العدد : ١٧٧٤٢ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٢ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الانتخابات الإسرائيلية وتنامي المشروع الاستيطاني في فلسطين

بقلم: إيلان بابيه

الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬السابع‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬الجاري،‭ ‬سيتوجه‭ ‬الناخبون‭ ‬الإسرائيليون‭ ‬إلى‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع‭ ‬لتجديد‭ ‬البرلمان‭ ‬–‭ ‬الكنسيت‭. ‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬مسألة‭ ‬المستقبل‭ ‬السياسي‭ ‬لرئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬المنتهية‭ ‬ولايته‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو،‭ ‬يكمن‭ ‬الرهان‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الانتخابات‭ ‬في‭ ‬تأكيد‭ ‬–أو‭ ‬عدم‭ ‬تأكيد‭- ‬صعود‭ ‬‮«‬الصهيونية‭ ‬الدينية‮»‬‭. ‬ويسهم‭ ‬هذا‭ ‬التيار،‭ ‬الذي‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬ضم‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬حالة‭ ‬الاستقطاب‭ ‬الحاد‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭ ‬الإسرائيلي‭. ‬

استغرق‭ ‬تنفيذ‭ ‬المشروع‭ ‬الصهيوني‭ ‬عقوداً‭ ‬قبل‭ ‬قيام‭ ‬إسرائيل‭. ‬أما‭ ‬الوضع‭ ‬الراهن‭ ‬فهو‭ ‬يطرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬حقيقية‭ ‬حول‭ ‬مستقبل‭ ‬هذه‭ ‬الدولة،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬في‭ ‬شكلها‭ ‬الحالي‭.‬

إن‭ ‬أي‭ ‬انهيار‭ ‬محتمل‭ ‬لن‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬وليلة،‭ ‬لكن‭ ‬ثمة‭ ‬تصدعاً‭ ‬جسيماً‭ ‬ينخر‭ ‬في‭ ‬الأسس،‭ ‬ألا‭ ‬وهو‭ ‬صعود‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بـ«دولة‭ ‬يهودا‮»‬‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬‮«‬دولة‭ ‬إسرائيل‮»‬‭. ‬وبعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬إنه‭ ‬البروز‭ ‬الحتمي‭ ‬لتيار‭ ‬يدمج‭ ‬بين‭ ‬الصهيونية‭ ‬الدينية‭ ‬واليهودية‭ ‬الأرثوذكسية،‭ ‬ويسعى‭ ‬أتباعه‭ ‬إلى‭ ‬إقامة‭ ‬دولة‭ ‬ثيوقراطية‭ (‬دينية‭). ‬

يمثل‭ ‬هذا‭ ‬الشكل‭ ‬من‭ ‬الصهيونية‭ ‬العنصرية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬فكرة‭ ‬التفوق،‭ ‬جوهرَ‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬المتطرف‭ ‬الرامي‭ ‬إلى‭ ‬إقامة‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬الكبرى‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تمتد‭ ‬لتشمل‭ ‬كامل‭ ‬فلسطين‭ ‬التاريخية‭. ‬

وإذا‭ ‬ما‭ ‬أصبحت‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬السياسية‭ ‬مهيمنة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الانتخابات‭ ‬القادمة،‭ ‬فإن‭ ‬أوضاع‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬ستزداد‭ ‬تدهوراً،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬مواطني‭ ‬إسرائيل‭ ‬اليهود‭ ‬الراغبين‭ ‬في‭ ‬العيش‭ ‬ضمن‭ ‬دولة‭ ‬ليبرالية‭ ‬وتعددية‭ ‬سيتضررون‭ ‬هم‭ ‬أيضاً‭. ‬

في‭ ‬القلب‭ ‬الأيديولوجي‭ ‬لـما‭ ‬نسميه‭ ‬‮«‬دولة‭ ‬يهودا‮»‬‭ ‬نجد‭ ‬المستوطنين‭ ‬المتدينين‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬غالبيتهم‭ ‬من‭ ‬أتباع‭ ‬الحاخامين‭ ‬‮«‬كوك‮»‬‭ ‬–‭ ‬الأب‭ ‬والابن‭. ‬وقد‭ ‬أسس‭ ‬الأب،‭ ‬أبراهام‭ ‬إسحاق‭ ‬كوك‭ (‬1865-1935‭) ‬–الذي‭ ‬وُلد‭ ‬في‭ ‬لاتفيا‭ ‬ضمن‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬الروسية‭ ‬–‭ ‬تيار‭ ‬‮«‬الصهيونية‭ ‬الدينية‮»‬‭.‬

وعند‭ ‬وصول‭ ‬أبراهام‭ ‬إسحاق‭ ‬كوك‭ ‬إلى‭ ‬فلسطين‭ ‬عام‭ ‬1904،‭ ‬برز‭ ‬كشخصية‭ ‬حاخامية‭ ‬تتحدى‭ ‬وجهة‭ ‬النظر‭ ‬اليهودية‭ ‬الأرثوذكسية‭ ‬السائدة‭ ‬آنذاك،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬تناهض‭ ‬الصهيونية‭ ‬وتعتبر‭ ‬بالتالي‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لليهود‭ ‬الملتزمين‭ ‬دينياً‭ ‬دعمها‭. ‬وقد‭ ‬نجح‭ ‬كوك‭ ‬في‭ ‬استمالة‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬الأرثوذكسي‭ ‬إلى‭ ‬صفه‭.‬

يتمثل‭ ‬الإرث‭ ‬الرئيسي‭ ‬لأبراهام‭ ‬إسحاق‭ ‬كوك‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬مركز‭ ‬الدراسات‭ ‬‮«‬ميركاز‭ ‬هراف‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يُعدّ‭ ‬اليوم‭ ‬معقلاً‭ ‬لأكثر‭ ‬أشكال‭ ‬الصهيونية‭ ‬تطرفاً؛‭ ‬إذ‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الأفكار‭ ‬المسيانية،‭ ‬والعنصرية‭ ‬الصريحة‭ ‬ضد‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬وازدراء‭ ‬اليهودية‭ ‬الإصلاحية‭ ‬والعلمانية‭.‬

أما‭ ‬الابن،‭ ‬تسفي‭ ‬يهودا‭ ‬كوك‭ (‬1891-1982‭)‬،‭ ‬فيُعتبر‭ ‬الأب‭ ‬الروحي‭ ‬للحركة‭ ‬المسيانية‭ ‬‮«‬غوش‭ ‬إيمونيم‮»‬‭. ‬وبعد‭ ‬الانتصار‭ ‬الذي‭ ‬حققته‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1967‭ ‬على‭ ‬الجيوش‭ ‬العربية،‭ ‬قامت‭ ‬هذه‭ ‬الحركة‭ ‬–‭ ‬التي‭ ‬تأسست‭ ‬عام‭ ‬1974‭- ‬بتهويد‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬المحتلة‭ ‬وقطاع‭ ‬غزة‭ ‬وتكثيف‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاستيطانية‭ ‬لابتلاع‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية‭.‬

ومع‭ ‬مرور‭ ‬السنين،‭ ‬انتقلت‭ ‬هذه‭ ‬الحركة‭ ‬المتطرفة‭ ‬من‭ ‬هوامش‭ ‬النظام‭ ‬السياسي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬لتصبح‭ ‬في‭ ‬قلبه‭. ‬وطوال‭ ‬حياته،‭ ‬دافع‭ ‬كوك‭ ‬الابن‭ ‬عن‭ ‬الاستيطان‭ ‬باعتباره‭ ‬ضرورة‭ ‬دينية،‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تعجيل‭ ‬‮«‬خلاص‮»‬‭ ‬الشعب‭ ‬اليهودي‭. ‬

قد‭ ‬يكون‭ ‬صوته‭ ‬قد‭ ‬خفت‭ ‬حدته‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬نوعاً‭ ‬ما،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬وأن‭ ‬حزب‭ ‬العمل‭ ‬–الذي‭ ‬تولى‭ ‬السلطة‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬1967‭ ‬و1977‭- ‬كان‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬يميل‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬تهويد‮»‬‭ ‬المناطق‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وتحديداً‭ ‬في‭ ‬الأرياف‭ ‬الفلسطينية‭ ‬التي‭ ‬تُعدّ‭ ‬أيضاً‭ ‬الأقل‭ ‬كثافة‭ ‬سكانية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أتباع‭ ‬‮«‬كوك‮»‬‭ ‬لم‭ ‬يكتفوا‭ ‬بذلك،‭ ‬بل‭ ‬إنهم‭ ‬ظلوا‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬ترسيخ‭ ‬وجودهم‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬بالضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬وهي‭ ‬مناطق‭ ‬كان‭ ‬يقطنها‭ ‬آنذاك‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الفلسطينيين‭. ‬

ومع‭ ‬وصول‭ ‬حزب‭ ‬‮«‬الليكود‮»‬‭ ‬المتطرف‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬عام‭ ‬1977‭ ‬بقيادة‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬مناحيم‭ ‬بيغن،‭ ‬تحولت‭ ‬هذه‭ ‬المساعي‭ ‬إلى‭ ‬سياسة‭ ‬دولة‭ ‬ربطت‭ ‬بين‭ ‬مسارين‭ ‬لمشروع‭ ‬الاستيلاء‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭: ‬الأول‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬اعتبارات‭ ‬أمنية،‭ ‬والثاني‭ ‬يستمد‭ ‬دافعه‭ ‬من‭ ‬التطلعات‭ ‬الدينية‭ ‬لحركة‭ ‬‮»‬غوش‭ ‬إيمونيم‮»‬‭. ‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬الحكومة‭ ‬اليمينية‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬إسرائيل،‭ ‬برز‭ ‬‮«‬ابن‭ ‬كوك‮»‬‭ ‬كمنظّرٍ‭ ‬فكري‭ ‬لليهود‭ ‬الذين‭ ‬شرعوا‭ ‬في‭ ‬استيطان‭ ‬مساحات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬وأقاموا‭ ‬بؤراً‭ ‬استيطانية‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬مناطق‭ ‬مكتظة‭ ‬بالسكان‭ ‬الفلسطينيين‭. ‬

وكان‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الاستيطان‭ ‬العدواني‭ ‬–في‭ ‬نظرهم–‭ ‬تسريع‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬نزع‭ ‬الطابع‭ ‬العربي‮»‬‭ ‬عن‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تضييق‭ ‬الخناق‭ ‬على‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬وتقييد‭ ‬وصولهم‭ ‬إلى‭ ‬الموارد‭ ‬الأساسية،‭ ‬كالأرض‭ ‬والمياه،‭ ‬وحتى‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭. ‬

وتُنفَّذ‭ ‬هذه‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬القاسية‭ ‬بشكل‭ ‬يومي‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬تحت‭ ‬أنظار‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بمساعدته‭ ‬المباشرة،‭ ‬إذ‭ ‬يتعرض‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬لمضايقات‭ ‬مستمرة،‭ ‬تصل‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬إصابتهم‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬المستوطنين‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬قتلهم‭. ‬

وفي‭ ‬حين‭ ‬تدين‭ ‬الحكومات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المتعاقبة‭ ‬أعمال‭ ‬العنف‭ ‬رسمياً،‭ ‬وتدعي‭ ‬عدم‭ ‬علمها‭ ‬بما‭ ‬يجري‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬فإن‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬المتمركزة‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬تدعم‭ ‬المستوطنين‭ ‬المتدينين‭ ‬الذين‭ ‬يعملون‭ -‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬قادتهم‭- ‬على‭ ‬خلق‭ ‬واقع‭ ‬جديد‭: ‬واقع‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬الموسعة‮»‬‭.‬

ومن‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬هؤلاء‭ ‬المستوطنين،‭ ‬تُعد‭ ‬اعتداءاتهم‭ ‬شكلاً‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الانتقام،‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الثمن‭ ‬الواجب‭ ‬دفعه‮»‬‭ ‬من‭ ‬قِبل‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يعارضون‭ ‬المشروع‭ ‬الاستيطاني؛‭ ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الاعتداءات‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الأحيان‭ ‬هجمات‭ ‬غير‭ ‬مبررة‭ ‬تتسم‭ ‬بعنف‭ ‬شديد،‭ ‬وتستهدف‭ ‬قرى‭ ‬ومزارع‭ ‬ومركبات‭ ‬ومتاجر‭ ‬وحقولاً‭ ‬يملكها‭ ‬فلسطينيون‭. ‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬مشاركة‭ ‬حزبين‭ ‬مؤيدين‭ ‬للمستوطنين‭ ‬في‭ ‬الحكومة‭ ‬الحالية‭ ‬–‭ ‬وهما‭ ‬‮«‬عوتسما‭ ‬يهوديت‮»‬‭ (‬القوة‭ ‬اليهودية‭) ‬و«هاتسيونوت‭ ‬هاداتيت‮»‬‭ (‬الصهيونية‭ ‬الدينية‭) ‬–‭ ‬تعزز‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭. ‬وقد‭ ‬لعب‭ ‬ممثلا‭ ‬هذين‭ ‬الحزبين،‭ ‬إيتامار‭ ‬بن‭ ‬غفير‭ ‬وبتسلئيل‭ ‬سموتريتش‭ ‬–‭ ‬اللذان‭ ‬يتوليان‭ ‬حقيبتي‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬والمالية‭ ‬–‭ ‬دوراً‭ ‬حاسماً‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬من‭ ‬الهجمات‭ ‬المروعة‭ ‬ضد‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬والتي‭ ‬أسفرت‭ ‬عن‭ ‬مقتل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬منذ‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭. ‬

ويرى‭ ‬أنصار‭ ‬‮«‬دولة‭ ‬يهودا‮»‬‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬النظامٍ‭ ‬الثيوقراطي‭ (‬ديني‭) ‬أن‭ ‬يُكمل‭ ‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬عجزت‭ ‬الصهيونية‭ ‬العلمانية‭ ‬عن‭ ‬إنجازها،‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭: ‬تدمير‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬وإقامة‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬الكبرى‮»‬‭ ‬وفقاً‭ ‬لما‭ ‬تصفه‭ ‬النصوص‭ ‬الدينية؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني،‭ ‬بعبارة‭ ‬واضحة،‭ ‬ضم‭ ‬الأراضي‭ ‬المجاورة‭. ‬

صحيح‭ ‬أن‭ ‬الصهاينة‭ ‬العلمانيين‭ ‬قد‭ ‬أنجزوا‭ ‬‮«‬العمل‭ ‬القذر‮»‬‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬دولة‭ ‬إسرائيل‭ ‬–‭ ‬وهي‭ ‬عملية‭ ‬استغرقت‭ ‬عقوداً،‭ ‬بدأت‭ ‬عام‭ ‬1892‭ ‬مع‭ ‬وصول‭ ‬أوائل‭ ‬المستوطنين‭ ‬الصهاينة‭ ‬إلى‭ ‬يافا‭ ‬–‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬مهمتهم‭ ‬التاريخية‭ ‬تنتهي‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد‭. ‬أما‭ ‬اليهود‭ ‬المتدينون،‭ ‬فيعتقدون‭ ‬أن‭ ‬دورهم‭ ‬الآن‭ ‬هو‭ ‬تحويل‭ ‬أرضهم‭ ‬القديمة‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬يهودية‭ ‬حقيقية‭. ‬

فازت‭ ‬‮«‬دولة‭ ‬يهودا‮»‬‭ ‬–أي‭ ‬دولة‭ ‬المستوطنين–‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬التشريعية‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬في‭ ‬نوفمبر‭ ‬2022،‭ ‬وشكّلت‭ ‬حكومة‭ ‬ائتلافية‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬أغلبية‭ ‬ضيقة‭ ‬في‭ ‬الكنيست،‭ ‬قوامها‭ ‬أربعة‭ ‬وستون‭ ‬نائباً‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬مئة‭ ‬وعشرين‭. ‬

تمثلت‭ ‬الخطوة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬اتخذتها‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬الدولة‮»‬،‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2023،‭ ‬في‭ ‬تعديل‭ ‬النظام‭ ‬القضائي‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬ليتماشى‭ ‬مع‭ ‬أيديولوجيته‭ ‬ورؤيته،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬منح‭ ‬الحكومة‭ ‬صلاحية‭ ‬تعيين‭ ‬القضاة،‭ ‬وتقييد‭ ‬قدرة‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا‭ ‬على‭ ‬البت‭ ‬في‭ ‬دستورية‭ ‬القوانين‭ ‬التي‭ ‬يقرها‭ ‬البرلمان‭. ‬

أدى‭ ‬ذلك‭ ‬القرار‭ ‬إلى‭ ‬تصاعد‭ ‬التوترات‭ ‬بين‭ ‬المعسكرين،‭ ‬وأثار‭ ‬احتجاجاتٍ‭ ‬نظمها‭ ‬العلمانيون،‭ ‬اتسمت‭ ‬بحجمٍ‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬وتزايدت‭ ‬كثافتها‭ ‬باستمرار،‭ ‬وذلك‭ ‬حتى‭ ‬وقوع‭ ‬هجمات‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭.‬

وقد‭ ‬كشف‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬المحتدم‭ ‬عن‭ ‬عمق‭ ‬الانقسام‭ ‬بين‭ ‬الطرفين،‭ ‬إذ‭ ‬يدور‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬حول‭ ‬معركة‭ ‬وجودية‭ ‬بين‭ ‬مشاريع‭ ‬متناقضة،‭ ‬وصراعٍ‭ ‬حتى‭ ‬الموت‭ ‬حول‭ ‬الهوية‭ ‬الجوهرية‭ ‬لهذه‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تأسست‭ ‬عام‭ ‬1948‭. ‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن،‭ ‬لا‭ ‬يمنع‭ ‬الطرفين‭ ‬من‭ ‬الانفصال‭ ‬التام‭ ‬سوى‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬زوال‭ ‬إسرائيل‭. ‬لذلك‭ ‬يظل‭ ‬القاسم‭ ‬المشترك‭ ‬بينهما‭ ‬هو‭ ‬استمرار‭ ‬نظامٍ‭ ‬يُجرّد‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬من‭ ‬إنسانيتهم،‭ ‬وينكر‭ ‬عليهم‭ ‬حقوقهم‭ ‬المدنية‭ ‬والإنسانية‭ ‬الأساسية‭.‬

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬التاريخ‭ ‬بجامعة‭ ‬إكستر‭ ‬البريطانية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا