العدد : ١٦٩١٤ - الأحد ١٤ يوليو ٢٠٢٤ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٦هـ

العدد : ١٦٩١٤ - الأحد ١٤ يوليو ٢٠٢٤ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٦هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

«داعش» سلعة فاسدة بمواصفات خارجية

لم‭ ‬تتعرض‭ ‬منطقة‭ ‬ودول‭ ‬لحملة‭ ‬تخريب‭ ‬وتدمير‭ ‬وتمزيق‭ ‬مجتمعي‭ ‬بحجم‭ ‬وقساوة‭ ‬ودناءة‭ ‬ما‭ ‬واجهته‭ ‬وتتعرض‭ ‬له‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬وعديد‭ ‬من‭ ‬دولها،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬الألفية‭ ‬الجديدة،‭ ‬وما‭ ‬تعرضت‭ ‬له‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬حملات‭ ‬غزو‭ ‬وتدمير‭ ‬مباشر‭ (‬العراق‭ ‬وليبيا‭) ‬واصطناع‭ ‬‮«‬ثورات‮»‬‭ ‬شعبية‭ ‬مطلبية‭ (‬سوريا‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭) ‬إلا‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬محكمة‭ ‬التخطيط‭ ‬والإدارة‭ ‬والتنفيذ،‭ ‬فإن‭ ‬الخروج‭ ‬‮«‬المفاجئ‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‮»‬،‭ ‬لما‭ ‬يسمى‭ ‬بالدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬والشام‭ (‬داعش‭) ‬وانتشارها‭ ‬وتوسعها‭ ‬واستفحالها‭ ‬واحتلالها‭ ‬لأراض‭ ‬شاسعة‭ ‬ومدن‭ ‬كبيرة‭ ‬جغرافيا‭ ‬وسكانيا‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا،‭ ‬وامتلاكها‭ ‬لعتاد‭ ‬عسكري‭ ‬ضخم‭ ‬وحديث‭ ‬وإمكانيات‭ ‬لوجستية‭ ‬متطورة،‭ ‬إلا‭ ‬تأكيد‭ ‬على‭ ‬الصبغة‭ ‬الخارجية‭ ‬للحملة‭ ‬التدميرية‭ ‬لدول‭ ‬المنطقة‭.‬

كُتِب‭ ‬كثيرٌ‭ ‬عن‭ ‬غزو‭ ‬أمريكا‭ ‬وحلفائها‭ ‬للعراق‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬وتدخلهم‭ ‬العسكري‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬الأحداث‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬شهدتها‭ ‬ليبيا‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬وإسقاطهم‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬المباشرة‭ ‬نظامَ‭ ‬الزعيم‭ ‬الليبي‭ ‬الراحل‭ ‬معمر‭ ‬القذافي،‭ ‬وما‭ ‬تسببت‭ ‬فيه‭ ‬هذه‭ ‬التدخلات‭ ‬العسكرية‭ ‬المباشرة‭ ‬من‭ ‬تدمير‭ ‬شبه‭ ‬تام‭ ‬لأسس‭ ‬الدولتين‭ ‬العراقية‭ ‬والليبية‭ ‬وفقدانهما‭ ‬لسيادتهما‭ ‬السياسية،‭ ‬والمتسببون‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬ينكرون‭ ‬دورهم‭ ‬ومشاركتهم‭ ‬المباشرة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬التدخلات،‭ ‬ولا‭ ‬يشفع‭ ‬لهم‭ ‬تقديم‭ ‬أعذار‭ ‬أقبح‭ ‬من‭ ‬الذنوب،‭ ‬وستبقى‭ ‬مسؤوليتهم‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬الأوضاع‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لغزواتهم‭ ‬وتدخلاتهم‭ ‬تلاحقهم‭ ‬حيث‭ ‬الجريمة‭ ‬وتداعياتها‭ ‬لا‭ ‬تسقط‭ ‬بالتقادم‭.‬

مع‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يحيط‭ ‬بجرائم‭ ‬الغزو‭ ‬من‭ ‬حقائق‭ ‬واعترافات‭ ‬وإقرار‭ ‬‮«‬خجول‮»‬‭ ‬بذلك،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ملف‭ ‬التنظيمات‭ ‬الإرهابية‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بــ«داعش‮»‬،‭ ‬لم‭ ‬يحظ‭ ‬بالقدر‭ ‬الكافي‭ ‬من‭ ‬الاهتمام،‭ ‬ليس‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالدور‭ ‬الإجرامي‭ ‬لهذا‭ ‬التنظيم،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬السرعة‭ ‬والكيفية‭ ‬التي‭ ‬برز‭ ‬بها‭ ‬وانتشر،‭ ‬حيث‭ ‬هناك‭ ‬تعمد‭ ‬في‭ ‬إخفاء‭ ‬الحقائق‭ ‬التي‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬المطابخ‭ ‬التي‭ ‬أعد‭ ‬وجهز‭ ‬فيها‭ ‬هذا‭ ‬التنظيم‭ ‬وأخرج،‭ ‬الذي‭ ‬حشد‭ ‬‮«‬الجميع‮»‬‭ ‬قواه‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬‮«‬محاربته‮»‬‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬ظهوره‭ ‬‮«‬المفاجئ‮»‬‭ ‬وبالسرعة‭ ‬التي‭ ‬استفحلت‭ ‬به‭ ‬قواه‭ ‬تثير‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬علامة‭ ‬استفهام‭ ‬حول‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬استفادت‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬هذا‭ ‬التنظيم‭.‬

تنظيم‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬الإسلامية‮»‬‭ (‬داعش‭)‬،‭ ‬امتلك‭ ‬جيشا‭ ‬مدججا‭ ‬بكل‭ ‬أنواع‭ ‬الأسلحة‭ ‬والعتاد‭ ‬وقدرة‭ ‬خارقة‭ ‬على‭ ‬التجنيد‭ ‬والتسليح‭ ‬والتمويل‭ ‬ومهارة‭ ‬الفنون‭ ‬القتالية‭ ‬العسكرية‭ ‬مع‭ ‬حرفنة‭ ‬وإتقان‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬أحدث‭ ‬ما‭ ‬تصل‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬الأٍسلحة‭ ‬المختلفة،‭ ‬وهذا‭ ‬كله‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الوصول‭ ‬إليه‭ ‬بين‭ ‬ليلة‭ ‬وضحاها،‭ ‬وفوق‭ ‬ذلك‭ ‬كله،‭ ‬فإن‭ ‬تكوين‭ ‬جيش‭ ‬من‭ ‬المقاتلين‭ ‬بهذا‭ ‬العدد‭ ‬الكبير‭ ‬وبهذه‭ ‬المقدرة‭ ‬على‭ ‬الانتشار‭ ‬والتوسع‭ ‬والقدرة‭ ‬اللوجستية‭ ‬العسكرية،‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬قدرات‭ ‬مالية‭ ‬ضخمة،‭ ‬هذا‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬إعداد‭ ‬تشكيلات‭ ‬عسكرية‭ ‬منظمة‭ ‬ومسلحة‭ ‬ومجهزة،‭ ‬تحتاج‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬إلى‭ ‬قدرات‭ ‬تدريبية‭ ‬متمرسة‭ ‬ومتعلمة‭ ‬أصول‭ ‬التدريب‭ ‬العسكري،‭ ‬وهنا‭ ‬أيضا‭ ‬تبرز‭ ‬علامة‭ ‬‮«‬استفهام‮»‬‭ ‬أخرى‭.‬

البعض‭ ‬يرى‭ ‬ان‭ ‬قوة‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬العسكرية‭ ‬وقدرات‭ ‬أفراده‭ ‬القتالية‭ ‬استمدها‭ ‬التنظيم‭ ‬من‭ ‬عناصره‭ ‬العراقيين،‭ ‬وجلهم‭ ‬أفراد‭ ‬الجيش‭ ‬وقوى‭ ‬أجهزة‭ ‬الأمن‭ ‬العراقية‭ ‬التي‭ ‬حلها‭ ‬الحاكم‭ ‬الأمريكي‭ ‬للعراق‭ ‬بعد‭ ‬جريمة‭ ‬الغزو‭ ‬بول‭ ‬بريمر،‭ ‬وهذا‭ ‬ليس‭ ‬سوى‭ ‬جزء‭ ‬بسيط‭ ‬جدا‭ ‬من‭ ‬الحقيقة،‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬ضم‭ ‬في‭ ‬صفوفه‭ ‬مقاتلين‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الجنسيات‭ ‬وتدفقوا‭ ‬على‭ ‬مراكز‭ ‬التدريب‭ ‬والتجنيد‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬والآسيوية‭ ‬غير‭ ‬العربية،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬الجيش‭ ‬العراقي‭ ‬السابق‭ ‬لم‭ ‬يلتحقوا‭ ‬بهذا‭ ‬التنظيم‭ ‬الإرهابي‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬الجرائم‭ ‬التي‭ ‬ينفذها‭. ‬

من‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬تنظيم‭ ‬بهذه‭ ‬القوة‭ ‬القتالية‭ ‬المدربة‭ ‬والتسليحية‭ ‬الهائلة‭ ‬وتمكنه‭ ‬من‭ ‬احتلال‭ ‬مدن‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬وإنشاء‭ ‬‮«‬مؤسسات‭ ‬إدارية‮»‬‭ ‬وفق‭ ‬المفهوم‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬لقادته،‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مصادر‭ ‬تمويلية‭ ‬قوية‭ ‬وموثوقة،‭ ‬وهي‭ ‬عملية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬القيام‭ ‬بها‭ ‬وإنجازها‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬سيطرة‭ ‬أجهزة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬التابعة‭ ‬للدول‭ ‬المتمكنة،‭ ‬لهذا‭ ‬فإن‭ ‬مسألة‭ ‬الشك‭ ‬في‭ ‬وقوف‭ ‬أجهزة‭ ‬استخبارات‭ ‬قوية‭ ‬وراء‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميتها‭ ‬بـ«لعبة‭ ‬داعش‮»‬،‭ ‬هذا‭ ‬الشك‭ ‬يرقى‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الجزم،‭ ‬فالقرائن‭ ‬والكثير‭ ‬من‭ ‬الأدلة‭ ‬تدعم‭ ‬ذلك‭. ‬

صحيح‭ ‬إن‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬الإرهابي‭ ‬استهدف‭ ‬بعملياته‭ ‬الإجرامية‭ ‬عديدا‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬والمجتمعات،‭ ‬ونفذ‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الجرائم‭ ‬الموجهة‭ ‬ضد‭ ‬التجمعات‭ ‬والمرافق‭ ‬المدنية‭ ‬والدينية،‭ ‬الإسلامية‭ ‬منها‭ ‬والمسيحية،‭ ‬وكذلك‭ ‬الأسواق،‭ ‬أي‭ ‬الأماكن‭ ‬التي‭ ‬يضمن‭ ‬التنظيم‭ ‬حصد‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأرواح‭ ‬البريئة،‭ ‬لكن‭ ‬أخطر‭ ‬أعمال‭ ‬هذا‭ ‬التنظيم،‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬طالت‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬تحديدا‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا،‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬استهدفت‭ ‬الأسس‭ ‬التي‭ ‬تتكئ‭ ‬عليها‭ ‬الدولة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬المؤسسات‭ ‬العسكرية‭ ‬والأمنية،‭ ‬والتي‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬انهيارها،‭ ‬تنهار‭ ‬الدولة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث،‭ ‬مثلا،‭ ‬مع‭ ‬الدولة‭ ‬العراقية‭ ‬بعد‭ ‬حل‭ ‬الجيش‭ ‬وقوى‭ ‬الأمن‭ ‬بعد‭ ‬جريمة‭ ‬الغزو،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬‮«‬داعش‮»‬‭ ‬هو‭ ‬أداة‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬التدمير‭ ‬التي‭ ‬تقودها‭ ‬قوى‭ ‬دولية‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا