قالت لـ«أخبار الخليج»: الجائزة مسؤولية وطنية ودافعٌ لمواصلة العطاء في المحافل الدولية

حاورتها: لمياء إبراهيم
في لحظة استثنائية تُجسّد التميز العلمي والارتقاء بالقيم الإنسانية، رفعت الكوادر الطبية البحرينية اسمها عالياً في المحافل الدولية؛ حيث غدت الدكتورة أمل حبيل اختصاصية الأمراض الجلدية والتجميل أول طبيبة بحرينية وخليجية تُتوَّج بـ«جائزة ماري فرانس ديمير للإنسانية في الطب» بالولايات المتحدة الأمريكية».
هذا التكريم المرموق لم يأتِ لمجرد تفوق أسبق في البحث والتحصيل الأكاديمي، بل جاء بشهادة واختيار من المرضى والزملاء ممن لامسوا نبل رسالتها ودفء تعاطفها في أدق تفاصيل ممارستها الطبية اليومية. وفي هذا الحوار الخاص تأخذنا الدكتورة أمل في رحلة عبر فلسفتها في «إنسانية الطب»، وذكريات الابتعاث ومواجهة التحديات، وكيف شكّلت البيئة البحرينية الرعايةَ والشغفَ اللذين وصلا بها إلى العالمية.
- نبارك لكِ هذا الإنجاز المتميز.. كيف استقبلتِ خبر فوزكِ بـ«جائزة ماري فرانس ديمير للإنسانية في الطب» كأول طبيبة عربية وخليجية تحظى بهذا التكريم المرموق؟
كانت لحظة مليئة بمشاعر الفخر والامتنان، وشعرت فيها أن هذا التكريم ليس مجرد إنجاز شخصي، بل هو مسؤولية كبيرة ودافع لمواصلة العطاء والتميز. وأسعدني كثيراً أن سنوات العمل والاجتهاد والالتزام، إلى جانب القيم والتربية التي نشأت عليها في البحرين، أثمرت إنجازا أعتز به، وأتاحت لي فرصة تمثيل وطني في المحافل الدولية بصورة تليق بمكانة مملكة البحرين وهو ما أعطى الجائزة معنى خاصا بالنسبة، لي إنها تكرّم جانباً جوهرياً من مهنة الطب، لا يقتصر على العلم والمهارة الطبية، وإنما يركز على إنسانية الطبيب وأثره في حياة مرضاه.
ويكتسب التكريم أهمية خاصة بالنسبة لي، كوني أول طبيبة بحرينية وخليجية وعربية تحصل على الجائزة، وهذا أعتبره شرفاً كبيراً ومسؤولية وطنية أعتز بها.
- الجائزة تركز بالدرجة الأولى على «الجانب الإنساني» للطب؛ من وجهة نظركِ، كيف يتجسد مفهوم «إنسانية الطبيب» عملياً داخل العيادة وفي التعامل اليومي مع المرضى؟
بالنسبة لي، إنسانية الطبيب تتجسد في التفاصيل الصغيرة التي قد لا نجدها مكتوبة في الكتب الطبية، ولكنها تترك أثرًا عميقًا في نفس المريض؛ في طريقة الاستماع إليه، واحترام مخاوفه ومشاعره، والتعامل معه بتعاطف واهتمام، والقدرة على منحه الشعور بالطمأنينة والأمان حتى قبل البدء بالعلاج.
فالطبيب مهما بلغ من العلم والخبرة والمهارة، عليه أن يتذكر دائمًا أنه يتعامل مع إنسان، وليس مجرد حالة مرضية أو تشخيص طبي. فالمريض لا يحتاج فقط إلى المعرفة الطبية والعلاج المناسب، بل يحتاج أيضًا إلى من يفهم معاناته، ويستمع إليه دون استعجال، ويمنحه الثقة بأنه في أيدٍ أمينة. وأؤمن بأن الإنسانية في الطب ليست مجرد صفة إضافية يتحلى بها الطبيب، بل هي جزء أساسي من مسؤوليته المهنية والأخلاقية. فالتميز الحقيقي في مهنة الطب لا يتحقق بالعلم والمهارة وحدهما، وإنما بالجمع بين الكفاءة الطبية والرحمة والتعاطف والأمانة، فعمل الطبيب في جوهره رسالة إنسانية قبل أن يكون مهنة.
- كون الجائزة اعتمدت على تصويت واختيار المرضى والزملاء، ماذا يعني لكِ هذا الانطباع الصادق والأثر الإيجابي الذي تركتِه في قلوب من حولكِ؟
بالنسبة لي، هذا الجانب هو أكثر ما يجعل هذه الجائزة مميزة وقريبة إلى قلبي، لأن التقدير عندما يأتي من أشخاص عاشوا معك التجربة اليومية، سواء كانوا مرضى أو زملاء عمل، فإنه يحمل معنى أعمق من مجرد تكريم أو إنجاز مهني، فهو يعكس الأثر الايجابي الذي تركته في نفوسهم.
وأؤمن دائمًا بأن علاقة الطبيب بالمريض لا تقتصر على التشخيص والعلاج فقط، بل هي علاقة إنسانية تقوم على الثقة والرحمة والاحترام. فكل مريض نقابله يحمل معه قصة مختلفة، وقد يكون في مرحلة صعبة من حياته يحتاج فيها إلى من يستمع إليه ويفهم مخاوفه ويشعره بالأمان. وأحيانًا تكون كلمة طيبة أو لحظة إنصات صادق ذات أثر لا يقل أهمية عن العلاج نفسه.
أما تقدير الزملاء، فله مكانة خاصة أيضًا، حيث شاركوني يوميات العمل، ويقيمون عن قرب تعاملي مع المرضى ومع الزملاء.
- رفعت اسم مملكة البحرين في محفل أمريكي ودولي كبير مثل هذا، ما الرسالة التي أردتِ إيصالها إلى العالم عن كفاءة وجدارة الكوادر الطبية البحرينية والعربية؟
رسالتي هي أن الكوادر البحرينية تمتلك من الكفاءة والعلم والقدرات ما يؤهلها للتميز في أكبر المحافل الدولية، وأن تميز الطبيب لا يقتصر على إنجازاته العلمية والمهنية فحسب، بل يشمل أيضًا القيم الإنسانية التي يحملها ويجسدها في عمله.
بالنسبة لي، فإن هذا الإنجاز لم يكن مجرد نجاح شخصي، بل هو انعكاس للقيم التي نشأنا عليها في مملكة البحرين، حيث تربينا منذ الصغر على معاني التراحم والإنسانية والعطاء، حتى أصبحت هذه المبادئ جزءًا أصيلًا من هويتنا ونهجنا في الحياة والعمل.
وهنا أستذكر بكل فخر وتقدير نهج حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، وما يجسده من قيم إنسانية راسخة تقوم على الرحمة والعطاء، إلى جانب الرؤية الملهمة لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، في دعم الكفاءات الوطنية وتشجيعها على التميز والإنجاز بروح إنسانية عالية.
وأعتز بأن أكون قد أسهمت من خلال هذا التكريم في إبراز صورة مشرفة للطبيب البحريني.
- تخرجتِ في جامعة بوسطن المرموقة وحصلتِ على أكثر من 15 شهادة واعتماداً دولياً.. كيف أسهم هذا التنوع الأكاديمي في تشكيل شخصيتكِ الطبية ورؤيتكِ لمجال الجلدية والتجميل؟
رحلة التعلم في الطب لا تتوقف عند الحصول على شهادة أو إتمام مرحلة دراسية، بل هي رحلة مستمرة من التطور واكتساب الخبرات. وقد حرصت خلال مسيرتي الأكاديمية والمهنية على تنويع مصادر المعرفة والتدريب في عدد من الدول والمؤسسات الطبية المرموقة، لأنني أؤمن بأن كل تجربة علمية تضيف بُعدًا جديدًا الى شخصية الطبيب وتوسع آفاقه وطريقة تفكيره في العلاج.
وكان لعملي في مستشفى جامعة بوسطن بالولايات المتحدة الأمريكية أثر كبير في تشكيل شخصيتي الطبية، حيث أتيحت لي الفرصة للتدريب والعمل مع نخبة من الرواد وأبرز المتخصصين في مجال الأمراض الجلدية، والاستفادة من خبراتهم العلمية والسريرية. كما أن تنوع مؤهلاتي بين الأمراض الجلدية والتجميل وطب الشعر والإدارة الصحية منحني رؤية أشمل للممارسة الطبية، وعزز لدي أهمية الجمع بين المعرفة العلمية والخبرة العملية والجانب الإنساني في التعامل مع المرضى.
وأرى أن القيمة الحقيقية لهذا التنوع الأكاديمي لا تكمن في عدد الشهادات والاعتمادات، بل في كيفية توظيف هذه المعرفة والخبرة لخدمة المرضى والمجتمع. فقد كان من أهم أهدافي طوال رحلتي العلمية أن أعود بما اكتسبته من علم وخبرة عالمية إلى وطني الغالي مملكة البحرين، وأن أسهم في خدمة أبناء وطني وتقديم أفضل مستويات الرعاية الطبية لهم، إيمانًا مني بأن أجمل ثمار النجاح والتميز هو رد الجميل لوطننا الغالي المعطاء، وأن نسهم بعلمنا وخبراتنا في رفع مستوى الخدمات الصحية.
- ما أبرز التحديات التي واجهتكِ خلال رحلة الابتعاث والدراسة في الولايات المتحدة، وكيف تجاوزتها للوصول إلى هذه الدرجة من التميز؟
من أصعب المراحل بالنسبة لي كانت الابتعاد عن البحرين وعن أهلي فترة طويلة، والسفر إلى الولايات المتحدة لبناء مسيرتي المهنية. فكل رحلة فيها تعب واشتياق وغربة. التحديات علمتني أن وجودي خارج البحرين ليس فقط فرصة لبناء مسيرتي الشخصية، وإنما أيضاً فرصة للتعلم والتطور لكي أرجع واخدم بلدي بأفضل السبل.
وفي كل مرحلة من مسيرتي، كنت أستذكر نصائح وتوجيهات سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، رائد العمل الإنساني في البحرين، وسمو الشيخ خالد بن حمد آل خليفة، وما تحمله من قيم إنسانية ومعانٍ ملهمة تؤكد أهمية المثابرة والاجتهاد، والسعي المستمر لتطوير الذات وتحقيق الأهداف.
- الجلدية والطب التجميلي مجال متطور بسرعة هائلة؛ كيف توازنين بين المتابعة المستمرة للأبحاث والتقنيات الحديثة، وبين الحفاظ على أصل المهنة وجوهرها الإنساني؟
أعتقد أن هذا من أهم التحديات في مجال الجلدية والتجميل اليوم، نظرًا إلى التطور السريع والمستمر في الأبحاث والتقنيات والعلاجات الحديثة. ولكن بالنسبة لي، لا أرى تعارضًا بين مواكبة التطور العلمي والحفاظ على الجوهر الإنساني للمهنة، بل إن كل منهما يكمل الآخر. فالعلم لا يتوقف، ومن واجبنا كأطباء أن نواكب أحدث المستجدات، وندرس التقنيات والعلاجات الجديدة من حيث فعاليتها وسلامتها ومدى ملاءمتها لاحتياجات المرضى.
مواكبة التطور لا تعني استخدام كل تقنية جديدة، بل امتلاك المعرفة والخبرة التي تمكننا من اختيار العلاج الأنسب لكل مريض. ولذلك أحرص على أن تسبق أي إجراء استشارة طبية شاملة، نستمع فيها إلى المريض، ونفهم احتياجاته وتوقعاته، ونضع صحته وسلامته في مقدمة أولوياتنا.
- بصفتكِ نموذجا مشرفا للمرأة البحرينية والعربية في القطاع الطبي، ما الكلمة التي توجهينها للطبيبات الشابات والكوادر الصاعدة اللاتي يطمحن للوصول إلى العالمية؟
رسالتي للكوادر الصاعدة ولكل امرأة بحرينية طموحة هي أن تؤمن بنفسها وبقدراتها، وألا تضع حدودًا لأحلامها وطموحاتها. فكل إنجاز كبير يبدأ بحلم وتخطيط، ولكن تحقيقه يحتاج إلى اجتهاد ومثابرة وتطوير مستمر للذات، والإيمان بأن الطموح لا حدود له متى ما اقترن بالعزيمة والإصرار على النجاح. وأن تسعى دائمًا لترك بصمتها أينما كانت، وأن تكون خير سفيرة لبلدها.
وأؤمن بأن المرأة البحرينية تمتلك من الكفاءة والعزيمة والطموح ما يؤهلها للوصول إلى أعلى المحافل العالمية. وما نشهده اليوم من نجاحات وإنجازات للمرأة البحرينية هو ثمرة الرؤية الداعمة لتمكين المرأة البحرينية، بقيادة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة، قرينة جلالة الملك المعظم ورئيسة المجلس الأعلى للمرأة، حفظها الله، لدعمها الكبير ودور بارز في تعزيز مكانة المرأة البحرينية وفتح آفاق أوسع أمامها للتميز والريادة في مختلف المجالات.
- بعد هذا التكريم الاستثنائي، ما تطلعاتكِ ومشاريعكِ القادمة على المستويين المهني والإنساني؟
أتمنى أن أكون نموذجاً ملهماً للأجيال القادمة، ورسالتي لهم أن النجاح لا يعتمد فقط على العلم والإنجاز، وإنما أيضاً على الإنسانية والعطاء. وأن الطموح وخدمة الوطن يلتقيان دائماً في طريق واحد.
وفي السنوات القادمة، أتمنى أن أواصل مسيرتي في خدمة البحرين واهلها، واطمح ان اشارك في مناصب تساعد في تطوير كل ما يخدم المجتمع البحريني. فطموحي لا يقتصر على التميز في المجال الطبي فحسب، بل يمتد إلى أن أكون جزءًا فاعلًا في خدمة وطني والمساهمة في مستقبله.
وفي النهاية أطمح أن يكون الإنجاز البحريني دافعاً لإنجازات أخرى أكبر بالمستقبل، ونرى التقدم والازدهار لمملكة البحرين في جميع المجالات.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك