شهدت الساحة الرياضية المحلية في السنوات الأخيرة تزايدا وتكالبا ملحوظا في اعتماد الأندية وفي مختلف الألعاب الرياضية على استقطاب لاعبين من أندية أخرى صغيرة، بدلا من تطوير اللاعبين ضمن فرق الفئات العمرية في أنديتهم تحت مبررات نحن في عصر الاحتراف، ورغم ما يبدو من نجاحات سريعة على المستوى القصير، إلا أن هذه الظاهرة تطرح العديد من التساؤلات حول تبعاتها بعيدة المدى على بنية الأندية، ومستقبل الرياضة الوطنية بشكل عام.
في هذه الوقفة نسعى إلى تحليل دوافع هذا التوجه، واستعراض آثاره السلبية، مع طرح رؤية متوازنة.
البحث عن نتائج فورية
الضغط الجماهيري والإعلامي واسم النادي ومكانته وغيرها من الأمور تدفع إدارات الأندية إلى التركيز على النتائج ووضعها بعين الاعتبار، ما يجعلها تهرول هنا وهناك إلى التعاقد مع لاعبين جاهزين، وأحيانا يأتي هذا الاستقطاب بشكل عشوائي بعيدا عن العيون الفنية.
غياب البنية التحتية
كثير من الأندية تفتقر إلى مراكز تدريب وملاعب وصالات متخصصة ومدربين مؤهلين للعمل مع الفئات العمرية، ما يجعل مشروع التكوين غير ذي جدوى بالنسبة لها، والطريق الأسهل للتغلب على هذا الإشكال يتمثل في البحث عن اللاعبين المعلبين.
الأندية الصغيرة
تكون الأندية الصغيرة هدفا للأندية ذات الميزانيات الأكبر، الأندية الصغيرة تتوفر على مواهب بأسعار أقل، ما يجعلها هدفا مغريا، خاصة أن الأخيرة تكون في أمس الحاجة للسيولة المادية، فضلا عن رغبتها في توفير ظروف أفضل للاعبيها ترى نفسها في كثير من الأحيان عاجزة عن توفيرها.
العقلية القصيرة الأمد
أغلب الأندية كبيرها أو صغيرها ينعدم فيها التخطيط الاستراتيجي، وهذا بطبيعة الحال يدفعها إلى البحث عن حلول سريعة بدلا من الاستثمار طويل الأمد في الفئات العمرية.
الآثار السلبية المترتبة على الانتدابات
استقطاب اللاعبين من خارج أسوار الأندية له انعكاسات سلبية عديدة، إذ يؤدي إلى إضعاف منظومة تكوين فرق الفئات العمرية، بل أن إهمال هذا القطاع القاعدي من شأنه يفرغ الأندية من هويتها التكوينية ويفقدها الاستمرارية.
زد على ذلك أن اللاعب المنتج داخل أروقة النادي غالبا ما يمتلك ولاء وانتماء حقيقيا أكبر من اللاعب المستقدم خارجيا، مما يؤثر على الروح القتالية والانضباط.
والتوجه نحو السوق الخارجية «محليا» يستنزف ميزانية الأندية، مقارنة بالاستثمار في تكوين لاعب من القاعدة.
ويترتب على استقطاب اللاعبين من الخارج أن أبواب الفريق الأول تغلق أمام اللاعبين القادمين من الفئات العمري، فيديو ذلك إلى تراجع حماسهم وقدرتهم على التطور الذاتي، بل يعد ذلك إضاعة للجهد والوقت والمال.
من البديهيات أن المنتخبات الوطنية تعتمد وتعول على مخرجات الأندية، وغياب قاعدة تكوينية قوية في الأندية يؤدي إلى نقص في عدد اللاعبين المؤهلين لتمثيل المنتخبات بجودة عالية.
توصيات واقتراحات
إعادة الاعتبار لقطاع التنشئة والفئات العمرية، من خلال تخصيص ميزانيات مستقلة، وموارد بشرية مؤهلة لبناء مشروع تكويني مستمر، بعنوان الفئات العمرية استثمار للمستقبل، والغريب في الأمر أنّ الأندية المقتدرة ونظرا للإمكانات التي تتحصل عليها قادرة على فتح مراكز تدريب في أنديتها والاستفادة من إنتاجيتها بدلا من التعويل على الأندية الأخرى الصغيرة.
فرض نسب إلزامية للاعبين المحليين، عبر وضع لوائح تلزم الأندية بإشراك عدد محدد من اللاعبين المتدرجين من القاعدة في قائمة الفريق الأول.
تشجيع الأندية على تطوير المواهب من خلال الحوافز، ومنح امتيازات مالية أو نقاط إضافية في الترتيب الفني للأندية التي تدفع بلاعبين من الفئات العمرية.
تعزيز ثقافة التخطيط طويل الأمد داخل الأندية، وتغيير نمط الإدارة القائم على تحقيق النتائج السريعة نحو تبني رؤية تنموية تشمل كل الفئات.
خلاصة
الاعتماد المفرط على استقطاب اللاعبين من الأندية الصغيرة لا يمكن أن يعوض غياب مشروع التنشئة داخل النادي، هذا التوجه قد يحقق مكاسب آنية، إلا أنه يحمل في طياته تبعات سلبية تمس جوهر النادي، ويضعف مستقبل اللعبة، الاستثمار في الفئات العمرية ليس رفاهية، بل هو خيار استراتيجي لضمان الاستقرار الفني، وبناء منظومة قادرة على العطاء والتجدد على المدى الطويل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك