في السابع والعشرين من أكتوبر الجاري، سيتوجه الناخبون الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع لتجديد البرلمان – الكنسيت. وإلى جانب مسألة المستقبل السياسي لرئيس الوزراء المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو، يكمن الرهان الأساسي في هذه الانتخابات في تأكيد –أو عدم تأكيد- صعود «الصهيونية الدينية». ويسهم هذا التيار، الذي يدعو إلى ضم الأراضي الفلسطينية، في تعميق حالة الاستقطاب الحاد داخل المجتمع الإسرائيلي.
استغرق تنفيذ المشروع الصهيوني عقوداً قبل قيام إسرائيل. أما الوضع الراهن فهو يطرح تساؤلات حقيقية حول مستقبل هذه الدولة، على الأقل في شكلها الحالي.
إن أي انهيار محتمل لن يحدث في يوم وليلة، لكن ثمة تصدعاً جسيماً ينخر في الأسس، ألا وهو صعود ما يمكن تسميته بـ«دولة يهودا» في مقابل «دولة إسرائيل». وبعبارة أخرى، إنه البروز الحتمي لتيار يدمج بين الصهيونية الدينية واليهودية الأرثوذكسية، ويسعى أتباعه إلى إقامة دولة ثيوقراطية (دينية).
يمثل هذا الشكل من الصهيونية العنصرية القائمة على فكرة التفوق، جوهرَ هذا المشروع المتطرف الرامي إلى إقامة «إسرائيل الكبرى» التي تمتد لتشمل كامل فلسطين التاريخية.
وإذا ما أصبحت هذه القوة السياسية مهيمنة ما بعد الانتخابات القادمة، فإن أوضاع الفلسطينيين ستزداد تدهوراً، غير أن مواطني إسرائيل اليهود الراغبين في العيش ضمن دولة ليبرالية وتعددية سيتضررون هم أيضاً.
في القلب الأيديولوجي لـما نسميه «دولة يهودا» نجد المستوطنين المتدينين في الضفة الغربية، وهم في غالبيتهم من أتباع الحاخامين «كوك» – الأب والابن. وقد أسس الأب، أبراهام إسحاق كوك (1865-1935) –الذي وُلد في لاتفيا ضمن الإمبراطورية الروسية – تيار «الصهيونية الدينية».
وعند وصول أبراهام إسحاق كوك إلى فلسطين عام 1904، برز كشخصية حاخامية تتحدى وجهة النظر اليهودية الأرثوذكسية السائدة آنذاك، والتي كانت تناهض الصهيونية وتعتبر بالتالي أنه لا يمكن لليهود الملتزمين دينياً دعمها. وقد نجح كوك في استمالة جزء من المجتمع الأرثوذكسي إلى صفه.
يتمثل الإرث الرئيسي لأبراهام إسحاق كوك في إنشاء مركز الدراسات «ميركاز هراف»، الذي يُعدّ اليوم معقلاً لأكثر أشكال الصهيونية تطرفاً؛ إذ يجمع بين الأفكار المسيانية، والعنصرية الصريحة ضد الفلسطينيين، وازدراء اليهودية الإصلاحية والعلمانية.
أما الابن، تسفي يهودا كوك (1891-1982)، فيُعتبر الأب الروحي للحركة المسيانية «غوش إيمونيم». وبعد الانتصار الذي حققته إسرائيل في عام 1967 على الجيوش العربية، قامت هذه الحركة – التي تأسست عام 1974- بتهويد الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة وتكثيف الأنشطة الاستيطانية لابتلاع الأراضي الفلسطينية.
ومع مرور السنين، انتقلت هذه الحركة المتطرفة من هوامش النظام السياسي الإسرائيلي لتصبح في قلبه. وطوال حياته، دافع كوك الابن عن الاستيطان باعتباره ضرورة دينية، تهدف إلى تعجيل «خلاص» الشعب اليهودي.
قد يكون صوته قد خفت حدته بعد ذلك نوعاً ما، لا سيما وأن حزب العمل –الذي تولى السلطة بين عامي 1967 و1977- كان هو نفسه يميل نحو «تهويد» المناطق الفلسطينية، وتحديداً في الأرياف الفلسطينية التي تُعدّ أيضاً الأقل كثافة سكانية، غير أن أتباع «كوك» لم يكتفوا بذلك، بل إنهم ظلوا يسعون إلى ترسيخ وجودهم في المدن بالضفة الغربية، وهي مناطق كان يقطنها آنذاك عدد كبير من الفلسطينيين.
ومع وصول حزب «الليكود» المتطرف إلى السلطة عام 1977 بقيادة رئيس الوزراء مناحيم بيغن، تحولت هذه المساعي إلى سياسة دولة ربطت بين مسارين لمشروع الاستيلاء على الضفة الغربية: الأول يستند إلى اعتبارات أمنية، والثاني يستمد دافعه من التطلعات الدينية لحركة »غوش إيمونيم».
وفي ظل هذه الحكومة اليمينية الأولى في تاريخ إسرائيل، برز «ابن كوك» كمنظّرٍ فكري لليهود الذين شرعوا في استيطان مساحات واسعة من الضفة الغربية، وأقاموا بؤراً استيطانية في قلب مناطق مكتظة بالسكان الفلسطينيين.
وكان الهدف من هذا الاستيطان العدواني –في نظرهم– تسريع عملية «نزع الطابع العربي» عن الضفة الغربية، من خلال تضييق الخناق على الفلسطينيين وتقييد وصولهم إلى الموارد الأساسية، كالأرض والمياه، وحتى فرص العمل.
وتُنفَّذ هذه الاستراتيجية القاسية بشكل يومي حتى الآن تحت أنظار الجيش الإسرائيلي، إن لم يكن بمساعدته المباشرة، إذ يتعرض الفلسطينيون لمضايقات مستمرة، تصل أحياناً إلى حد إصابتهم على يد المستوطنين أو حتى قتلهم.
وفي حين تدين الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أعمال العنف رسمياً، وتدعي عدم علمها بما يجري على أرض الواقع، فإن القوات المسلحة الإسرائيلية المتمركزة في الضفة الغربية تدعم المستوطنين المتدينين الذين يعملون -بدلاً من قادتهم- على خلق واقع جديد: واقع «إسرائيل الموسعة».
ومن وجهة نظر هؤلاء المستوطنين، تُعد اعتداءاتهم شكلاً من أشكال الانتقام، أو «الثمن الواجب دفعه» من قِبل أولئك الذين يعارضون المشروع الاستيطاني؛ وذلك على الرغم من أن هذه الاعتداءات تكون في أغلب الأحيان هجمات غير مبررة تتسم بعنف شديد، وتستهدف قرى ومزارع ومركبات ومتاجر وحقولاً يملكها فلسطينيون.
ولا شك أن مشاركة حزبين مؤيدين للمستوطنين في الحكومة الحالية – وهما «عوتسما يهوديت» (القوة اليهودية) و«هاتسيونوت هاداتيت» (الصهيونية الدينية) – تعزز هذه السياسة. وقد لعب ممثلا هذين الحزبين، إيتامار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش – اللذان يتوليان حقيبتي الأمن القومي والمالية – دوراً حاسماً في المرحلة الراهنة من الهجمات المروعة ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من ألف شخص منذ شهر أكتوبر 2023.
ويرى أنصار «دولة يهودا» أن على النظامٍ الثيوقراطي (ديني) أن يُكمل المهمة التي عجزت الصهيونية العلمانية عن إنجازها، ألا وهي: تدمير الشعب الفلسطيني وإقامة «إسرائيل الكبرى» وفقاً لما تصفه النصوص الدينية؛ وهو ما يعني، بعبارة واضحة، ضم الأراضي المجاورة.
صحيح أن الصهاينة العلمانيين قد أنجزوا «العمل القذر» المتمثل في تأسيس دولة إسرائيل – وهي عملية استغرقت عقوداً، بدأت عام 1892 مع وصول أوائل المستوطنين الصهاينة إلى يافا – إلا أن مهمتهم التاريخية تنتهي عند هذا الحد. أما اليهود المتدينون، فيعتقدون أن دورهم الآن هو تحويل أرضهم القديمة إلى دولة يهودية حقيقية.
فازت «دولة يهودا» –أي دولة المستوطنين– في الانتخابات التشريعية التي جرت في نوفمبر 2022، وشكّلت حكومة ائتلافية تستند إلى أغلبية ضيقة في الكنيست، قوامها أربعة وستون نائباً من أصل مئة وعشرين.
تمثلت الخطوة الأولى التي اتخذتها هذه «الدولة»، في يناير 2023، في تعديل النظام القضائي في البلاد ليتماشى مع أيديولوجيته ورؤيته، وذلك من خلال منح الحكومة صلاحية تعيين القضاة، وتقييد قدرة المحكمة العليا على البت في دستورية القوانين التي يقرها البرلمان.
أدى ذلك القرار إلى تصاعد التوترات بين المعسكرين، وأثار احتجاجاتٍ نظمها العلمانيون، اتسمت بحجمٍ غير مسبوق وتزايدت كثافتها باستمرار، وذلك حتى وقوع هجمات 7 أكتوبر 2023.
وقد كشف هذا الصراع المحتدم عن عمق الانقسام بين الطرفين، إذ يدور الأمر في جوهره حول معركة وجودية بين مشاريع متناقضة، وصراعٍ حتى الموت حول الهوية الجوهرية لهذه الدولة التي تأسست عام 1948.
وفي الوقت الراهن، لا يمنع الطرفين من الانفصال التام سوى الخوف من زوال إسرائيل. لذلك يظل القاسم المشترك بينهما هو استمرار نظامٍ يُجرّد الفلسطينيين من إنسانيتهم، وينكر عليهم حقوقهم المدنية والإنسانية الأساسية.
{ أستاذ التاريخ بجامعة إكستر البريطانية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك