العدد : ١٦٨٨٥ - السبت ١٥ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

العدد : ١٦٨٨٥ - السبت ١٥ يونيو ٢٠٢٤ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٤٥هـ

الاسلامي

على أعتاب رمضان

الجمعة ١٧ مارس ٢٠٢٣ - 02:00

بقلم‭: ‬عاطف‭ ‬الصبيحي

نحن‭ ‬قاب‭ ‬قوسين‭ ‬أو‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬رمضان،‭ ‬شهر‭ ‬الله،‭ ‬سيد‭ ‬الشهور،‭ ‬الزائر‭ ‬السنوي‭ ‬الذي‭ ‬يحل‭ ‬علينا،‭ ‬حاملاً‭ ‬آمالا‭ ‬عريضة،‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬عضه‭ ‬الدهر‭ ‬وأوجعه،‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬عاندته‭ ‬ظروفه‭ ‬وقست‭ ‬عليه،‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬ضاقت‭ ‬عليه‭ ‬الدنيا‭ ‬وصبر،‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬خانته‭ ‬صحته‭ ‬وقواه‭ ‬الجسدية‭ ‬وأقعدته‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬والكسب،‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬تفقد‭ ‬القدر‭ ‬والده‭ ‬وأصبح‭ ‬يتيماً‭ ‬بلا‭ ‬مُعيل،‭ ‬وسط‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأجواء‭ ‬يأتي‭ ‬شهر‭ ‬الله‭ ‬حاملاً‭ ‬البشائر‭ ‬لكل‭ ‬هؤلاء‭.‬

وكلما‭ ‬هلت‭ ‬تباشير‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬تهجم‭ ‬علي‭ ‬ذكريات‭ ‬ما‭ ‬قرأته‭ ‬عن‭ ‬أشج‭ ‬بني‭ ‬أمية،‭ ‬الخليفة‭ ‬الخامس،‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه‭ ‬وأرضاه،‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬الفكاك‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الذكرى‭ ‬العطرة،‭ ‬ذكرى‭ ‬جديرة‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬منهج‭ ‬حياة‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬آمن‭ ‬بالله‭ ‬رباً‭ ‬وبمحمد‭ ‬نبياً‭ ‬ورسولاً،‭ ‬وبالقرآن‭ ‬كتاباً‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬خالداً،‭ ‬جملة‭ ‬من‭ ‬الذكريات‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬فلست‭ ‬بصدد‭ ‬صلاته‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنه،‭ ‬ولا‭ ‬صيامه،‭ ‬إنما‭ ‬بصدد‭ ‬التغني‭ ‬بمنسوب‭ ‬الإحساس‭ ‬الذي‭ ‬يملكه‭ ‬تجاه‭ ‬الناس‭ ‬عموماً،‭ ‬وفقيرهم‭ ‬خصوصاً‭.‬

شعور‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬عميق‭ ‬يجثم‭ ‬على‭ ‬فؤاد‭ ‬هذا‭ ‬الرجل،‭ ‬ولعله‭ ‬لم‭ ‬يسبقه‭ ‬في‭ ‬رهافة‭ ‬هذا‭ ‬الحس‭ ‬إلا‭ ‬الراشدون‭ ‬من‭ ‬الخلفاء،‭ ‬وجده‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الخصوص‭ ‬ابن‭ ‬الخطاب‭ ‬رضي‭ ‬الله‭ ‬عنهم‭ ‬جميعاً،‭ ‬شعور‭ ‬حلٌق‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬فضاءات‭ ‬لا‭ ‬يصح‭ ‬أن‭ ‬يُقال‭ ‬بها‭ ‬إلا‭ ‬إنها‭ ‬فضاءات‭ ‬قرآنية،‭ ‬لم‭ ‬تغب‭ ‬عنه‭ ‬حتى‭ ‬الطيور‭ ‬البرية،‭ ‬العابرة‭ ‬لفضاء‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬يحكمها‭ ‬هذا‭ ‬الشج‭ ‬الورع،‭ ‬فأوصى‭ ‬بها‭ ‬بقولته‭ ‬الشهيرة‭ ‬الخالدة‭: ‬‮«‬انثروا‭ ‬القمح‭ ‬على‭ ‬رؤوس‭ ‬الجبال‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يُقال‭ ‬أن‭ ‬طيراً‭ ‬جاع‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬المسلمين‮»‬‭ ‬شعوره‭ ‬بثقل‭ ‬المسؤولية‭ ‬تعدى‭ ‬البشر‭ ‬إلى‭ ‬الطير‭ ‬العابر‭ ‬غير‭ ‬المُقيم‭ ‬في‭ ‬سماء‭ ‬المنطقة‭ ‬الحاكم‭ ‬عليها‭ ‬والتي‭ ‬سوف‭ ‬يُسأل‭ ‬عنها‭.‬

لم‭ ‬تفارقني‭ ‬هذه‭ ‬العبارة‭ ‬منذ‭ ‬أن‭ ‬وقعت‭ ‬عليها‭ ‬عيني‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬المراجع،‭ ‬ولو‭ ‬لم‭ ‬أسمع‭ ‬بغيرها‭ ‬لكفتني‭ ‬كمسلم،‭ ‬فمن‭ ‬البديهي‭ ‬أنه‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬قِصر‭ ‬مدة‭ ‬حكمه‭ ‬أنه‭ ‬كفى‭ ‬الناس‭ ‬مؤمنهم‭ ‬وكافرهم‭ ‬مؤونة‭ ‬العيش‭ ‬وهم‭ ‬الضرورات،‭ ‬فطار‭ ‬ببصره‭ ‬يتابع‭ ‬الطير‭ ‬ويتفقد‭ ‬شأنه،‭ ‬وذهبت‭ ‬سُنة‭ ‬مُتبعة‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬القرى‭ ‬التركية،‭ ‬حيث‭ ‬يحملون‭ ‬القمح‭ ‬إلى‭ ‬رؤوس‭ ‬الجبال‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬الشتاء‭ ‬لتأمين‭ ‬طعام‭ ‬الطيور‭.‬

فعلى‭ ‬أعتاب‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬الكريم‭ ‬يعيش‭ ‬بين‭ ‬أظهرنا‭ ‬من‭ ‬يرنو‭ ‬بعينه‭ ‬إلينا‭ ‬لنكرمه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر،‭ ‬لنكفيه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر،‭ ‬لنقر‭ ‬عينه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر،‭ ‬لنحفظ‭ ‬ماء‭ ‬وجهه‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر،‭ ‬فهل‭ ‬نحن‭ ‬مقتدون‭ ‬بابن‭ ‬عبد‭ ‬العزيز،‭ ‬وفاعلون‭ ‬جزءا‭ ‬مما‭ ‬فعل؟

شهر‭ ‬حلقات‭ ‬الرحمة‭ ‬فيه‭ ‬آخذه‭ ‬بعضها‭ ‬بناصية‭ ‬بعض‭ ‬مكونة‭ ‬دائرة‭ ‬متكاملة‭ ‬من‭ ‬الرحمة‭ ‬والمودة‭ ‬والتآلف،‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬وتآلف‭ ‬الأسرة‭ ‬الواحدة‭ ‬على‭ ‬مائدة‭ ‬واحدة،‭ ‬ثم‭ ‬تبعد‭ ‬قليلاً‭ ‬لتدخل‭ ‬مربع‭ ‬الأرحام،‭ ‬من‭ ‬الأقرب‭ ‬فالأبعد،‭ ‬الوالدين‭ ‬والأخوة‭ ‬والأخوات‭ ‬والعمات‭ ‬والخالات‭ ‬وبنات‭ ‬الأخ‭ ‬وبنات‭ ‬الأخت‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬الحلقة‭ ‬الطيبة‭ ‬الكريمة‭ ‬من‭ ‬الأرحام،‭ ‬فالأرحام‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬وإن‭ ‬كن‭ ‬مستكفيات‭ ‬بذاتهن،‭ ‬وميسورات‭ ‬مادياً‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬عيونهن‭ ‬ترنو‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬أهلهن‭ ‬عنهن،‭ ‬وتُثلج‭ ‬صدورهن‭ ‬بزيارتهن‭ ‬أو‭ ‬دعوتهن‭ ‬لموائد‭ ‬الإفطار‭.‬

قبس‭ ‬من‭ ‬فقه‭ ‬عمر‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬كفيل‭ ‬بأن‭ ‬يجعله‭ ‬شهراً‭ ‬مباركاً‭ ‬بالمعنى‭ ‬القرآني‭ ‬للكلمة،‭ ‬بالفقه‭ ‬العمري‭ ‬للكلمة،‭ ‬وليس‭ ‬بالمعنى‭ ‬الشكلي‭ ‬الظاهري‭ ‬للكلمة،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬تحديداً‭ ‬وغيره‭ ‬من‭ ‬الشهور‭ ‬لا‭ ‬تغني‭ ‬الشكليات‭ ‬ولا‭ ‬تسمن‭ ‬من‭ ‬جوع،‭ ‬رحم‭ ‬الله‭ ‬ابن‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬الذي‭ ‬فقه‭ ‬كتاب‭ ‬الله‭ ‬على‭ ‬خير‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬الفقه‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا