متخصصون وصناع قرار يناقشون مستقبل التمويل المستدام والتحول الأخضر في البحرين
تغطية: محمد الساعي
تصوير - محمد الساري
أعلن بنك البحرين والكويت أمس إطلاق مجموعة الأدوات المجانية لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (SME Toolkit)، وهي مبادرة جديدة تهدف إلى تمكين هذه المؤسسات وتعزيز قدراتها على مواكبة المتغيرات الاقتصادية وتحقيق النمو المستدام على المدى الطويل، بما ينسجم مع جهود البنك الرامية إلى تعزيز التمويل المستدام ودعم التنمية الاقتصادية في مملكة البحرين.
وجاء الإعلان خلال فعالية طاولة مستديرة رفيعة المستوى نظمها كل من بنك البحرين والكويت ومنتدى الشرق الأوسط للاستدامة أمس، تحت عنوان «تعبئة التمويل المستدام، تحقيق النمو المرن ودعم التحول الأخضر في البحرين»، وذلك بفندق شيراتون البحرين، بمشاركة نخبة من القيادات والشخصيات المؤثرة وأصحاب المصلحة من القطاع المالي والجهات الحكومية ومختلف القطاعات الاقتصادية في مملكة البحرين.
وركزت الطاولة المستديرة على بحث السبل الكفيلة بتعزيز دور التمويل المستدام في تسريع تحقيق أولويات التنمية الوطنية ودعم المرونة الاقتصادية على المدى الطويل.
وسلطت الطاولة المستديرة الضوء على الدور المحوري للتمويل المستدام باعتباره ركيزة أساسية لتعزيز النمو الاقتصادي ومرونة الأعمال والمسؤولية البيئية، بما يدعم طموحات مملكة البحرين لتحقيق الحياد الصفري للانبعاثات بحلول عام 2060. وتناولت المناقشات المسارات العملية التي من شأنها تعزيز القدرة التنافسية، وتوسيع الفرص الاستثمارية المرتبطة بالتحول نحو الاستدامة، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية المستدامة، في ظل الاهتمام المتزايد بتطوير حلول تمويلية تدعم التحول الأخضر في مختلف القطاعات.
وبدأت أعمال الطاولة المستديرة بكلمة افتتاحية ألقاها ياسر الشريفي، الرئيس التنفيذي للمجموعة في بنك البحرين والكويت، أكد خلالها التزام البنك المتواصل بتعزيز دمج الأولويات البيئية والاجتماعية ضمن المنظومة المالية، من خلال إطار عمله للتمويل المستدام والتوسع في تقديم الحلول التمويلية المستدامة.
وأعقبت الكلمة الافتتاحية جلسة حوارية بعنوان «من الطموح إلى العمل، دور التمويل في تعزيز التزام البحرين بالحياد الصفري»، شارك فيها محمد العالي، رئيس الاستراتيجية والتحول للمجموعة في بنك البحرين والكويت، وأدارتها جيابريا بارتيبان، الشريكة ورئيسة الخدمات الاستشارية واستشارات المخاطر في شركة كي بي إم جي البحرين.
وتضمنت أعمال الطاولة المستديرة جلستين نقاشيتين استراتيجيتين، حملت الأولى عنوان «من الأطر إلى التطبيق، استراتيجيات تحقيق التوسع والأثر»، وشارك فيها جوزيف غريب، الرئيس التنفيذي ورئيس الخدمات المصرفية في البحرين لدى بنك إتش إس بي سي الشرق الأوسط المحدود، وزيبا عسكر، الرئيس التنفيذي لجمعية مصارف البحرين، والدكتور أحمد تقي، الرئيس التنفيذي للخدمات المصرفية للأفراد في بنك البحرين والكويت، ورزان بوجيري، مساعد مدير في شركة صفاء. وأدار الجلسة نارين باسوبالاتي، مدير الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة في شركة كي بي إم جي. وركزت المناقشات على استعراض الاستراتيجيات اللازمة لتوسيع نطاق التمويل المستدام وتعزيز التعاون بين المؤسسات المالية والجهات المعنية، إلى جانب بحث السبل العملية لترجمة أطر الاستدامة إلى مبادرات قابلة للتنفيذ تحقق أثرًا ملموسًا على مستوى مختلف القطاعات الاقتصادية.
وتواصلت أعمال الطاولة المستديرة من خلال الجلسة النقاشية الثانية بعنوان «تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لتحقيق النمو المستدام والتنمية الوطنية»، بمشاركة دلال الغيص، الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك البحرين للتنمية، وإبراهيم مشعل، رئيس تنفيذي إدارة المخاطر للمجموعة في بنك البحرين والكويت، ومحمد العالي، العضو المنتدب في شركة المؤسسات المتحدة، والسيد خالد البيات، نائب الرئيس التنفيذي لتصميم البرامج وتنفيذها في صندوق العمل «تمكين». وأدار الجلسة باسم الساعي، رئيس مجلس إدارة شركة غذاء. وتناولت المناقشات أهمية تطوير حلول تمويلية تتناسب مع احتياجات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز خدمات الدعم الاستشاري وبناء القدرات، إلى جانب استعراض الأساليب العملية لتوسيع فرص حصول هذه المؤسسات على التمويل اللازم لنمو أعمالها. كما سلطت الجلسة الضوء على الدور الحيوي لهذا القطاع في دعم التنويع الاقتصادي وتعزيز مساهمة القطاع الخاص في تحقيق أهداف الاستدامة في مملكة البحرين.
وبهذه المناسبة، صرّح ياسر الشريفي الرئيس التنفيذي للمجموعة في بنك البحرين والكويت، قائلًا، «إن تعزيز التمويل المستدام يتطلب التزامًا مشتركًا بتحويل الطموحات إلى خطوات عملية تحقق نتائج ملموسة. وقد أتاحت لنا هذه الطاولة المستديرة فرصة لجمع نخبة من القيادات من القطاع المالي والجهات الحكومية ومجتمع الأعمال، لبحث الفرص العملية التي من شأنها دعم المرونة الاقتصادية وتعزيز تحقيق أهداف الاستدامة في مملكة البحرين. ونحن في بنك البحرين والكويت نؤمن بأن المؤسسات المالية تضطلع بدور محوري في دعم هذا التحول، من خلال توجيه رؤوس الأموال نحو فرص النمو المستدام، ومساندة الشركات في تطوير أعمالها، وخلق قيمة اقتصادية مستدامة على المدى الطويل. ونؤكد التزامنا بمواصلة تعزيز الشراكات وتطوير الحلول المالية التي تسهم في بناء اقتصاد أكثر مرونة واستدامة».
وقالت ليلا دانيش، رئيسة اللجنة الاستشارية لمنتدى الشرق الأوسط للاستدامة، «إن تسريع وتيرة التحول الأخضر في مملكة البحرين يتطلب تعزيز التعاون بين المؤسسات المالية وصنّاع السياسات والقطاع الخاص، بما يسهم في ترجمة الطموحات المتعلقة بالاستدامة إلى نتائج عملية ملموسة. وقد أكدت هذه الطاولة المستديرة أهمية جمع مختلف الأطراف المعنية على منصة واحدة لتبادل الرؤى، واستكشاف الفرص المتاحة، ومناقشة التحديات المرتبطة بتمويل النمو المستدام».
«البحرين والكويت» يتجه إلى زيادة حجم محفظته في «التمويل المستدام»
أكد الرئيس التنفيذي للاستراتيجية والتحول للمجموعة في بنك البحرين والكويت، محمد العالي، أن المجموعة قد وضعت زيادة حلول التمويل المستدام ضمن أولوياتها، وذلك إيمانا منها بأن التمويل المستدام أصبح اليوم محركاً رئيسياً في مجال التمويل بشكل عام. وقال في تصريح لـ«اخبار الخليج»: حققنا ولله الحمد، 400 مليون دينار بحريني في محفظة التمويل المستدام، ونرى أن هناك مجالاً أكبر للنمو في هذا القطاع.، وخاصة أن نمو التمويل المستدام في منطقة الخليج فاق نموه على مستوى العالم، وهو ما يمثل فرصة كبيرة لنا لزيادة حجم محفظتنا في هذا المجال. مضيفا أن التمويل المستدام يمثل اليوم نحو 9% من إجمالي محفظة التمويل عالمياً، بينما تبلغ هذه النسبة في منطقة الخليج نحو 5%. وبالتالي يعتبر قطاعاً واعدا للنمو، ويتمتع بجدوى اقتصادية حقيقية (Business Case)، إذ بدأت المؤسسات تدرك أن اعتمادها عليه يساعدها في تحقيق كفاءة استخدام الطاقة ويفتح أمامها آفاقاً للنمو في مجالات لم تكن متاحة لها في السابق. وبنفس الوقت يمثل أداة لمواجهة المخاطر البيئية والتغير المناخي، كما يأتي ضمن التزامات الدول التي وضعتها من خلال الاتفاقيات الدولية، مثل اتفاقيات مؤتمرات الأطراف (COP Agreements) . وأضاف: «شكلت هذه الطاولة المستديرة منصة مهمة للانتقال من مرحلة الحوار إلى التركيز على الخطوات العملية اللازمة لتعزيز التمويل المستدام في مملكة البحرين. وتتمثل إحدى أولوياتنا الرئيسية في ضمان حصول الشركات بمختلف أحجامها، ولا سيما المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، على الحلول التمويلية والمعرفة والدعم اللازم لتمكينها من تحقيق النمو المستدام. ويعكس إعلاننا إطلاق مجموعة الأدوات المجانية لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التزام بنك البحرين والكويت بتعزيز المنظومة الداعمة لهذا القطاع، ومساندة الشركات في مواكبة المتغيرات الاقتصادية والاستفادة من الفرص المتاحة. ومن خلال تشجيع التعاون والابتكار، نسعى إلى المساهمة في فتح آفاق جديدة للنمو المستدام في مختلف القطاعات الاقتصادية بالمملكة».
الاستدامة لم تعد مجرد خيار للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة
أكد رجل الأعمال رئيس مجلس إدارة شركة الغذاء والمطاحن باسم الساعي، الذي أدار جلسة نقاشية في المنتدى بعنوان (تمويل المؤسسات الصغيرة المتوسطة لتحقيق النمو المستدام والتنمية الوطنية)، أن الاستدامة لم تعد اليوم مجرد مسؤولية أو التزام بيئي، بل باتت محورا وعاملا رئيسيا في نجاح الشركات الصغيرة والمتوسطة، وقدرتها على مواجهة الكثير من التحديات في مقدمتها تحديات التمويل.
وأضاف: أول ما تحتاجه متطلبات الاستدامة في أي سوق بالعالم، هو وجود رؤية واضحة وأهداف محددة. وبعد توافر هذه الرؤية، تأتي الحاجة الى وجود دفعة قوية تتمثل في الدعم خاصة المادي.
وفي كثير من النماذج تقوم الدولة نفسها بتغطية بعض التكاليف. ولكن تبقى هناك حاجة الى مناقشة أساليب تطوير الرؤية والاهداف الاستدامة والمشاريع الخضراء في الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتسريع اليات تحقيقها بصورة أكبر، وخاصة أن هذه المشاريع تمثل اليوم الشريحة الكبرى في القطاع التجاري. ودورنا هو تقديم الدعم والمشورة والالهام الذي يساعدهم على تحقيق هذه الأهداف.
ومن هذا المنطلق، تأتي مثل هذه اللقاءات الهامة المتعلقة بموضوع الاستدامة، من أجل تبادل النقاشات ووجهات النظر مع رواد الأعمال وأصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة، لوضع النقاط على الحروف بشأن العوائق التي تمنع أو تحد من حصولهم على التمويل الكافي الذي يساعدهم في تحقيق متطلبات واليات الاستدامة في المشاريع التي يديرونها.
وبالمقابل، نستمع إلى الطرف الآخر الهام وهو الجهات الممولة والتي تلعب دورا محوريا في التمويل المستدام (financial institutions) لمعرفة رؤاهم وبرامجهم وحلولهم التمويلية المطروحة بهذا الشأن.
وكلما استطعنا توفير مشاريع تتميز بالاستدامة، وحلول تمويل مستدام، نجحنا في تحفيز الاقتصاد، وخلق قاعدة قوية لقطاع فاعل يسهم في النمو الاقتصادي.
القطاع الصناعي بالبحرين من أكثر القطاعات المؤهلة للاستفادة من فرص التمويل المستدام
شدد العضو المنتدب لشركة «يونايتد إنتربرايزز» محمد العالي على أن التمويل المستدام أصبح حاجة ملحة وليس مجرد خيار للشركات والمؤسسات والمصانع.
وقال إن تكاليف الطاقة في المنطقة بأكملها قد ارتفعت بشكل كبير، وأصبحت المصانع اليوم أمام واقع يفرض عليها البحث عن حلول مبتكرة لتوفير الطاقة، ومن بينها الاعتماد على الطاقة الشمسية وغيرها من الوسائل التي تسهم في خفض استهلاك الطاقة وتكاليفها. وبالتالي، أصبح التوجه نحو تمويل مشاريع الطاقة ضرورة اقتصادية. لذلك، وفي الوقت الذي كانت بعض الشركات في السابق تتبنى هذا التوجه كخيار، فقد أصبح الأمر مختلفا اليوم، حيث باتت مختلف القطاعات بحاجة إلى تمويل مشاريع الطاقة وتطوير حلول مبتكرة في هذا المجال.
وفيما يتعلق بأكثر القطاعات الاقتصادية حاجة الى التمويل المستدام في البحرين، أجاب العالي بأن القطاع الصناعي هو الأكثر احتياجاً وإقبالاً على التمويل المستدام في البحرين، وذلك لأن هذا القطاع يمتلك مقومات الاستدامة بصورة أكبر من غيره من القطاعات الاقتصادية. فالقطاع الصناعي في البحرين يتميز بوجود قاعدة واسعة من الشركات والمصانع التي تعتمد على التصدير، وترتبط العديد من المصانع بعقود طويلة الأجل مع أسواق في أكثر من خمسين إلى ستين دولة حول العالم. ومن هذا المنطلق، يُعد القطاع الصناعي من أبرز القطاعات التي ينبغي أن تستفيد من الفرص المتاحة اليوم لدى البنوك للحصول على التمويل المستدام، ولا سيما التمويل المخصص لمشاريع الطاقة، بما يساعد المصانع على خفض تكاليفها وتعزيز قدرتها التنافسية والاستمرار في النمو.
الاستدامة ضرورة اقتصادية على المدى الطويل
أشاد الرئيس التنفيذي لشركة صفاء، طلال العريفي بالفعالية التي نظمها بنك البحرين والكويت، مبينا أن أهميتها تكمن في كونها جمعت المؤسسات المالية والجهات المعنية لمناقشة واقع الاستدامة في القطاع المالي، والفرص والعوائد التي يمكن تحقيقها من خلال دمج الاعتبارات البيئية والاجتماعية والحوكمة في القرارات التمويلية.
وأضاف: تبرز أهمية هذا الموضوع من الدور المحوري الذي تلعبه البنوك، باعتبارها تدير أصولاً ضخمة وتمتلك القدرة على توجيه رؤوس الأموال نحو مشاريع ومبادرات تحقق أثراً إيجابياً وتساهم في إحداث تغيير ملموس.
وأكد أن الاستدامة أصبحت اليوم ضرورة اقتصادية لما تحمله من فوائد وعوائد على المدى الطويل. فمراعاة العوامل البيئية والاجتماعية والحوكمة تساعد البنوك على فهم المخاطر بشكل أفضل، والاستعداد للتحديات المستقبلية، وتعزيز مرونة محافظها التمويلية والاستثمارية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك