العدد : ١٦٨٢٣ - الأحد ١٤ أبريل ٢٠٢٤ م، الموافق ٠٥ شوّال ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٨٢٣ - الأحد ١٤ أبريل ٢٠٢٤ م، الموافق ٠٥ شوّال ١٤٤٥هـ

الاسلامي

المسجد الأقصى والأهمية الإيمانية لرحلة الإسراء والمعراج

الجمعة ١٦ فبراير ٢٠٢٤ - 02:00

من‭ ‬أهم‭ ‬الدروس‭ ‬والعبر‭ ‬من‭ ‬رحلة‭ ‬الإسراء‭ ‬والمعراج‭ ‬معرفة‭ ‬مكانة‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬في‭ ‬كيان‭ ‬هذه‭ ‬الأمة،‭ ‬فمنه‭ ‬ابتدأ‭ ‬الإسراء،‭ ‬فمن‭ ‬فرط‭ ‬في‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬يوشك‭ ‬أن‭ ‬يفرط‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬الحرام،‭ ‬فلكل‭ ‬منهما‭ ‬مكانته‭ ‬وقدسيته‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬المسلمين،‭ ‬ورحلة‭ ‬الإسراء‭ ‬كانت‭ ‬إيذانا‭ ‬بانتقال‭ ‬القيادة‭ ‬والريادة‭ ‬للأمة‭ ‬الإسلامية‭ ‬قيادة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الرحمة‭ ‬والعدل‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الغلبة‭ ‬والقهر‭.‬

ومن‭ ‬أهم‭ ‬الدروس‭ ‬والعبر‭ ‬من‭ ‬رحلة‭ ‬الإسراء‭ ‬والمعراج‭ ‬معرفة‭ ‬منزلة‭ ‬الصلاة،‭ ‬فهي‭ ‬معراج‭ ‬المسلم‭ ‬إلى‭ ‬ربه‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى،‭ ‬يقول‭ ‬فضيلة‭ ‬الدكتور‭ ‬القرضاوي‭: ‬الإسراء‭ ‬هو‭ ‬الرحلة‭ ‬الأرضية‭ ‬التي‭ ‬هيأها‭ ‬الله‭ ‬لرسوله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬القدس‭.. ‬من‭ ‬المسجد‭ ‬الحرام‭ ‬إلى‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭.. ‬رحلة‭ ‬أرضية‭ ‬ليلية،‭ ‬والمعراج‭ ‬رحلة‭ ‬من‭ ‬الأرض‭ ‬إلى‭ ‬السماء،‭ ‬من‭ ‬القدس‭ ‬إلى‭ ‬السماوات‭ ‬العلا،‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬لم‭ ‬يصل‭ ‬إليه‭ ‬بشر‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬إلى‭ ‬سدرة‭ ‬المنتهى،‭ ‬إلى‭ ‬حيث‭ ‬يعلم‭ ‬الله‭ ‬عز‭ ‬وجل‭. ‬

وعندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬أهم‭ ‬الدروس‭ ‬والعبر‭ ‬من‭ ‬رحلة‭ ‬الإسراء‭ ‬والمعراج،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬هاتين‭ ‬الرحلتين‭ ‬كانتا‭ ‬محطة‭ ‬مهمة‭ ‬في‭ ‬حياته‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬وفي‭ ‬مسيرة‭ ‬دعوته‭ ‬في‭ ‬مكة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬قاسى‭ ‬ما‭ ‬قاسى‭ ‬وعانى‭ ‬ما‭ ‬عانى‭ ‬من‭ ‬قريش‭. ‬وقد‭ ‬هيأ‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬لرسوله‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة،‭ ‬الإسراء‭ ‬والمعراج،‭ ‬ليكون‭ ‬ذلك‭ ‬تسرية‭ ‬وتسلية‭ ‬له‭ ‬عما‭ ‬قاسى،‭ ‬وتعويضاً‭ ‬عما‭ ‬أصابه‭ ‬ليعلمه‭ ‬الله‭ ‬عز‭ ‬وجل‭ ‬أنه‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬أعرض‭ ‬عنك‭ ‬أهل‭ ‬الأرض‭ ‬فقد‭ ‬أقبل‭ ‬عليك‭ ‬أهل‭ ‬السماء،‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هؤلاء‭ ‬الناس‭ ‬قد‭ ‬صدّوك‭ ‬فإن‭ ‬الله‭ ‬يرحب‭ ‬بك‭ ‬وإن‭ ‬الأنبياء‭ ‬يقتدون‭ ‬بك،‭ ‬ويتخذونك‭ ‬إماماً‭ ‬لهم،‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬تعويضاً‭ ‬وتكريماً‭ ‬للرسول‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬منه‭ ‬عز‭ ‬وجل،‭ ‬وتهيئة‭ ‬له‭ ‬للمرحلة‭ ‬القادمة،‭ ‬فإنه‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬قيل‭ ‬إنها‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬وقيل‭ ‬ثمانية‭ ‬عشر‭ ‬شهراً‭ (‬لا‭ ‬يعلم‭ ‬بالضبط‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬أسري‭ ‬فيه‭ ‬برسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬إنما‭ ‬كان‭ ‬قبل‭ ‬الهجرة‭ ‬يقيناً‭.‬

كانت‭ ‬الهجرة‭ ‬وكان‭ ‬الإسراء‭ ‬والمعراج‭ ‬إعداداً‭ ‬لما‭ ‬بعد‭ ‬الهجرة،‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الهجرة‭ ‬حياة‭ ‬جهاد‭ ‬ونضال‭ ‬مسلح،‭ ‬سيواجه‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬العرب‭ ‬جميعاً،‭ ‬سيرميه‭ ‬العرب‭ ‬عن‭ ‬قوس‭ ‬واحدة،‭ ‬ستقف‭ ‬الجبهات‭ ‬المتعددة‭ ‬ضد‭ ‬دعوته‭ ‬العالمية‭. ‬وأهم‭ ‬ما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نركز‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬ذكرى‭ ‬الإسراء‭ ‬والمعراج‭ ‬أمران‭: ‬الأمر‭ ‬الأول‭: ‬هو‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى،‭ ‬كيف‭ ‬ربط‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬بين‭ ‬المسجد‭ ‬الحرام‭ ‬والمسجد‭ ‬الأقصى،‭ ‬وكيف‭ ‬أعلمنا‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬أن‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬كان‭ ‬مقصوداً،‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعرج‭ ‬النبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬من‭ ‬مكة‭ ‬إلى‭ ‬سدرة‭ ‬المنتهى‭.‬

فلا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬ننظر‭ ‬لماذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الإسراء‭ ‬من‭ ‬المسجد‭ ‬الحرام‭ ‬إلى‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى،‭ ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬يعرج‭ ‬برسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬المسجد‭ ‬الحرام‭ ‬إلى‭ ‬السماوات‭ ‬العلا؟

هذا‭ ‬يدلنا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المرور‭ ‬بهذه‭ ‬المحطة‭ ‬القدسية‭ ‬المرور‭ ‬ببيت‭ ‬المقدس،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬بارك‭ ‬الله‭ ‬فيها‭ ‬للعالمين،‭ ‬المرور‭ ‬بالمسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬كان‭ ‬مقصوداً،‭ ‬والصلاة‭ ‬بالأنبياء‭ ‬الذين‭ ‬استقبلوا‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬في‭ ‬بيت‭ ‬المقدس،‭ ‬وأنه‭ ‬أمهم،‭ ‬هذا‭ ‬له‭ ‬معناه‭ ‬ودلالته،‭ ‬أن‭ ‬القيادة‭ ‬قد‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬أمة‭ ‬جديدة‭ ‬وإلى‭ ‬نبوة‭ ‬جديدة،‭ ‬إلى‭ ‬نبوة‭ ‬عالمية‭ ‬ليست‭ ‬كالنبوات‭ ‬السابقة‭ ‬التي‭ ‬أرسل‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬نبي‭ ‬لقومه،‭ ‬هذه‭ ‬نبوة‭ ‬عامة‭ ‬خالدة‭ ‬لكل‭ ‬الناس،‭ ‬رحمة‭ ‬للعالمين،‭ ‬ولجميع‭ ‬الأقاليم‭ ‬ولسائر‭ ‬الأزمان،‭ ‬فهي‭ ‬الرسالة‭ ‬الدائمة‭ ‬إلى‭ ‬يوم‭ ‬القيامة‭ ‬عموم‭ ‬هذه‭ ‬الرسالة‭ ‬وخلودها‭ ‬كان‭ ‬أمراً‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬منه،‭ ‬وهذه‭ ‬الصلاة‭ ‬بالأنبياء‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الأمر،‭ ‬والذهاب‭ ‬إلى‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى،‭ ‬وإلى‭ ‬أرض‭ ‬النبوات‭ ‬القديمة،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬فيها‭ ‬إبراهيم،‭ ‬وإسحاق‭ ‬وموسى‭ ‬وعيسى‭ ‬إيذان‭ ‬بانتقال‭ ‬القيادة‭.‬

ذلك‭ ‬ان‭ ‬القيادة‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬الأمة‭ ‬الجديدة‭ ‬وإلى‭ ‬الرسالة‭ ‬العالمية‭ ‬الخالدة‭ ‬الجديدة‭. ‬هذا‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬المسجدين‭ ‬المسجد‭ ‬الحرام‭ ‬والمسجد‭ ‬الأقصى،‭ ‬ليشعر‭ ‬الإنسان‭ ‬المسلم‭ ‬أن‭ ‬لكلا‭ ‬المسجدين‭ ‬قدسيته،‭ ‬فهذا‭ ‬ابتدأ‭ ‬الإسراء‭ ‬منه‭ ‬وهذا‭ ‬انتهى‭ ‬الإسراء‭ ‬إليه،‭ ‬وكأن‭ ‬هذا‭ ‬يوحي‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬فرَّط‭ ‬في‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬يوشك‭ ‬أن‭ ‬يفرِّط‭ ‬في‭ ‬المسجد‭ ‬الحرام،‭ ‬ولو‭ ‬فرَّط‭ ‬في‭ ‬منتهى‭ ‬الإسراء‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يفرِّط‭ ‬في‭ ‬مبتدأ‭ ‬الإسراء،‭ ‬أراد‭ ‬الله‭ ‬تبارك‭ ‬وتعالى‭ ‬أن‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬المسجدين،‭ ‬المسجد‭ ‬الذي‭ ‬ابتدأ‭ ‬منه‭ ‬الإسراء،‭ ‬والمسجد‭ ‬الذي‭ ‬انتهى‭ ‬إليه‭ ‬الإسراء،‭ ‬من‭ ‬المسجد‭ ‬الحرام‭ ‬إلى‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى،‭ ‬أراد‭ ‬الله‭ -‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭- ‬أن‭ ‬يرتبط‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬المسلم‭ ‬هذين‭ ‬المسجدين،‭ ‬المسجد‭ ‬الحرام‭ ‬والمسجد‭ ‬الأقصى،‭ ‬وأراد‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يثبت‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬بقوله‭ ‬الذي‭ ‬باركنا‭ ‬حوله،‭ ‬وصف‭ ‬الله‭ ‬هذا‭ ‬المسجد‭ ‬بالبركة‭.‬

وهذا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يوجد‭ ‬مسجد‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭)‬؛‭ ‬لأن‭ ‬المسجد‭ ‬النبوي‭ ‬لم‭ ‬ينشأ‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬الهجرة‭ ‬في‭ ‬المدينة،‭ ‬فأراد‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يوطد‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬ويثبته‭ ‬في‭ ‬عقول‭ ‬الأمة‭ ‬وقلوبها،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يفرطوا‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬المسجدين،‭ ‬من‭ ‬فرط‭ ‬في‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬أوشك‭ ‬أن‭ ‬يفرط‭ ‬في‭ ‬المسجد‭ ‬الحرام،‭ ‬المسجد‭ ‬الذي‭ ‬ارتبط‭ ‬بالإسراء‭ ‬والمعراج،‭ ‬والذي‭ ‬صلى‭ ‬إليه‭ ‬المسلمون‭ ‬مدة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬حينما‭ ‬فرضت‭ ‬الصلاة،‭ ‬كان‭ ‬المسلمون‭ ‬يصلون‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬المقدس‭.‬

كان‭ ‬بيت‭ ‬المقدس‭ ‬قبلتهم،‭ ‬ثلاث‭ ‬سنين‭ ‬في‭ ‬مكة‭ ‬وستة‭ ‬عشر‭ ‬شهراً‭ ‬في‭ ‬المدينة،‭ ‬صلوا‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬المسجد‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬المقدس،‭ ‬كان‭ ‬قبلة‭ ‬المسلمين‭ ‬الأولى،‭ ‬فهو‭ ‬القبلة‭ ‬الأولى،‭ ‬وهو‭ ‬أرض‭ ‬الإسراء‭ ‬والمعراج،‭ ‬وهو‭ ‬المسجد‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تشد‭ ‬الرحال‭ ‬إلا‭ ‬إليه‭ ‬وإلى‭ ‬المسجد‭ ‬الحرام‭ ‬والمسجد‭ ‬النبوي‭. ‬

وبهذا‭ ‬كانت‭ ‬القدس‭ ‬هي‭ ‬المدينة‭ ‬الثالثة‭ ‬المعظمة‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬بعد‭ ‬مكة‭ ‬والمدينة‭. ‬هكذا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يعي‭ ‬المسلمون‭ ‬أهمية‭ ‬القدس‭ ‬في‭ ‬تاريخهم‭ ‬وأهمية‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬في‭ ‬دينهم،‭ ‬وفي‭ ‬عقيدتهم‭ ‬وفي‭ ‬حياتهم،‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬هذا‭ ‬حرص‭ ‬المسلمون‭ ‬طوال‭ ‬التاريخ‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬هذا‭ ‬المسجد‭ ‬بأيديهم‭.‬

وقد‭ ‬أراد‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬أن‭ ‬يربط‭ ‬هذا‭ ‬المسجد‭ ‬بهذه‭ ‬الذكرى‭ ‬لنظل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬كلما‭ ‬جاءت‭ ‬ذكرى‭ ‬الإسراء‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬رجب‭ ‬ويحتفل‭ ‬بها‭ ‬المسلمون‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬ذكرتنا‭ ‬بهذا‭ ‬الأمر‭ ‬الجلل،‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬الخطيرة،‭ ‬هذه‭ ‬القضية‭ ‬المقدسة‭.. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أيها‭ ‬الإخوة‭ ‬أن‭ ‬نفرط‭ ‬فيها،‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬اليهود‭ ‬قد‭ ‬حلموا‭ ‬بإقامة‭ ‬دولة‭ ‬واستطاعوا‭ ‬أن‭ ‬يحققوا‭ ‬حلمهم،‭ ‬فعلينا‭ ‬أن‭ ‬نحلم‭ ‬نحن‭ ‬بأننا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نفرط‭ ‬في‭ ‬مسجدنا‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬رأينا‭ ‬الواقع‭ ‬المر‭ ‬يستسلم‭ ‬هذا‭ ‬الاستسلام،‭ ‬وينهزم‭ ‬هذا‭ ‬الانهزام‭. ‬

لا‭ ‬يجوز‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نسير‭ ‬في‭ ‬ركابه‭ ‬منهزمين‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نعتقد‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬تبارك‭ ‬وتعالى‭ ‬معنا‭ ‬وأن‭ ‬الله‭ ‬ناصرنا‭ ‬وأنه‭ ‬مظهر‭ ‬دينه‭ ‬على‭ ‬الدين‭ ‬كله،‭ ‬وأنه‭ ‬ناصر‭ ‬الفئة‭ ‬المؤمنة،‭ ‬وكما‭ ‬روى‭ ‬الإمام‭ ‬أحمد‭ ‬والطبراني،‭ ‬عن‭ ‬أبي‭ ‬أمامة‭ ‬الباهلي‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭ ‬أنه‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬قال‭: ‬“لا‭ ‬تزال‭ ‬طائفة‭ ‬من‭ ‬أمتي‭ ‬على‭ ‬الحق‭ ‬ظاهرين،‭ ‬لعدوهم‭ ‬قاهرين،‭ ‬لا‭ ‬يضرهم‭ ‬من‭ ‬جابههم‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬أصابهم‭ ‬من‭ ‬لأواء،‭ ‬حتى‭ ‬يأتي‭ ‬أمر‭ ‬الله‭ ‬وهم‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬قالوا‭ ‬يا‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬وأين‭ ‬هم؟‭ ‬قال‭ ‬ببيت‭ ‬المقدس‭ ‬وأكناف‭ ‬بيت‭ ‬المقدس‭. ‬

هذه‭ ‬هي‭ ‬العبرة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬قصة‭ ‬الإسراء‭ ‬والمعراج‭. ‬

العبرة‭ ‬الثانية‭: ‬وهي‭ ‬عبرة‭ ‬باقية‭ ‬أيضاً‭ ‬هي‭ ‬الصلاة،‭ ‬معروف‭ ‬أن‭ ‬الصلاة‭ ‬فُرِضت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬العظيمة،‭ ‬نحن‭ ‬نعلم‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬حينما‭ ‬تريد‭ ‬أمراً‭ ‬مهماً‭ ‬تبلغه‭ ‬سفيرها،‭ ‬ولا‭ ‬تكتفي‭ ‬بأن‭ ‬ترسل‭ ‬إليه‭ ‬رسالة‭ ‬في‭ ‬الحقيبة‭ ‬الدبلوماسية،‭ ‬إنما‭ ‬تستدعي‭ ‬السفير‭ ‬ليحضر‭ ‬بنفسه،‭ ‬والنبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬هو‭ ‬سفير‭ ‬الله‭ ‬إلى‭ ‬خلقه‭ ‬ولله‭ ‬المثل‭ ‬الأعلى،‭ ‬فالله‭ ‬استدعى‭ ‬سفيره‭ ‬إلى‭ ‬خلقه‭ ‬وأُسري‭ ‬به‭ ‬ثم‭ ‬عُرِج‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬سدرة‭ ‬المنتهى،‭ ‬وهناك‭ ‬فُرِضت‭ ‬عليه‭ ‬هذه‭ ‬الصلوات‭ ‬الخمس‭. ‬فكل‭ ‬العبادات‭ ‬فُرِضت‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬والصلوات‭ ‬فرضت‭ ‬في‭ ‬السماء‭.‬

هذا‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬العبادة‭ ‬وهذه‭ ‬الفريضة‭ ‬أو‭ ‬هذا‭ ‬الركن‭ ‬من‭ ‬أركان‭ ‬الإسلام،‭ ‬وهو‭ ‬بقية‭ ‬هذه‭ ‬الرحلة‭ ‬البقية‭ ‬العملية‭ ‬الباقية،‭ ‬يعني‭ ‬هو‭ ‬معراج‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬مسلم،‭ ‬المعراج‭ ‬الروحي‭ ‬أو‭ ‬الإيماني‭ ‬ليرقى‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬تبارك‭ ‬وتعالى،‭ ‬كأن‭ ‬الرسول‭ ‬جاء‭ ‬معه‭ ‬بهدية‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الرحلة‭ ‬العظيمة،‭ ‬هذه‭ ‬الهدية‭ ‬لكل‭ ‬مسلم‭ ‬هي‭ ‬الصلاة‭ ‬ليعبد‭ ‬بها‭ ‬الله‭ ‬تبارك‭ ‬وتعالى‭.‬

ولذلك‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نذكِّر‭ ‬بهذه‭ ‬الصلاة‭ ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬الصلاة‭ ‬لها‭ ‬ارتباط‭ ‬بالمسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬لأنه‭ ‬عندما‭ ‬فرضت‭ ‬الصلاة‭ ‬ظل‭ ‬المسلمون‭ ‬بعدها‭ ‬إلى‭ ‬الهجرة‭ ‬يصلون‭ ‬إلى‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬كان‭ ‬هو‭ ‬القبلة‭ ‬الأولى‭ ‬للمسلمين،‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬القول‭ ‬الراجح‭ ‬إن‭ ‬الإسراء‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬العاشرة‭ ‬من‭ ‬البعثة‭ ‬فقد‭ ‬ظل‭ ‬المسلمون‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬يصلون‭ ‬إلى‭ ‬القدس،‭ ‬وبعد‭ ‬الهجرة‭ ‬ظلوا‭ ‬ستة‭ ‬عشر‭ ‬شهراً‭ ‬يصلون‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬القدس،‭ ‬وهي‭ ‬القبلة‭ ‬الأولى‭ ‬ثم‭ ‬أمر‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬يولوا‭ ‬وجوههم‭ ‬شطر‭ ‬المسجد‭ ‬الحرام‭ (‬وحيث‭ ‬ما‭ ‬كنتم‭ ‬فولوا‭ ‬وجوهكم‭ ‬شطره‭).‬

وقد‭ ‬أثار‭ ‬اليهود‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬ضجة‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ (‬سيقول‭ ‬السفهاء‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬ما‭ ‬ولاهم‭ ‬عن‭ ‬قبلتهم‭ ‬التي‭ ‬كانوا‭ ‬عليها‭) ‬وأشاعوا‭ ‬أن‭ ‬صلاة‭ ‬المسلمين‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المدة‭ ‬كانت‭ ‬باطلة‭ ‬وضاع‭ ‬أجرها‭ ‬وضاع‭ ‬أثرها‭ ‬ورد‭ ‬الله‭ ‬عليهم‭ ‬ذلك‭ ‬وقال‭ (‬وما‭ ‬جعلنا‭ ‬القبلة‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬عليها‭ ‬إلا‭ ‬لنعلم‭ ‬من‭ ‬يتبع‭ ‬الرسول‭ ‬ممن‭ ‬ينقلب‭ ‬على‭ ‬عقبيه‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬لكبيرة‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬الذين‭ ‬هدى‭ ‬الله‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬الله‭ ‬ليضيع‭ ‬إيمانكم‭ ‬إن‭ ‬الله‭ ‬بالناس‭ ‬لرؤوف‭ ‬رحيم‭)‬،‭ (‬إيمانكم‭) ‬أي‭ ‬صلاتكم،‭ ‬عبر‭ ‬عن‭ ‬الصلاة‭ ‬بالإيمان‭ ‬لأنها‭ ‬معبرة‭ ‬عن‭ ‬الإيمان‭. ‬

فالصلاة‭ ‬هي‭ ‬معراج‭ ‬لكل‭ ‬مسلم،‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬النبي‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭) ‬قد‭ ‬عرج‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬السموات‭ ‬العلا،‭ ‬فلديك‭ ‬يا‭ ‬أخي‭ ‬المسلم‭ ‬معراج‭ ‬روحي‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬ترقى‭ ‬به‭ ‬ما‭ ‬شاء‭ ‬الله‭ ‬عز‭ ‬وجل،‭ ‬بواسطة‭ ‬الصلاة‭ ‬التي‭ ‬يقول‭ ‬الله‭ ‬تبارك‭ ‬وتعالى‭ ‬فيها‭ ‬في‭ ‬الحديث‭ ‬القدسي‭: ‬‮«‬قسمت‭ ‬الصلاة‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬عبدي‭ ‬قسمين،‭ ‬ولعبدي‭ ‬ما‭ ‬سأل،‭ ‬فإذا‭ ‬قال‭ ‬عبدي‭: ‬الحمد‭ ‬لله‭ ‬رب‭ ‬العالمين‭ ‬قال‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬حمدني‭ ‬عبدي،‭ ‬فإذا‭ ‬قال‭ ‬الرحمن‭ ‬الرحيم،‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭ ‬أثنى‭ ‬علي‭ ‬عبدي،‭ ‬فإذا‭ ‬قال‭ ‬مالك‭ ‬يوم‭ ‬الدين‭ ‬قال‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬مجّدني‭ ‬عبدي،‭ ‬فإذا‭ ‬قال‭ ‬إياك‭ ‬نعبد‭ ‬وإياك‭ ‬نستعين،‭ ‬قال‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬هذا‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬عبدي،‭ ‬ولعبدي‭ ‬ما‭ ‬سأل،‭ ‬فإذا‭ ‬قال‭ ‬اهدنا‭ ‬الصراط‭ ‬المستقيم‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬الفاتحة،‭ ‬قال‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬هذا‭ ‬لعبدي‭ ‬ولعبدي‭ ‬ما‭ ‬سأل‮»‬‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا