العدد : ١٧٧٤١ - الاثنين ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤١ - الاثنين ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

أمسية تشبه البحرين

بقلم: نبيلة رجب

الاثنين ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬أولى‭ ‬أمسيات‭ ‬الموسم‭ ‬الثقافي‭ ‬الخامس‭ ‬والعشرين‭ ‬لمركز‭ ‬الشيخ‭ ‬إبراهيم‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬حضرتُ‭ ‬العرض‭ ‬المسرحي‭ ‬‮«‬قطر‭ ‬الندى‮»‬‭ ‬للفنانة‭ ‬والكاتبة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬رائدة‭ ‬طه‭. ‬استحضرت‭ ‬فيه‭ ‬حكايات‭ ‬والدتها‭ ‬وعمتها،‭ ‬وتفاصيل‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬عائلتها‭ ‬بين‭ ‬فلسطين‭ ‬وبيروت‭ ‬وعمّان‭. ‬كانت‭ ‬تؤدي‭ ‬شخصياتها‭ ‬ببراعة‭ ‬تجعلني‭ ‬أنسى‭ ‬أن‭ ‬امرأة‭ ‬واحدة‭ ‬تقف‭ ‬أمامنا،‭ ‬وكان‭ ‬لعزف‭ ‬الكمان‭ ‬الذي‭ ‬شارك‭ ‬به‭ ‬الفنان‭ ‬البحريني‭ ‬عارف‭ ‬بوجيري‭ ‬أثره‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأمسية‭.‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬استوقفني‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ما‭ ‬جرى‭ ‬على‭ ‬المسرح‭ ‬وحده‭. ‬نظرتُ‭ ‬إلى‭ ‬الحاضرين،‭ ‬فرأيتُ‭ ‬وجوهًا‭ ‬أعرفها،‭ ‬يحمل‭ ‬أصحابها‭ ‬أفكارًا‭ ‬وتوجّهات‭ ‬متباينة،‭ ‬ويتبادلون‭ ‬السلام‭ ‬والأحاديث‭ ‬بتلقائية‭. ‬شعرتُ‭ ‬أنني‭ ‬أرى‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القاعة‭ ‬صورةً‭ ‬أوسع‭ ‬لبلدي؛‭ ‬فكل‭ ‬وجه‭ ‬فيها‭ ‬يمثّل‭ ‬جانبًا‭ ‬من‭ ‬البحرين،‭ ‬وباجتماعها‭ ‬يكتمل‭ ‬جمال‭ ‬المشهد‭. ‬وقلتُ‭ ‬في‭ ‬نفسي‭: ‬هذه‭ ‬البحرين‭ ‬التي‭ ‬أعشق‭.‬

جاء‭ ‬كلٌّ‭ ‬منهم‭ ‬بقناعاته‭ ‬وأفكاره،‭ ‬وجلسوا‭ ‬معًا‭ ‬لمشاهدة‭ ‬عرض‭ ‬مسرحي‭. ‬ومع‭ ‬بدء‭ ‬رائدة‭ ‬طه‭ ‬في‭ ‬سرد‭ ‬حكاياتها،‭ ‬اتجهت‭ ‬الأنظار‭ ‬إلى‭ ‬المسرح،‭ ‬إلى‭ ‬امرأة‭ ‬فلسطينية‭ ‬تستعيد‭ ‬وجع‭ ‬الفقد،‭ ‬وتروي‭ ‬الحب‭ ‬والحياة‭ ‬اليومية‭. ‬جمع‭ ‬الفن‭ ‬انتباه‭ ‬هؤلاء‭ ‬جميعًا،‭ ‬وأتاح‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬يشتركوا‭ ‬في‭ ‬تجربة‭ ‬واحدة‭ ‬رغم‭ ‬اختلاف‭ ‬رؤاهم‭. ‬كانت‭ ‬الحكاية‭ ‬واحدة،‭ ‬أما‭ ‬ما‭ ‬أثارته‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬كل‭ ‬حاضر‭ ‬فشأن‭ ‬يخصه‭.‬

وأظن‭ ‬أن‭ ‬للحكاية‭ ‬سرًّا‭ ‬في‭ ‬ذلك‭. ‬ففي‭ ‬النقاش‭ ‬يصغي‭ ‬كل‭ ‬طرف‭ ‬ليجد‭ ‬ما‭ ‬يردّ‭ ‬به،‭ ‬أما‭ ‬الحكاية‭ ‬فنصغي‭ ‬إليها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ننتظر‭ ‬دورنا‭ ‬في‭ ‬الكلام‭. ‬نتركها‭ ‬تأخذنا‭ ‬حيث‭ ‬تشاء،‭ ‬فنضحك‭ ‬أو‭ ‬نتأثر‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬يجلس‭ ‬بجوارنا‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬رأيه‭ ‬أو‭ ‬نسأل‭ ‬عنه‭. ‬ولعل‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يمنحه‭ ‬الفن‭ ‬للناس‭: ‬أن‭ ‬يلتقوا‭ ‬مستمعين،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكونوا‭ ‬أصحاب‭ ‬مواقف‭.‬

كنتُ‭ ‬قد‭ ‬كتبتُ‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬سابق‭ ‬عن‭ ‬المركز،‭ ‬وعن‭ ‬البيوت‭ ‬التي‭ ‬أعاد‭ ‬إليها‭ ‬الحياة،‭ ‬وعن‭ ‬موسمه‭ ‬الجديد‭ ‬‮«‬أجمل‭ ‬التاريخ‭ ‬كان‭ ‬غدًا‮»‬‭. ‬واليوم‭ ‬أعود‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬أخرى،‭ ‬هي‭ ‬الناس‭.‬

فالبيت‭ ‬القديم‭ ‬بعد‭ ‬ترميمه‭ ‬يستعيد‭ ‬حضوره،‭ ‬لكن‭ ‬حياته‭ ‬تتجدد‭ ‬بعودة‭ ‬الناس‭ ‬إليه‭.‬

ومنذ‭ ‬سنوات‭ ‬يفتح‭ ‬المركز‭ ‬أبوابه‭ ‬للشعراء‭ ‬والأدباء‭ ‬والعلماء‭ ‬والفنانين،‭ ‬فنشأت‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬جمهوره‭ ‬ألفة،‭ ‬وصارت‭ ‬الوجوه‭ ‬أكثر‭ ‬قربًا،‭ ‬وإن‭ ‬بقيت‭ ‬المسافات‭ ‬الفكرية‭ ‬بينها‭ ‬على‭ ‬حالها‭. ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬تصنعه‭ ‬أمسية‭ ‬ناجحة‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬تصنعه‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬المتواصل‭.‬

وأتساءل‭ ‬أحيانًا‭ ‬عن‭ ‬عدد‭ ‬الأماكن‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬لنا‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الفرصة‭. ‬ففي‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية‭ ‬نميل‭ ‬إلى‭ ‬لقاء‭ ‬من‭ ‬نعرفهم‭ ‬ونتفق‭ ‬معهم،‭ ‬وقد‭ ‬نكوّن‭ ‬انطباعًا‭ ‬عن‭ ‬إنسان‭ ‬من‭ ‬رأيه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نتحدث‭ ‬إليه‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬مناسبة‭ ‬ثقافية‭ ‬فنرى‭ ‬جانبًا‭ ‬آخر‭ ‬منه،‭ ‬كأن‭ ‬نعرف‭ ‬شغفه‭ ‬بالمعرفة،‭ ‬أو‭ ‬تأثره‭ ‬بحكاية‭ ‬تشبه‭ ‬تجربته‭. ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يغيّر‭ ‬ذلك‭ ‬رأينا‭ ‬فيما‭ ‬نختلف‭ ‬حوله،‭ ‬لكنه‭ ‬يضيف‭ ‬إلى‭ ‬معرفتنا‭ ‬به‭ ‬شيئًا‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نعرفه‭.‬

وفي‭ ‬ذلك‭ ‬المشهد‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬البحرين‭ ‬التي‭ ‬عرفناها‭. ‬فقد‭ ‬عرفنا‭ ‬طويلًا‭ ‬الجار‭ ‬الذي‭ ‬يخالف‭ ‬جاره‭ ‬في‭ ‬الرأي،‭ ‬ثم‭ ‬يكون‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬يطرق‭ ‬بابه‭ ‬في‭ ‬فرح‭ ‬أو‭ ‬عزاء‭. ‬وعاشت‭ ‬بيننا‭ ‬آراء‭ ‬ومواقف‭ ‬متباينة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬روابط‭ ‬إنسانية‭ ‬ومحبة‭ ‬مشتركة‭ ‬لهذه‭ ‬الأرض‭. ‬قد‭ ‬تتعدد‭ ‬الرؤى‭ ‬في‭ ‬تقدير‭ ‬ما‭ ‬تحتاج‭ ‬إليه‭ ‬البحرين،‭ ‬وفي‭ ‬الطريق‭ ‬الأصلح‭ ‬لمستقبلها،‭ ‬وقد‭ ‬تتباعد‭ ‬أحيانًا،‭ ‬ويبقى‭ ‬كل‭ ‬صاحب‭ ‬رؤية‭ ‬صادقًا‭ ‬في‭ ‬انتمائه‭ ‬إليها‭. ‬وأعرف‭ ‬أشخاصًا‭ ‬تختلف‭ ‬مواقفهم،‭ ‬وأعرف‭ ‬صدق‭ ‬محبتهم‭ ‬جميعًا‭ ‬لهذا‭ ‬الوطن‭.‬

وأتمنى‭ ‬أن‭ ‬تمتد‭ ‬تجربة‭ ‬اللقاء‭ ‬هذه‭ ‬إلى‭ ‬مؤسساتنا‭ ‬ومجالسنا‭ ‬ومساحاتنا‭ ‬العامة،‭ ‬أماكن‭ ‬تجمع‭ ‬الناس‭ ‬حول‭ ‬اهتماماتهم‭ ‬الإنسانية‭ ‬والثقافية،‭ ‬فيعرف‭ ‬بعضهم‭ ‬بعضًا‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬الاختلاف‭. ‬وليس‭ ‬لازمًا‭ ‬أن‭ ‬تحمل‭ ‬كل‭ ‬مناسبة‭ ‬عنوانًا‭ ‬عن‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬لتخدمها؛‭ ‬أحيانًا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يتكرر‭ ‬اللقاء،‭ ‬وأن‭ ‬يشعر‭ ‬الناس‭ ‬بأن‭ ‬المكان‭ ‬يتسع‭ ‬لهم‭. ‬ولذلك‭ ‬يستحق‭ ‬القائمون‭ ‬على‭ ‬مركز‭ ‬الشيخ‭ ‬إبراهيم‭ ‬الإشادة،‭ ‬فقد‭ ‬حافظوا‭ ‬على‭ ‬مكان‭ ‬يلتقي‭ ‬فيه‭ ‬هذا‭ ‬التنوع‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الوطن‭ ‬عامًا‭ ‬بعد‭ ‬عام،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬اختلافهم‭ ‬سبب‭ ‬اجتماعهم‭ ‬أو‭ ‬موضوعه‭.‬

كلما‭ ‬استعدتُ‭ ‬تفاصيل‭ ‬تلك‭ ‬الأمسية،‭ ‬حضرت‭ ‬في‭ ‬ذهني‭ ‬رائدة‭ ‬طه،‭ ‬امرأة‭ ‬حملت‭ ‬إلينا‭ ‬من‭ ‬فلسطين‭ ‬ذاكرة‭ ‬الفقد،‭ ‬وصنعت‭ ‬منها‭ ‬حكايات‭ ‬تُضحك‭ ‬وتُبكي،‭ ‬فالتفّت‭ ‬حولها‭ ‬قاعة‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬يجمعهم‭ ‬رأي‭ ‬واحد‭. ‬جاء‭ ‬كلٌّ‭ ‬منهم‭ ‬بما‭ ‬يؤمن‭ ‬به،‭ ‬وخرج‭ ‬به‭ ‬كما‭ ‬هو،‭ ‬ومضى‭ ‬إلى‭ ‬حياته‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬لقائهم‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬استثنائي،‭ ‬ولا‭ ‬كان‭ ‬مطلوبًا‭ ‬أن‭ ‬يكون،‭ ‬وربما‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الألفة‭ ‬الطبيعية‭ ‬تحديدًا‭ ‬تكمن‭ ‬قيمته،‭ ‬وكم‭ ‬أتمنى‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬مألوفة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬من‭ ‬البحرين‭.‬

 

‭ ‬{ قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية‭.‬

‭ ‬rajabnabeela@gmail‭.‬com

‭ ‬nabeelarajab‭.‬blogspot‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا