‭ ‬كاملة‭ ‬لصنعها،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الزخارف‭ ‬معقدة‭ ‬أو‭ ‬دقيقة‮»‬‭.‬

ويحرص‭ ‬ماثيو‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬الزري‭ ‬الألماني‭ ‬في‭ ‬أعماله،‭ ‬معتبرًا‭ ‬إياه‭ ‬الأفضل‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬باقي‭ ‬الأنواع‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬مثل‭ ‬الزري‭ ‬الهندي،‭ ‬الفرنسي،‭ ‬أو‭ ‬الياباني‭. ‬ويقول‭: ‬‮«‬الزري‭ ‬الألماني‭ ‬يمتاز‭ ‬بجودته‭ ‬وثبات‭ ‬لونه‭ ‬وبريقه،‭ ‬وهو‭ ‬الأنسب‭ ‬لحرفتنا‭ ‬اليدوية‮»‬‭.‬

وعن‭ ‬دخول‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬أوضح‭ ‬ماثيو‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الورش‭ ‬بدأت‭ ‬تستخدم‭ ‬آلات‭ ‬الكمبيوتر‭ ‬في‭ ‬التطريز،‭ ‬لكن‭ ‬ذلك،‭ ‬بحسب‭ ‬وصفه،‭ ‬لا‭ ‬يرتقي‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬العمل‭ ‬اليدوي،‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يضاهي‭ ‬الجودة‭ ‬اليدوية‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬التفاصيل‭ ‬والجمالية،‭ ‬هناك‭ ‬لمسة‭ ‬فنية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تنسخها‭ ‬الآلات‭.‬

وتشهد‭ ‬مهنة‭ ‬صناعة‭ ‬البشوت‭ ‬نشاطًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المواسم‭ ‬والمناسبات،‭ ‬حيث‭ ‬أوضح‭ ‬ماثيو‭ ‬أن‭ ‬أبرز‭ ‬الفترات‭ ‬التي‭ ‬ترتفع‭ ‬فيها‭ ‬معدلات‭ ‬الطلب‭ ‬تشمل‭ ‬الأعياد‭ ‬الوطنية،‭ ‬حفلات‭ ‬الزواج،‭ ‬وشهر‭ ‬رمضان‭ ‬المبارك‭. ‬ويضيف‭: ‬‮«‬عادةً‭ ‬أُنتج‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬100‭ ‬بشت‭ ‬سنويًا،‭ ‬بسبب‭ ‬الوقت‭ ‬الطويل‭ ‬الذي‭ ‬تستغرقه‭ ‬الصناعة‭. ‬وأكثر‭ ‬الأنواع‭ ‬طلبًا‭ ‬هو‭ ‬بشت‭ ‬الربيع‭ ‬المصنوع‭ ‬من‭ ‬قماش‭ ‬‮«‬مريانا‮»‬‭ ‬الياباني،‭ ‬لأنه‭ ‬يناسب‭ ‬مختلف‭ ‬المناسبات،‭ ‬ويأتي‭ ‬بعده‭ ‬اللون‭ ‬الأبيض،‭ ‬ثم‭ ‬البني،‭ ‬فالبني‭ ‬الغامق‮»‬‭.‬

وذكر‭: ‬‮«‬كنت‭ ‬أتمنى‭ ‬أن‭ ‬يكمل‭ ‬أبنائي‭ ‬هذا‭ ‬المشوار،‭ ‬لكنهم‭ ‬اختاروا‭ ‬مجالات‭ ‬مختلفة‭ ‬في‭ ‬الطب‭ ‬والهندسة‭. ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬سأحرص‭ ‬على‭ ‬تعليم‭ ‬حفيدي،‭ ‬الذي‭ ‬أبدى‭ ‬اهتمامًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬بالحرفة،‭ ‬وربما‭ ‬يجمع‭ ‬في‭ ‬مستقبله‭ ‬بين‭ ‬الدراسة‭ ‬الأكاديمية‭ ‬والمهنة‭ ‬اليدوية‮»‬‭.‬

وجدير‭ ‬بالذكر‭ ‬أن‭ ‬ماثيو‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬القلائل‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬يجيدون‭ ‬صناعة‭ ‬البشوت‭ ‬في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬متمسكًا‭ ‬بأصالتها،‭ ‬ومحافظًا‭ ‬على‭ ‬جودتها‭ ‬العالية‭ ‬وفق‭ ‬الأسس‭ ‬التقليدية‭ ‬المتوارثة‭. ‬وبفضل‭ ‬إخلاصه‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬وتميزه‭ ‬في‭ ‬الحرفة،‭ ‬نال‭ ‬ثقة‭ ‬كبار‭ ‬الشخصيات،‭ ‬الذين‭ ‬يحرصون‭ ‬على‭ ‬اقتناء‭ ‬البشوت‭ ‬التي‭ ‬ينتجها‭ ‬وارتدائها‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مناسباتهم‭ ‬الرسمية‭ ‬والاجتماعية‭.‬

ويجسد‭ ‬ماثيو‭ ‬نموذجًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬للانتماء‭ ‬الصادق‭ ‬الى‭ ‬تراث‭ ‬بلد‭ ‬احتضنه،‭ ‬وحرفة‭ ‬وجد‭ ‬فيها‭ ‬شغفه‭ ‬وذاته‭. ‬فهو‭ ‬وأمثاله‭ ‬يمثلون‭ ‬حماة‭ ‬التراث،‭ ‬الذين‭ ‬يحافظون‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬أصالة‭ ‬الماضي،‭ ‬بخيوط‭ ‬من‭ ‬ذهب،‭ ‬وعزيمة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬مع‭ ‬الزمن‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا