العدد : ١٦٨٦١ - الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٨٦١ - الأربعاء ٢٢ مايو ٢٠٢٤ م، الموافق ١٤ ذو القعدة ١٤٤٥هـ

الاسلامي

العدوان على غزة.. ابتلاء انطوى على دروس وعبر

بقلم : عبدالمحسن حسن الرملي *

الجمعة ١٠ نوفمبر ٢٠٢٣ - 02:00

إن‭ ‬اللسان‭ ‬لَيقف‭ ‬عاجزًا‭ ‬أمام‭ ‬وصف‭ ‬الأحداث‭ ‬الأليمة‭ ‬التي‭ ‬شهدناها‭ ‬في‭ ‬الأيام‭ ‬الماضية‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬وإن‭ ‬القلب‭ ‬لَيعتصر‭ ‬ألمًا‭ ‬وحزنًا،‭ ‬ولَيتقطَّع‭ ‬حرقة‭ ‬وغضبًا‭ ‬وكَمَدًا،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬لإخوان‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬النسب‭ ‬واللغة‭ ‬والدين،‭ ‬وفي‭ ‬الآلام‭ ‬والآمال،‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬فلسطين،‭ ‬فلسطين‭ ‬الجريحة،‭ ‬وإنه‭ ‬لإحساس‭ ‬يسري‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬كل‭ ‬مسلم‭ ‬صادق،‭ ‬غيور‭ ‬على‭ ‬دينه‭ ‬وعِرْضِهِ‭ ‬وأرضه،‭ ‬وقضايا‭ ‬أمته،‭ ‬حين‭ ‬يرى‭ ‬قتل‭ ‬الأبرياء،‭ ‬من‭ ‬شيوخ‭ ‬وأطفال‭ ‬ونساء،‭ ‬وحصار‭ ‬ظالم‭ ‬مُنِعَ‭ ‬فيه‭ ‬الغذاء‭ ‬والدواء،‭ ‬وقطع‭ ‬للمياه‭ ‬والاتصال‭ ‬والكهرباء،‭ ‬وقصف‭ ‬غاشم‭ ‬بأطنان‭ ‬من‭ ‬الصواريخ‭ ‬المتفجرة‭ ‬التي‭ ‬دمرت‭ ‬المساكن‭ ‬فوق‭ ‬رؤوس‭ ‬الساكنين،‭ ‬بلا‭ ‬رحمة‭ ‬ولا‭ ‬شفقة‭ ‬ولا‭ ‬هوادة‭ ‬من‭ ‬الصهاينة‭ ‬المعتدين‭ ‬المغتصبين،‭ ‬بدعم‭ ‬وتكالب‭ ‬من‭ ‬أمم‭ ‬الغرب،‭ ‬فيعاني‭ ‬إخواننا‭ ‬في‭ ‬قِبلة‭ ‬الإسلام‭ ‬الأولى،‭ ‬ومسرى‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬من‭ ‬ظلم‭ ‬كيان‭ ‬دخيل‭ ‬ماكر،‭ ‬حتى‭ ‬رأينا‭ ‬أجسادًا‭ ‬ذبَلت،‭ ‬وأكبادًا‭ ‬جفَّت،‭ ‬وأجوافًا‭ ‬ظمِئت،‭ ‬من‭ ‬عدوان‭ ‬غاشم،‭ ‬وحصار‭ ‬ظالم،‭ ‬أطفالٌ‭ ‬يبكون‭ ‬ويصرخون،‭ ‬وشيوخ‭ ‬يئِنُّون،‭ ‬ومرضى‭ ‬يتوجُّعون،‭ ‬ورجال‭ ‬حائرون‭.‬

رأينا‭ ‬الجنائز‭ ‬متوالية،‭ ‬وشهداء‭ ‬وجرحى‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬آنٍ‭ ‬ولحظة،‭ ‬سمعنا‭ ‬بفناء‭ ‬عائلات‭ ‬كاملة،‭ ‬ودمار‭ ‬أحياء‭ ‬عامرة،‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬العدوان،‭ ‬ما‭ ‬تهتز‭ ‬بأهواله‭ ‬الشنيعة‭ ‬همًّا‭ ‬رفات‭ ‬الفاتحين‭ ‬الأجداد،‭ ‬وتهتز‭ ‬بأخباره‭ ‬غمًّا‭ ‬أفئدة‭ ‬الآملين‭ ‬المتألمين‭ ‬الأحفاد،‭ ‬ولكن‭ ‬ثباتًا‭ ‬ثباتًا‭ ‬يا‭ ‬عباد‭ ‬الله،‭ ‬ها‭ ‬قد‭ ‬أُثلجت‭ ‬الصدور،‭ ‬وأُذهب‭ ‬غيظ‭ ‬القلوب،‭ ‬بما‭ ‬أذاقه‭ ‬الفلسطينيون‭ - ‬ولا‭ ‬يزالون‭ - ‬هؤلاء‭ ‬الأعداءِ،‭ ‬فدخلوا‭ ‬عليهم‭ ‬في‭ ‬المعسكرات‭ ‬والقواعد‭ ‬والمستعمرات،‭ ‬وأذاقوهم‭ ‬سوء‭ ‬العذاب،‭ ‬وقصفوهم‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬المغصوبة،‭ ‬فأرعبوهم‭ ‬وقتلوهم،‭ ‬وشلُّوا‭ ‬أركانهم‭ ‬وحركتهم‭ ‬واقتصادهم،‭ ‬وأربكوهم‭ ‬حتى‭ ‬استنجدوا‭ ‬بمن‭ ‬جاء‭ ‬بهم،‭ ‬فكسروا‭ ‬تلك‭ ‬الأوهام‭ ‬التي‭ ‬روَّجها‭ ‬الكِيان‭ ‬الهَشُّ،‭ ‬بأنهم‭ ‬الجيش‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يُقهر،‭ ‬والدولة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُهزم،‭ ‬فالله‭ ‬أكبر،‭ ‬ببضع‭ ‬مئات،‭ ‬وتدبير‭ ‬قلة،‭ ‬حصل‭ ‬ذلك‭ ‬بساعات‭ ‬محدودة،‭ ‬مع‭ ‬فارق‭ ‬ميزان‭ ‬القوة‭ ‬والهيمنة‭.‬

إن‭ ‬الحرب‭ ‬الدائرة‭ ‬اليوم‭ ‬هي‭ ‬حرب‭ ‬ضد‭ ‬الإسلام،‭ ‬وإنه‭ ‬لَمقام‭ ‬يقتضي‭ ‬النُّصرة‭ ‬والتثبيت،‭ ‬ودحر‭ ‬المعتدي‭ ‬الغاصب‭ ‬المحارب،‭ ‬وعدم‭ ‬التخذيل‭ ‬عن‭ ‬نصرة‭ ‬إخواننا‭ ‬في‭ ‬الدين‭.‬

إنه‭ ‬لما‭ ‬قصَّر‭ ‬المسلمون‭ ‬في‭ ‬عناية‭ ‬بعضهم‭ ‬ببعض،‭ ‬وفي‭ ‬النصرة‭ ‬والرعاية،‭ ‬والتثبيت‭ ‬والحماية،‭ ‬نجحت‭ ‬مؤامرات‭ ‬الأعداء،‭ ‬وطمِعوا‭ ‬بهم،‭ ‬فالتضامن‭ ‬والتراحم‭ ‬والتعاطف‭ ‬والتعاون‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬واجب‭ ‬شرعي‭ ‬ومطلب‭ ‬مرعي،‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬خير،‭ ‬وعلى‭ ‬كل‭ ‬حق،‭ ‬وبه‭ ‬تجتمع‭ ‬الكلمة،‭ ‬وتتحقق‭ ‬الألفة،‭ ‬ويتقوى‭ ‬الصف‭ ‬ويخاف‭ ‬العدو،‭ ‬ولا‭ ‬شكَّ‭ ‬أن‭ ‬تعاطف‭ ‬المسلم‭ ‬مع‭ ‬إخوانه‭ ‬وقضايا‭ ‬أمته‭ ‬موقفٌ‭ ‬منضبط‭ ‬بضوابط‭ ‬الشرع،‭ ‬منطلق‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬والسنة‭ ‬إلى‭ ‬الكتاب‭ ‬والسنة،‭ ‬مقيَّد‭ ‬بالحكمة‭ ‬والرفق‭ ‬والعدل،‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬الانقياد‭ ‬العاطفي‭ ‬الهوائي‭ ‬الأهوج،‭ ‬والتعصب‭ ‬المقيت‭ ‬المنحرف‭ ‬الأعوج،‭ ‬والحق‭ ‬أبلج‭ ‬والباطل‭ ‬لجلج‭.‬

إن‭ ‬قضية‭ ‬فلسطين،‭ ‬وتحرير‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى،‭ ‬ليست‭ ‬كغيرها‭ ‬من‭ ‬قضايا‭ ‬الأمة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وتطهير‭ ‬فلسطين‭ ‬والمقدسات،‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬الواجبات،‭ ‬وما‭ ‬عظم‭ ‬صلاح‭ ‬الدين‭ ‬الأيوبي‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬عند‭ ‬المسلمين‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬ذلك‭ ‬القائد‭ ‬الذي‭ ‬خلَّد‭ ‬التاريخ‭ ‬ذكره،‭ ‬وكان‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬الأمة‭ ‬الإسلامية‭ ‬مكانة‭ ‬كبيرة،‭ ‬إلا‭ ‬بتحريره‭ ‬بيت‭ ‬المقدس‭ ‬من‭ ‬أيدي‭ ‬الصليبيين،‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬وأشرف‭ ‬أعماله،‭ ‬وما‭ ‬فرح‭ ‬المسلمون‭ ‬كفرحهم‭ ‬باسترداد‭ ‬بيت‭ ‬المقدس‭ ‬والمسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬من‭ ‬أعداء‭ ‬الأمة،‭ ‬فتسرُّنا‭ ‬كمسلمين‭ ‬كل‭ ‬خطوة‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬استرداد‭ ‬المسجد‭ ‬الأقصى‭ ‬المبارك،‭ ‬وتحرير‭ ‬فلسطين‭ ‬من‭ ‬المحتلين،‭ ‬ومن‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬تتقطع‭ ‬أكبادنا‭ ‬مما‭ ‬نراه‭ ‬من‭ ‬مشاهد‭ ‬القتل‭ ‬والدمار‭ ‬والحصار‭ ‬التي‭ ‬يفعلها‭ ‬العدو‭ ‬في‭ ‬إخواننا‭.‬

وأقول‭: ‬إن‭ ‬الخطب‭ ‬الْمُلْهِبة‭ ‬الحماسية‭ ‬الرنَّانة،‭ ‬لا‭ ‬جدوى‭ ‬منها‭ ‬فان‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬واقعًا‭ ‬عمليًّا‭ ‬نطبقه‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬حياة‭ ‬الأمة،‭ ‬فلن‭ ‬تعدو‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬إلهابًا‭ ‬للمشاعر‭ ‬لا‭ ‬ثمرة‭ ‬لها،‭ ‬ونفخًا‭ ‬في‭ ‬الصدور‭ ‬لا‭ ‬فائدة‭ ‬فيها،‭ ‬والمسلم‭ ‬لا‭ ‬يستسلم‭ ‬لعاطفته‭ ‬دون‭ ‬عقله،‭ ‬بل‭ ‬يجمع‭ ‬بينهما،‭ ‬فيدرك‭ ‬الأمور‭ ‬إدراكًا‭ ‬بتصور‭ ‬راشد‭ ‬صحيح،‭ ‬ويضع‭ ‬الخيارات‭ ‬والحلول‭ ‬التي‭ ‬تتوافق‭ ‬مع‭ ‬الكتاب‭ ‬والسنة‭ ‬أولًا،‭ ‬ومع‭ ‬واقع‭ ‬الحال‭ ‬ومقدراته‭ ‬ومعطياته‭ ‬ثانيًا‭.‬

إن‭ ‬الاستضعاف‭ ‬والحصار‭ ‬والقتل‭ ‬والتشريد‭ ‬الذي‭ ‬يجري‭ ‬من‭ ‬أعدائنا‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬نوعه،‭ ‬فكم‭ ‬حدث‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬عبر‭ ‬الزمان‭ ‬من‭ ‬قتل‭ ‬وتعذيب‭ ‬وحصار‭! ‬وفي‭ ‬عهد‭ ‬نبينا‭ ‬الكريم‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬رسالته،‭ ‬جرى‭ ‬الاضطهاد‭ ‬من‭ ‬المشركين‭ ‬للنبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬والقتل‭ ‬والتعذيب‭ ‬لأصحابه؛‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬قال‭: ( ‬كُفُّوا‭ ‬أَيْدِيَكُمْ‭ ‬وَأَقِيمُوا‭ ‬الصَّلَاةَ‭ ‬وَآتُوا‭ ‬الزَّكَاةَ‭ ) ‬‭[‬النساء‭: ‬77‭]‬‭.‬

وفي‭ ‬صحيح‭ ‬البخاري‭ ‬يقول‭ ‬خباب‭ ‬بن‭ ‬الأرت‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭: ((‬شَكَونا‭ ‬إلى‭ ‬رسول‭ ‬الله‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬وهو‭ ‬متوسِّدٌ‭ ‬بُرْدةً‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الكعبة،‭ ‬قلنا‭ ‬له‭: ‬ألَا‭ ‬تستنصر‭ ‬لنا؟‭ ‬ألَا‭ ‬تدعو‭ ‬الله‭ ‬لنا؟‭))‬،‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬لا‭ ‬يدعو‭ ‬الله‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يأتوه‭ ‬ويطلبوا‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يستنصر‭ ‬لهم‭ ‬ويدعو‭ ‬لهم؟‭! ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يفعل‭ ‬ذلك،‭ ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬لكل‭ ‬شيء‭ ‬عند‭ ‬الله‭ ‬موعدًا،‭ ‬وأن‭ ‬لله‭ ‬حكمة‭ ‬في‭ ‬تأخير‭ ‬النصر‭.‬

فعندما‭ ‬وجد‭ ‬عند‭ ‬هؤلاء‭ ‬المستضعفين‭ ‬استبطاءَ‭ ‬النصر،‭ ‬أقسم‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬قائلًا‭: ((‬والله‭ ‬لَيَتِمَنَّ‭ ‬هذا‭ ‬الأمر،‭ ‬حتى‭ ‬يسير‭ ‬الراكب‭ ‬من‭ ‬صنعاء‭ ‬إلى‭ ‬حضرموت،‭ ‬لا‭ ‬يخاف‭ ‬إلا‭ ‬الله،‭ ‬أو‭ ‬الذئب‭ ‬على‭ ‬غنمه،‭ ‬ولكنكم‭ ‬تستعجلون‭)).‬

فالنصر‭ ‬سيأتي‭ ‬في‭ ‬موعده‭ ‬الذي‭ ‬أراده‭ ‬الله‭ ‬رب‭ ‬العالمين،‭ ‬وما‭ ‬علينا‭ ‬إلا‭ ‬الاستقامة‭ ‬والثبات‭ ‬وأخذ‭ ‬الأسباب،‭ ‬والتوكل‭ ‬والدعاء،‭ ‬والصبر‭ ‬على‭ ‬البلاء،‭ ‬وفي‭ ‬الحديث‭ ‬الصحيح‭ ‬الذي‭ ‬أخرجه‭ ‬أحمد‭ ‬والحاكم‭ ‬وغيرهما‭ ‬عن‭ ‬أبي‭ ‬بن‭ ‬كعب‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه،‭ ‬مرفوعًا‭: ((‬بشِّر‭ ‬هذه‭ ‬الأمة‭ ‬بالتيسير،‭ ‬والسناء‭ ‬والرفعة‭ ‬بالدين،‭ ‬والتمكين‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬والنصر،‭ ‬فمن‭ ‬عمِل‭ ‬منهم‭ ‬بعمل‭ ‬الآخرة‭ ‬للدنيا،‭ ‬فليس‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬الآخرة‭ ‬من‭ ‬نصيب‭).‬

إن‭ ‬الله‭ ‬تبارك‭ ‬وتعالى‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬نصرنا‭ ‬بلا‭ ‬جهاد‭ ‬ولا‭ ‬أخذ‭ ‬بالأسباب؛‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭: ( ‬ذَلِكَ‭ ‬وَلَوْ‭ ‬يَشَاءُ‭ ‬اللَّهُ‭ ‬لَانْتَصَرَ‭ ‬مِنْهُمْ‭ ‬وَلَكِنْ‭ ‬لِيَبْلُوَ‭ ‬بَعْضَكُمْ‭ ‬بِبَعْضٍ‭ ) ‬‭[‬محمد‭: ‬4‭]‬،‭ ‬ولكن‭ ‬جعل‭ ‬الله‭ ‬بحكمته‭ ‬للنصر‭ ‬أسبابًا،‭ ‬وأمر‭ ‬المسلمين‭ ‬أن‭ ‬يعملوا‭ ‬بها‭ ‬لينصرهم،‭ ‬فقد‭ ‬جعل‭ ‬الله‭ ‬لكل‭ ‬شيء‭ ‬سببًا‭: (‬وَالْعَاقِبَةُ‭ ‬لِلْمُتَّقِينَ‭) ‬‭[‬الأعراف‭: ‬128‭]‬،‭ ‬وله‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬حِكَمٌ‭ ‬ولطائف‭.‬

إن‭ ‬في‭ ‬أحداث‭ ‬غزة‭ ‬الأخيرة‭ ‬ابتلاءً‭ ‬عظيمًا،‭ ‬انطوى‭ ‬على‭ ‬دروس‭ ‬للأمة‭ ‬ومواقفَ‭ ‬وعِبَرٍ،‭ ‬وآمال‭ ‬وآلام،‭ ‬وإن‭ ‬علينا‭ ‬جميعا‭ ‬ألَّا‭ ‬نرتجل‭ ‬مواقفنا‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الأحداث‭ ‬والنوازل‭ ‬ابتداء،‭ ‬وألَّا‭ ‬ننساق‭ ‬وراء‭ ‬العواطف‭ ‬الجارفة،‭ ‬والآراء‭ ‬السائدة،‭ ‬والتحليلات‭ ‬المتناقضة،‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬أن‭ ‬تنطلق‭ ‬مواقفنا‭ ‬من‭ ‬أدلة‭ ‬الشريعة،‭ ‬ونرجع‭ ‬إلى‭ ‬العلماء‭ ‬الراسخين،‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: (‬وَإِذَا‭ ‬جَاءَهُمْ‭ ‬أَمْرٌ‭ ‬مِنَ‭ ‬الْأَمْنِ‭ ‬أَوِ‭ ‬الْخَوْفِ‭ ‬أَذَاعُوا‭ ‬بِهِ‭ ‬وَلَوْ‭ ‬رَدُّوهُ‭ ‬إِلَى‭ ‬الرَّسُولِ‭ ‬وَإِلَى‭ ‬أُولِي‭ ‬الْأَمْرِ‭ ‬مِنْهُمْ‭ ‬لَعَلِمَهُ‭ ‬الَّذِينَ‭ ‬يَسْتَنْبِطُونَهُ‭ ‬مِنْهُمْ‭) ‬‭[‬النساء‭: ‬83‭]‬‭.‬

إن‭ ‬التعاطف‭ ‬والتعاون‭ ‬والنصرة‭ ‬للمسلمين‭ ‬من‭ ‬الإيمان‭ ‬الواجب؛‭ ‬ففي‭ ‬الصحيحين‭ ‬عن‭ ‬أبي‭ ‬موسى‭ ‬الأشعري‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه،‭ ‬مرفوعًا‭: ((‬المؤمن‭ ‬للمؤمن‭ ‬كالبنيان‭ ‬يشُدُّ‭ ‬بعضه‭ ‬بعضًا‭))‬،‭ ‬وقد‭ ‬مثَّل‭ ‬النبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬المؤمنين‭ ‬بالجسد‭ ‬الواحد‭ ‬في‭ ‬توادِّهم‭ ‬وتراحمهم‭ ‬وتعاطفهم؛‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬الصحيحين‭ ‬النعمان‭ ‬بن‭ ‬بشير‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنهما،‭ ‬فالأمة‭ ‬لُحمة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬المخاطر‭ ‬والأعداء،‭ ‬وإن‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬حقوق‭ ‬المسلم‭ ‬على‭ ‬المسلم‭ ‬الدعاء‭ ‬له،‭ ‬في‭ ‬الصلوات‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬مواطن‭ ‬الدعاء،‭ ‬فتدعو‭ ‬لإخوانك‭ ‬أن‭ ‬يحفظهم‭ ‬ويثبتهم‭ ‬وينصرهم،‭ ‬ويجمعهم‭ ‬على‭ ‬الحق،‭ ‬وأن‭ ‬يُهلِكَ‭ ‬عدوهم،‭ ‬فإذا‭ ‬لم‭ ‬نَدْعُ‭ ‬لإخواننا‭ ‬فأي‭ ‬جسد‭ ‬مريض‭ ‬مقطَّع‭ ‬أصبحنا؟‭ ‬فأقل‭ ‬حقهم‭ ‬علينا‭ ‬الدعاء‭ ‬لهم‭ ‬وعلى‭ ‬عدوهم،‭ ‬وإنه‭ ‬لَوهن‭ ‬عظيم‭ ‬أن‭ ‬نضَنَّ‭ ‬ونبخل‭ ‬على‭ ‬إخواننا‭ ‬حتى‭ ‬بالدعاء‭.‬

فتستطيع‭ - ‬أيها‭ ‬المسلم‭ - ‬أن‭ ‬تقدِّم‭ ‬من‭ ‬مكانك‭ ‬وبيتك‭ ‬ومُصلَّاك‭ ‬الدعاء‭ ‬لإخوانك،‭ ‬متحرِّيًا‭ ‬مواطن‭ ‬الإجابة،‭ ‬ولا‭ ‬تظنُّنَّ‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬غير‭ ‬نافع‭ ‬لهم،‭ ‬كلا،‭ ‬فكم‭ ‬من‭ ‬سوء‭ ‬دُفع‭ ‬عنهم‭ ‬بتلك‭ ‬الدعوات‭! ‬وكم‭ ‬من‭ ‬مخططات‭ ‬أفشلت‭ ‬بتلك‭ ‬التضرعات‭! ‬وكم‭ ‬من‭ ‬معاناة‭ ‬خففت‭ ‬ورُفعت‭ ‬بتلك‭ ‬الابتهالات‭! ‬وفي‭ ‬الحديث‭ ‬الصحيح‭: ((‬إنما‭ ‬ينصر‭ ‬الله‭ ‬هذه‭ ‬الأمة‭ ‬بضعيفها،‭ ‬بدعوتهم‭ ‬وصلاتهم،‭ ‬وإخلاصهم‭))‬؛‭ ‬‭[‬أخرجه‭ ‬النسائي‭ ‬عن‭ ‬سعد‭ ‬بن‭ ‬أبي‭ ‬وقاص‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭]‬‭.‬

وإن‭ ‬استطعت‭ ‬أن‭ ‬تنصرهم‭ ‬بالوسائل‭ ‬المشروعة،‭ ‬وعبر‭ ‬الطرق‭ ‬الرسمية،‭ ‬فافعل،‭ ‬كالتبرع‭ ‬لهم‭ ‬بسخاء،‭ ‬وحثِّ‭ ‬التجار‭ ‬على‭ ‬التبرع‭ ‬عبر‭ ‬القنوات‭ ‬الموثوقة،‭ ‬وتستطيع‭ ‬التحدث‭ ‬عن‭ ‬معاناتهم،‭ ‬وتوضيح‭ ‬قضيتهم‭ ‬من‭ ‬الجانب‭ ‬الشرعي،‭ ‬ونقل‭ ‬كلام‭ ‬العلماء،‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬وقنوات‭ ‬الإعلام،‭ ‬والصحف‭ ‬والمجلات،‭ ‬بمقال‭ ‬رصين،‭ ‬وقصيدة‭ ‬بليغة،‭ ‬ونقل‭ ‬صحيح‭.‬

ومن‭ ‬أعظم‭ ‬ما‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬أن‭ ‬توضح‭ ‬لأسرتك‭ ‬وأولادك‭ ‬ومجتمعك‭ ‬مفهومَ‭ ‬الولاء‭ ‬والنصرة‭ ‬والجهاد،‭ ‬لكل‭ ‬مسلم‭ ‬موحِّدٍ‭ ‬مُتَّبِعٍ‭ ‬مُحِبٍّ‭ ‬للنبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬وآله‭ ‬وصحبه‭.‬

* ‭ ‬داعية‭ ‬وباحث‭ ‬إسلامي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا