في أولى أمسيات الموسم الثقافي الخامس والعشرين لمركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة، حضرتُ العرض المسرحي «قطر الندى» للفنانة والكاتبة الفلسطينية رائدة طه. استحضرت فيه حكايات والدتها وعمتها، وتفاصيل من حياة عائلتها بين فلسطين وبيروت وعمّان. كانت تؤدي شخصياتها ببراعة تجعلني أنسى أن امرأة واحدة تقف أمامنا، وكان لعزف الكمان الذي شارك به الفنان البحريني عارف بوجيري أثره في تلك الأمسية.
لكن ما استوقفني لم يكن ما جرى على المسرح وحده. نظرتُ إلى الحاضرين، فرأيتُ وجوهًا أعرفها، يحمل أصحابها أفكارًا وتوجّهات متباينة، ويتبادلون السلام والأحاديث بتلقائية. شعرتُ أنني أرى في هذه القاعة صورةً أوسع لبلدي؛ فكل وجه فيها يمثّل جانبًا من البحرين، وباجتماعها يكتمل جمال المشهد. وقلتُ في نفسي: هذه البحرين التي أعشق.
جاء كلٌّ منهم بقناعاته وأفكاره، وجلسوا معًا لمشاهدة عرض مسرحي. ومع بدء رائدة طه في سرد حكاياتها، اتجهت الأنظار إلى المسرح، إلى امرأة فلسطينية تستعيد وجع الفقد، وتروي الحب والحياة اليومية. جمع الفن انتباه هؤلاء جميعًا، وأتاح لهم أن يشتركوا في تجربة واحدة رغم اختلاف رؤاهم. كانت الحكاية واحدة، أما ما أثارته في نفس كل حاضر فشأن يخصه.
وأظن أن للحكاية سرًّا في ذلك. ففي النقاش يصغي كل طرف ليجد ما يردّ به، أما الحكاية فنصغي إليها دون أن ننتظر دورنا في الكلام. نتركها تأخذنا حيث تشاء، فنضحك أو نتأثر مع من يجلس بجوارنا دون أن نعرف رأيه أو نسأل عنه. ولعل هذا ما يمنحه الفن للناس: أن يلتقوا مستمعين، قبل أن يكونوا أصحاب مواقف.
كنتُ قد كتبتُ في مقال سابق عن المركز، وعن البيوت التي أعاد إليها الحياة، وعن موسمه الجديد «أجمل التاريخ كان غدًا». واليوم أعود إليه من زاوية أخرى، هي الناس.
فالبيت القديم بعد ترميمه يستعيد حضوره، لكن حياته تتجدد بعودة الناس إليه.
ومنذ سنوات يفتح المركز أبوابه للشعراء والأدباء والعلماء والفنانين، فنشأت بينه وبين جمهوره ألفة، وصارت الوجوه أكثر قربًا، وإن بقيت المسافات الفكرية بينها على حالها. وهذا لا تصنعه أمسية ناجحة وحدها، وإنما تصنعه سنوات من العمل المتواصل.
وأتساءل أحيانًا عن عدد الأماكن التي تتيح لنا مثل هذه الفرصة. ففي حياتنا اليومية نميل إلى لقاء من نعرفهم ونتفق معهم، وقد نكوّن انطباعًا عن إنسان من رأيه قبل أن نتحدث إليه. أما في مناسبة ثقافية فنرى جانبًا آخر منه، كأن نعرف شغفه بالمعرفة، أو تأثره بحكاية تشبه تجربته. قد لا يغيّر ذلك رأينا فيما نختلف حوله، لكنه يضيف إلى معرفتنا به شيئًا لم نكن نعرفه.
وفي ذلك المشهد شيء من البحرين التي عرفناها. فقد عرفنا طويلًا الجار الذي يخالف جاره في الرأي، ثم يكون أول من يطرق بابه في فرح أو عزاء. وعاشت بيننا آراء ومواقف متباينة، إلى جانب روابط إنسانية ومحبة مشتركة لهذه الأرض. قد تتعدد الرؤى في تقدير ما تحتاج إليه البحرين، وفي الطريق الأصلح لمستقبلها، وقد تتباعد أحيانًا، ويبقى كل صاحب رؤية صادقًا في انتمائه إليها. وأعرف أشخاصًا تختلف مواقفهم، وأعرف صدق محبتهم جميعًا لهذا الوطن.
وأتمنى أن تمتد تجربة اللقاء هذه إلى مؤسساتنا ومجالسنا ومساحاتنا العامة، أماكن تجمع الناس حول اهتماماتهم الإنسانية والثقافية، فيعرف بعضهم بعضًا خارج حدود الاختلاف. وليس لازمًا أن تحمل كل مناسبة عنوانًا عن الوحدة الوطنية لتخدمها؛ أحيانًا يكفي أن يتكرر اللقاء، وأن يشعر الناس بأن المكان يتسع لهم. ولذلك يستحق القائمون على مركز الشيخ إبراهيم الإشادة، فقد حافظوا على مكان يلتقي فيه هذا التنوع من أبناء الوطن عامًا بعد عام، دون أن يكون اختلافهم سبب اجتماعهم أو موضوعه.
كلما استعدتُ تفاصيل تلك الأمسية، حضرت في ذهني رائدة طه، امرأة حملت إلينا من فلسطين ذاكرة الفقد، وصنعت منها حكايات تُضحك وتُبكي، فالتفّت حولها قاعة من الناس لا يجمعهم رأي واحد. جاء كلٌّ منهم بما يؤمن به، وخرج به كما هو، ومضى إلى حياته. لم يكن في لقائهم ما هو استثنائي، ولا كان مطلوبًا أن يكون، وربما في هذه الألفة الطبيعية تحديدًا تكمن قيمته، وكم أتمنى أن تبقى هذه الصورة مألوفة في كل مكان من البحرين.
{ قانونية وكاتبة بحرينية.
rajabnabeela@gmail.com
nabeelarajab.blogspot.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك