العدد : ١٦٩١٤ - الأحد ١٤ يوليو ٢٠٢٤ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٦هـ

العدد : ١٦٩١٤ - الأحد ١٤ يوليو ٢٠٢٤ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٦هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

روسيا والصين من الشراكة إلى التحالف

أحدثت‭ ‬زيارة‭ ‬الزعيم‭ ‬الصيني‭ ‬شي‭ ‬جين‭ ‬بينغ‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬روسيا،‭ ‬وهي‭ ‬الزيارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأولى‭ ‬له‭ ‬بعد‭ ‬انتخابه‭ ‬لولاية‭ ‬رئاسية‭ ‬ثالثة،‭ ‬والتصريحات‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬عن‭ ‬الزعيمين‭ ‬الصيني‭ ‬والروسي‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالطبيعة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬لعلاقات‭ ‬بلديهما،‭ ‬ردود‭ ‬أفعال‭ ‬متباينة‭ ‬لدى‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬السياسة‭ ‬الغربية‭ ‬الهادفة‭ ‬إلى‭ ‬عزل‭ ‬روسيا‭ ‬الاتحادية‭ ‬وتدمير‭ ‬اقتصادها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬غير‭ ‬المسبوقة‭ ‬والتي‭ ‬فرضتها‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬بعد‭ ‬إطلاق‭ ‬روسيا‭ ‬العملية‭ ‬العسكرية‭ ‬الخاصة‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬فبراير‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬فالعواصم‭ ‬الغربية‭ ‬وواشنطن‭ ‬تتحسب‭ ‬وتتوجس‭ ‬من‭ ‬طبيعة‭ ‬التحالف‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الذي‭ ‬أعلنت‭ ‬عنه‭ ‬موسكو‭ ‬وبكين،‭ ‬وهو‭ ‬التحالف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬نوعه‭ ‬بين‭ ‬الدولتين‭ ‬اللتين‭ ‬عملت‭ ‬واشنطن‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عدة‭ ‬عقود‭ ‬لإبعادهما‭ ‬عن‭ ‬بعضهما‭ ‬البعض،‭ ‬خاصة‭ ‬إبان‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬بين‭ ‬المعسكرين‭ ‬الاشتراكي‭ ‬والرأسمالي‭.‬

ما‭ ‬سميت‭ ‬بــ‮«‬سياسة‭ ‬كرة‭ ‬الطاولة‮»‬‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬التي‭ ‬انتهجتها‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الراحل‭ ‬ريتشارد‭ ‬نيكسون‭ ‬بقيادة‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكي‭ ‬السابق‭ ‬هنري‭ ‬كيسنجر‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬حينها‭ ‬يشغل‭ ‬منصب‭ ‬مستشار‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬للرئيس‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬السبعينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬لها‭ ‬وجود‭ ‬في‭ ‬قاموس‭ ‬الإدارات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بالحرب‭ ‬الباردة‭ ‬وتفكك‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬ودول‭ ‬المعسكر‭ ‬الاشتراكي‭ ‬السابق،‭ ‬حيث‭ ‬حولت‭ ‬الإدارات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الاهتمام‭ ‬نحو‭ ‬الصين‭ ‬التي‭ ‬تعتبرها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬التحدي‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الأكبر،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تطورها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الهائل‭ ‬وترشحها‭ ‬لإزاحة‭ ‬أمريكا‭ ‬عن‭ ‬الصدارة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭.‬

فالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وبدلا‭ ‬من‭ ‬مواصلة‭ ‬سياسة‭ ‬إبعاد‭ ‬الصين‭ ‬عن‭ ‬روسيا،‭ ‬انتهجت‭ ‬سياسة‭ ‬أخرى،‭ ‬خاطئة‭ ‬بكل‭ ‬المقاييس،‭ ‬خاصة‭ ‬فيما‭ ‬بتعلق‭ ‬بالموقف‭ ‬من‭ ‬جزيرة‭ ‬تايوان‭ ‬الصينية،‭ ‬وهي‭ ‬السياسة‭ ‬التي‭ ‬تتناقض‭ ‬مع‭ ‬الاعتراف‭ ‬الأمريكي‭ ‬بمبدأ‭ ‬الصين‭ ‬الواحدة،‭ ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬العملية‭ ‬العسكرية‭ ‬الروسية‭ ‬في‭ ‬أوكرانيا‭ ‬ولجوء‭ ‬العواصم‭ ‬الغربية‭ ‬وواشنطن‭ ‬إلى‭ ‬سلاح‭ ‬العقوبات‭ ‬والعزل‭ ‬السياسي‭ ‬تجاه‭ ‬روسيا،‭ ‬ومحاولة‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬بكين‭ ‬للابتعاد‭ ‬عن‭ ‬روسيا‭.‬

كل‭ ‬ذلك‭ ‬جعل‭ ‬القادة‭ ‬الصينيين‭ ‬يتمعنون‭ ‬جيدا‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية‭ ‬والنتائج‭ ‬التي‭ ‬سوف‭ ‬تتمخض‭ ‬عنها،‭ ‬فهؤلاء‭ ‬باتوا‭ ‬على‭ ‬قناعة‭ ‬تامة‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬سياسة‭ ‬التطويق‭ ‬وإعاقة‭ ‬تقدم‭ ‬الصين،‭ ‬أصبحت‭ ‬هي‭ ‬السياسة‭ ‬الواضحة‭ ‬وشبه‭ ‬الثابتة‭ ‬للإدارة‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وهناك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المؤشرات‭ ‬والدلائل‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬القادة‭ ‬الصينيين‭ ‬على‭ ‬قناعة‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر،‭ ‬تحالف‭ ‬‮«‬أوكوس‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يضم‭ ‬كلا‭ ‬من‭ ‬أمريكا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬وأستراليا،‭ ‬هذا‭ ‬التحالف‭ ‬تعتبره‭ ‬الصين‭ ‬موجها‭ ‬ضدها‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬استمرار‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬لجزيرة‭ ‬تايوان‭ ‬الصينية‭ ‬وتغذيتها‭ ‬للنزعة‭ ‬الانفصالية‭ ‬للقيادة‭ ‬التايوانية‭.‬

في‭ ‬وداعه‭ ‬لمضيفه‭ ‬الزعيم‭ ‬الروسي‭ ‬فلاديمير‭ ‬بوتين،‭ ‬قال‭ ‬الزعيم‭ ‬الصيني‭ ‬وهو‭ ‬يصافح‭: ‬‮«‬الآن،‭ ‬هناك‭ ‬تغييرات‭ ‬لم‭ ‬تحدث‭ ‬منذ‭ ‬100‭ ‬عام،‭ ‬عندما‭ ‬نكون‭ ‬معًا،‭ ‬نقود‭ ‬هذه‭ ‬التغييرات‮»‬،‭ ‬هذه‭ ‬الكلمات‭ ‬لها‭ ‬معنى‭ ‬استراتيجي‭ ‬بعيد‭ ‬المدى،‭ ‬ويعكس‭ ‬حقيقة‭ ‬التغيرات‭ ‬التي‭ ‬طرأت‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬الصينية‭ ‬الروسية،‭ ‬ومدى‭ ‬حاجة‭ ‬الجانبين‭ ‬إلى‭ ‬تعزيزها،‭ ‬وربما‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬التحالف‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الأصعدة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬العسكرية،‭ ‬حيث‭ ‬تشعر‭ ‬العاصمتان‭ ‬أنهما‭ ‬مستهدفتان،‭ ‬اقتصاديا‭ ‬وعسكريا،‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬والدول‭ ‬الغربية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬تحالفهما‭ ‬يعزز‭ ‬من‭ ‬قدراتهما‭ ‬لمواجهة‭ ‬هذا‭ ‬الاستهداف‭. ‬

وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكي‭ ‬السابق‭ ‬هنري‭ ‬كيسنجر‭ ‬وصف‭ ‬الصين‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬أكبر‭ ‬مشكلة‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والعالم‭ ‬بأسره‭ ‬بسبب‭ ‬ضخامة‭ ‬القدرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعسكرية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬وبشكل‭ ‬يفوق‭ ‬بشدة‭ ‬حالة‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬السابق‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قوة‭ ‬عسكرية‭ ‬فقط،‭ ‬ولم‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬التي‭ ‬وصلت‭ ‬إليها‭ ‬الصين‮»‬،‭ ‬فهذه‭ ‬حقيقة‭ ‬دامغة‭ ‬تدركها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفاؤها،‭ ‬فإذا‭ ‬ما‭ ‬أضيف‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬القدرات‭ ‬الصينية‭ ‬المتنوعة،‭ ‬تلك‭ ‬القدرات‭ ‬الروسية‭ ‬العسكرية‭ ‬الهائلة،‭ ‬فإن‭ ‬حجم‭ ‬التحدي‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬واشنطن‭ ‬والعواصم‭ ‬الغربية‭ ‬سيكون‭ ‬عظيما‭ ‬ومعقدا‭.‬

فإذا‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬سياسة‭ ‬كرة‭ ‬الطاولة‮»‬‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬إعاقة‭ ‬إقامة‭ ‬علاقات‭ ‬شراكة‭ ‬وثيقة‭ ‬بين‭ ‬جمهورية‭ ‬الصين‭ ‬الشعبية‭ ‬والاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬السابق،‭ (‬الخلاف‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬لعب‭ ‬دورا‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬تلك‭ ‬السياسة‭)‬،‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬سياسة‭ ‬تنس‭ ‬الطاولة‮»‬‭ ‬جلبت‭ ‬ثمارا‭ ‬طيبة‭ ‬للسياسة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬فإن‭ ‬سياسة‭ ‬الاحتواء‭ ‬والتطويق‭ ‬وعرقلة‭ ‬التقارب‭ ‬الصيني‭ ‬الروسي،‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬جلبت‭ ‬منافع‭ ‬ثمينة،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬المنافع‭ ‬لم‭ ‬تذهب‭ ‬إلى‭ ‬الخزينة‭ ‬السياسية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وإنما‭ ‬إلى‭ ‬خزينتي‭ ‬موسكو‭ ‬وبكين،‭ ‬حيث‭ ‬عجلت‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬من‭ ‬خطوات‭ ‬التقارب‭ ‬والشراكة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بين‭ ‬العاصمتين،‭ ‬وهي‭ ‬كلها‭ ‬عوامل‭ ‬تهيئ‭ ‬الأرضية‭ ‬الصالحة‭ ‬لقيام‭ ‬تحالف‭ ‬بينهما‭ ‬على‭ ‬مختلف‭ ‬الأصعدة‭.‬

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا