العدد : ١٧٧٤٢ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٢ - الثلاثاء ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

ماذا يعني حصول نافي بيلاي على جائزة نوبل للسلام؟

بقلم: د. حسن نافعة

الاثنين ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للسلام‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬ستّ‭ ‬جوائز‭ ‬سنوية‭ ‬تحمل‭ ‬اسم‭ ‬نوبل،‭ ‬وتغطّي‭ ‬خمسة‭ ‬مجالات‭ ‬أخرى،‭ ‬هي‭ ‬الطب‭ ‬والفيزياء‭ ‬والكيمياء‭ ‬والعلوم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والأدب‭. ‬ولأنّ‭ ‬‮«‬السلام‮»‬‭ ‬يُعدّ‭ ‬أكثر‭ ‬هذه‭ ‬المجالات‭ ‬التصاقاً‭ ‬بالأوضاع‭ ‬السياسية‭ ‬والأيديولوجية،‭ ‬فمن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يثير‭ ‬إعلان‭ ‬أسماء‭ ‬الحاصلين‭ ‬على‭ ‬‮«‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للسلام‮»‬‭ ‬كلّ‭ ‬عام‭ ‬جدلاً‭ ‬واسعاً،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الجائزة‭ ‬بالذات‭ ‬تُمنح‭ ‬لأشخاص‭ ‬أو‭ ‬مؤسّسات‭ ‬ترى‭ ‬اللجنة‭ ‬المختصّة‭ ‬أنّهم‭ ‬قدّموا‭ ‬إسهامات‭ ‬يُعتدّ‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬تسوية‭ ‬النزاعات‭ ‬والصراعات‭ ‬الدولية‭ ‬واحتوائها،‭ ‬أو‭ ‬التخفيف‭ ‬من‭ ‬حدّة‭ ‬الأضرار‭ ‬الناجمة‭ ‬عنها،‭ ‬أو‭ ‬حماية‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والدفاع‭ ‬عنها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأنظمة‭ ‬القمعية‭ ‬التي‭ ‬تنتهكها،‭ ‬أو‭ ‬ملاحقة‭ ‬مجرمي‭ ‬الحرب‭ ‬ومرتكبي‭ ‬جرائم‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬والجرائم‭ ‬ضدّ‭ ‬الإنسانية‭.‬

وجميعها‭ ‬أمور‭ ‬تتباين‭ ‬فيها‭ ‬وجهات‭ ‬النظر‭ ‬وتتعدّد‭ ‬الاجتهادات‭. ‬لذا،‭ ‬تتعرّض‭ ‬قرارات‭ ‬اللجنة‭ ‬المختصّة‭ ‬باختيار‭ ‬الفائزين‭ ‬لانتقادات‭ ‬متنوّعة‭ ‬كلّ‭ ‬عام،‭ ‬تصل‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬توجيه‭ ‬اتهامات‭ ‬حادّة،‭ ‬تدور‭ ‬في‭ ‬معظمها‭ ‬حول‭ ‬أمور‭ ‬من‭ ‬قبيل‭ ‬‮«‬تسييس‭ ‬الجائزة‮»‬‭ ‬و«ازدواجية‭ ‬المعايير‮»‬‭ ‬والانحياز‭ ‬لقيم‭ ‬الحضارة‭ ‬الغربية‭ ‬ومعاييرها،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الاتهامات‭ ‬المتكرّرة‭.‬

ففي‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬مُنحت‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للسلام‭ ‬لماريا‭ ‬كورينا‭ ‬ماتشادو،‭ ‬التي‭ ‬وُصفت‭ ‬بأنّها‭ ‬‮«‬مناضلة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الحقوق‭ ‬الديمقراطية‭ ‬والانتقال‭ ‬السلمي‭ ‬للسلطة‮»‬‭ ‬في‭ ‬فنزويلا،‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬جدلاً‭ ‬واسعاً‭ ‬بسبب‭ ‬العلاقة‭ ‬الخاصة‭ ‬التي‭ ‬تربطها‭ ‬بالرئيس‭ ‬ترامب‭. ‬وقد‭ ‬تأكّدت‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬بعدما‭ ‬أهدت‭ ‬ماتشادو‭ ‬ترامب‭ ‬ميداليتها‭ ‬في‭ ‬يناير‭ ‬2026،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنّ‭ ‬الجائزة‭ ‬نفسها‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للنقل‭ ‬أو‭ ‬التقاسم‭ ‬أو‭ ‬السحب‭.‬

وفي‭ ‬عام‭ ‬2019،‭ ‬مُنحت‭ ‬الجائزة‭ ‬لرئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإثيوبي‭ ‬آبي‭ ‬أحمد،‭ ‬‮«‬لدوره‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬المصالحة‭ ‬مع‭ ‬إريتريا‮»‬،‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬تبيّن‭ ‬أنّ‭ ‬قرار‭ ‬اللجنة‭ ‬المانحة‭ ‬بُني‭ ‬على‭ ‬توقّعات‭ ‬ثبت‭ ‬لاحقاً‭ ‬أنّها‭ ‬خاطئة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عقب‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬إقليم‭ ‬تيجراي‭ ‬عام‭ ‬2020،‭ ‬وتدهور‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬إريتريا‭ ‬وإثيوبيا‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2009،‭ ‬مُنحت‭ ‬الجائزة‭ ‬للرئيس‭ ‬أوباما‭ ‬بعد‭ ‬تسعة‭ ‬أشهر‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬دخوله‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬‮«‬تقديراً‭ ‬لجهوده‭ ‬المعلنة‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬والتعاون‭ ‬الدولي‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬الانتشار‭ ‬النووي‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬تبيّن‭ ‬لاحقاً‭ ‬أنّ‭ ‬قرار‭ ‬اللجنة‭ ‬استند‭ ‬إلى‭ ‬توقّعات‭ ‬تتعلّق‭ ‬بالتوجّه‭ ‬السياسي،‭ ‬لا‭ ‬إلى‭ ‬إنجازات‭ ‬تحقّقت‭ ‬فعلاً‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1993،‭ ‬تقاسم‭ ‬فريدريك‭ ‬دي‭ ‬كليرك‭ ‬الجائزة‭ ‬مع‭ ‬المناضل‭ ‬الكبير‭ ‬نيلسون‭ ‬مانديلا،‭ ‬رغم‭ ‬التباين‭ ‬الهائل‭ ‬بين‭ ‬الدور‭ ‬التاريخي‭ ‬للرجلين‭ ‬وموقع‭ ‬كلّ‭ ‬منهما‭ ‬من‭ ‬نظام‭ ‬الفصل‭ ‬العنصري‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1978،‭ ‬تقاسم‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬مناحيم‭ ‬بيجين‭ ‬الجائزة‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬المصري‭ ‬أنور‭ ‬السادات،‭ ‬عقب‭ ‬توقيعهما‭ ‬على‭ ‬اتفاقيتَي‭ ‬كامب‭ ‬ديفيد،‭ ‬رغم‭ ‬ماضي‭ ‬بيجين‭ ‬الإرهابي‭ ‬وموقفه‭ ‬المتعنّت‭ ‬للغاية‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬التسوية،‭ ‬الذي‭ ‬تسبّب‭ ‬في‭ ‬إهدار‭ ‬فرصة‭ ‬كبيرة‭ ‬لتحقيق‭ ‬سلام‭ ‬شامل‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬عقب‭ ‬زيارة‭ ‬السادات‭ ‬للقدس‭ ‬عام‭ ‬1977‭.‬

يتّضح‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأمثلة،‭ ‬وغيرها‭ ‬كثير،‭ ‬أنّ‭ ‬اللجنة‭ ‬المانحة‭ ‬للجائزة‭ ‬تتّخذ‭ ‬قراراتها‭ ‬لأسباب‭ ‬شديدة‭ ‬التباين،‭ ‬كالرغبة‭ ‬في‭ ‬تشجيع‭ ‬مفاوضات‭ ‬تبدو‭ ‬واعدة‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬ما،‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬سلام‭ ‬يُنهي‭ ‬الصراع‭ ‬أو‭ ‬يخفّف‭ ‬من‭ ‬حدّته،‭ ‬ثم‭ ‬يتبيّن‭ ‬لاحقاً‭ ‬أنّها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬سوى‭ ‬مناورة‭ ‬لإدارة‭ ‬الصراع‭ ‬لا‭ ‬لتسويته،‭ ‬وأنّ‭ ‬حسن‭ ‬النيّة‭ ‬المطلوب‭ ‬لم‭ ‬يتوافر‭ ‬فيها‭.‬

وقد‭ ‬يكون‭ ‬الهدف‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬قضية‭ ‬تتعلّق‭ ‬بحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والديمقراطية‭ ‬ومقاومة‭ ‬الاستبداد،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تكريم‭ ‬شخصية‭ ‬أو‭ ‬حركة‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬منظّمة‭ ‬دولية‭ ‬بعينها،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬لمانحي‭ ‬الجائزة‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬الأحداث،‭ ‬ودفعها‭ ‬في‭ ‬اتجاهات‭ ‬معيّنة‭ ‬تخدم‭ ‬قضايا‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليين‭.‬

وتبدو‭ ‬اللجنة،‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬كثيرة،‭ ‬متشدّدة‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬المرشّحين‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬الدول‭ ‬الغربية،‭ ‬ومتساهلة‭ ‬مع‭ ‬المرشّحين‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭. ‬كما‭ ‬تبدو،‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬أخرى،‭ ‬أكثر‭ ‬اهتماماً‭ ‬بقضايا‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والديمقراطية‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬أو‭ ‬مناطق‭ ‬بعينها،‭ ‬وغير‭ ‬مكترثة‭ ‬بالقضايا‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬أو‭ ‬حالات‭ ‬أخرى،‭ ‬كأوضاع‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬التي‭ ‬تحتلّها‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭. ‬وقد‭ ‬برّر‭ ‬ذلك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الاتهامات‭ ‬التي‭ ‬وُجّهت‭ ‬سابقاً‭ ‬إلى‭ ‬اللجنة‭ ‬المانحة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬تلك‭ ‬المتعلّقة‭ ‬باستخدام‭ ‬معايير‭ ‬مزدوجة‭ ‬والانحياز‭ ‬لمنظومة‭ ‬القيم‭ ‬الغربية‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬الطبيعي،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬كهذا،‭ ‬أن‭ ‬يشكّل‭ ‬قرار‭ ‬منح‭ ‬القاضية‭ ‬نافي‭ ‬بيلاي‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للسلام‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬مفاجأة‭ ‬سارّة‭ ‬لكثيرين،‭ ‬وأن‭ ‬يُعدّ‭ ‬قراراً‭ ‬شجاعاً‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أنّه‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تصرّ‭ ‬فيه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بقيادة‭ ‬ترامب،‭ ‬على‭ ‬الاستخدام‭ ‬الكثيف‭ ‬للقوّة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الانصياع‭ ‬للقانون‭.‬

للسيدة‭ ‬بيلاي‭ ‬تاريخ‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬النضال‭ ‬ضدّ‭ ‬نظام‭ ‬الفصل‭ ‬العنصري‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا،‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬أجمع‭. ‬والأهم‭ ‬أنّ‭ ‬لها‭ ‬باعاً‭ ‬طويلاً‭ ‬في‭ ‬ملاحقة‭ ‬المجرمين‭ ‬وضمان‭ ‬معاقبتهم‭ ‬وعدم‭ ‬إفلاتهم‭ ‬من‭ ‬العقاب‭. ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬بيلاي‭ ‬أول‭ ‬قاضية‭ ‬سوداء‭ ‬تُعيَّن‭ ‬في‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬أفريقيا،‭ ‬وتولّت‭ ‬رئاسة‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭ ‬الخاصة‭ ‬بجرائم‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬في‭ ‬رواندا‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬بين‭ ‬عامَي‭ ‬1999‭ ‬و2003،‭ ‬وشغلت‭ ‬منصب‭ ‬المفوّضة‭ ‬السامية‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬بين‭ ‬عامَي‭ ‬2008‭ ‬و2014‭. ‬كما‭ ‬تولّت‭ ‬رئاسة‭ ‬لجنة‭ ‬التحقيق‭ ‬الدولية‭ ‬المستقلّة‭ ‬بشأن‭ ‬الأراضي‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬التابعة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬بين‭ ‬عامَي‭ ‬2021‭ ‬و2025،‭ ‬وهي‭ ‬اللجنة‭ ‬التي‭ ‬تضمّن‭ ‬تقريرها‭ ‬أدلّة‭ ‬قاطعة‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬‮«‬إسرائيل‮»‬‭ ‬ارتكبت،‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬ترتكب،‭ ‬جرائم‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية‭ ‬ضدّ‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬التي‭ ‬تحتلّها‭. ‬ولا‭ ‬شكّ‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬الحافل‭ ‬يؤهّل‭ ‬القاضية‭ ‬نافي‭ ‬بيلاي،‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الموضوعية‭ ‬البحتة،‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للسلام‭.‬

تجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬اللجنة‭ ‬التي‭ ‬قرّرت‭ ‬منح‭ ‬القاضية‭ ‬بيلاي‭ ‬هذه‭ ‬الجائزة‭ ‬المرموقة‭ ‬كانت‭ ‬تدرك‭ ‬تماماً‭ ‬أنّ‭ ‬رئيس‭ ‬أقوى‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بالتعبير‭ ‬عن‭ ‬استهتاره‭ ‬بحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬واحتقاره‭ ‬لكلّ‭ ‬من‭ ‬يتصدّى‭ ‬للدفاع‭ ‬عنها،‭ ‬بل‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬بكثير،‭ ‬متعمّداً‭ ‬عرقلة‭ ‬العدالة‭ ‬وملاحقة‭ ‬المسؤولين‭ ‬عن‭ ‬تطبيق‭ ‬قواعد‭ ‬القانون‭ ‬الدولي،‭ ‬ومحاصرة‭ ‬المؤسّسات‭ ‬المعنية‭ ‬بالحدّ‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ ‬القوّة‭ ‬وترسيخ‭ ‬سيادة‭ ‬القانون‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬وتضييق‭ ‬الخناق‭ ‬عليها‭.‬

لقد‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬فرض‭ ‬عقوبات‭ ‬قاسية‭ ‬على‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المؤسّسات،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتّضح‭ ‬بجلاء‭ ‬من‭ ‬موقفه‭ ‬من‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭. ‬فلم‭ ‬يكتفِ‭ ‬بفرض‭ ‬عقوبات‭ ‬شخصية‭ ‬على‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬قضاتها،‭ ‬كتجميد‭ ‬أموالهم‭ ‬وممتلكاتهم‭ ‬في‭ ‬البنوك‭ ‬الأمريكية‭ ‬وحرمانهم‭ ‬من‭ ‬دخول‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بل‭ ‬حرّض‭ ‬أيضاً‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬على‭ ‬الانسحاب‭ ‬منها،‭ ‬وحذّرها‭ ‬من‭ ‬التعاون‭ ‬معها‭ ‬وتمكينها‭ ‬من‭ ‬القيام‭ ‬بوظائفها‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬إلا‭ ‬لأنّ‭ ‬المحكمة‭ ‬وافقت‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬تحقيقات‭ ‬في‭ ‬الاتهامات‭ ‬الموجّهة‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المسؤولين‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬بارتكاب‭ ‬جرائم‭ ‬حرب‭ ‬وجرائم‭ ‬ضدّ‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وأصدر‭ ‬المدّعي‭ ‬العام‭ ‬للمحكمة،‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬التحقيقات،‭ ‬مذكّرة‭ ‬توقيف‭ ‬بحقّ‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬ووزير‭ ‬دفاعه‭ ‬السابق‭ ‬يوآف‭ ‬جالانت‭. ‬ولأنّ‭ ‬كثيرين‭ ‬توقّعوا‭ ‬أن‭ ‬يسيطر‭ ‬الخوف‭ ‬على‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬ظلّ‭ ‬أجواء‭ ‬دولية‭ ‬موبوءة‭ ‬كهذه،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬يشكّل‭ ‬قرار‭ ‬منح‭ ‬القاضية‭ ‬بيلاي‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للسلام‭ ‬مفاجأة‭ ‬كبرى،‭ ‬راحت‭ ‬أصداؤها‭ ‬تتردّد‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭.‬

هذا‭ ‬القرار‭ ‬لا‭ ‬يشكّل‭ ‬تحدّياً‭ ‬صارخاً‭ ‬للرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ترامب‭ ‬وحليفه‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬نتنياهو‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يُعدّ‭ ‬صفعة‭ ‬قوية‭ ‬لكلّ‭ ‬ما‭ ‬يمثّلانه‭ ‬على‭ ‬الصعد‭ ‬السياسية‭ ‬والقانونية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬والإنسانية‭. ‬وإن‭ ‬دلّ‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬على‭ ‬شيء،‭ ‬فإنّما‭ ‬يدلّ‭ ‬على‭ ‬أنّ‭ ‬شرائح‭ ‬مؤثّرة‭ ‬من‭ ‬النخب‭ ‬العالمية‭ ‬بدأت‭ ‬تضيق‭ ‬بتصرّفات‭ ‬قادة‭ ‬من‭ ‬أمثال‭ ‬ترامب‭ ‬ونتنياهو،‭ ‬وتدرك‭ ‬مدى‭ ‬ما‭ ‬تمثّله‭ ‬هذه‭ ‬التصرّفات‭ ‬من‭ ‬خطورة‭ ‬على‭ ‬مؤسّسات‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬وما‭ ‬تنطوي‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬تهديد‭ ‬للسلم‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليين‭. ‬وبالتالي،‭ ‬فإنّ‭ ‬الاستسلام‭ ‬لها،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬قبول‭ ‬التعايش‭ ‬معها،‭ ‬لن‭ ‬يؤدّي‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬نتيجة‭ ‬واحدة،‭ ‬هي‭ ‬سيادة‭ ‬قانون‭ ‬الغاب‭ ‬واختفاء‭ ‬العدالة‭ ‬وقواعد‭ ‬القانون‭ ‬من‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينبغي‭ ‬ليس‭ ‬تجنّبه‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬تحدّيه‭ ‬والتصدّي‭ ‬له‭ ‬أيضاً‭.‬

لذا،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬المستبعد‭ ‬أن‭ ‬يبثّ‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬روحاً‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬القوى‭ ‬الحيّة‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي،‭ ‬وأن‭ ‬يشجّعها‭ ‬على‭ ‬النهوض‭ ‬وعدم‭ ‬الاستسلام‭ ‬للأمر‭ ‬الواقع‭ ‬الذي‭ ‬يسعى‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬فرضه‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الحالي‭.‬

لم‭ ‬يكن‭ ‬غريباً،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬كهذا،‭ ‬أن‭ ‬يرحّب‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬أنطونيو‭ ‬غوتيريش،‭ ‬بقرار‭ ‬منح‭ ‬بيلاي‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للسلام،‭ ‬مؤكّداً‭ ‬أنّ‭ ‬النهج‭ ‬المشرّف‭ ‬لهذه‭ ‬القاضية‭ ‬يُظهر‭ ‬الحاجة‭ ‬الماسّة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬انتصار‭ ‬قوة‭ ‬القانون‭ ‬على‭ ‬قانون‭ ‬القوة‮»‬‭. ‬أمّا‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬فقد‭ ‬وصف‭ ‬القرار‭ ‬بأنّه‭ ‬‮«‬مخزٍ‭ ‬ومحرج‭ ‬ويشكّل‭ ‬وصمة‭ ‬عار‭ ‬لا‭ ‬تُمحى‭ ‬في‭ ‬جبين‭ ‬النرويج‭ ‬وكلّ‭ ‬من‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬اتّخاذه‮»‬،‭ ‬مضيفاً‭ ‬أنّه‭ ‬‮«‬تفقد‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للسلام‭ ‬مصداقيتها‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬حفنة‭ ‬من‭ ‬أصحاب‭ ‬الأيديولوجيات‭ ‬المتطرّفة‭ ‬المعادين‭ ‬للديمقراطية،‭ ‬والذين‭ ‬هم‭ ‬في‭ ‬حقيقة‭ ‬الأمر‭ ‬أعداء‭ ‬للحضارة‮»‬‭.‬

بقي‭ ‬أن‭ ‬نشير‭ ‬هنا‭ ‬إلى‭ ‬أنّ‭ ‬حيثيات‭ ‬منح‭ ‬نافي‭ ‬بيلاي‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للسلام‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬ذكرت‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬القاضية‭ ‬الجليلة‭ ‬‮«‬كانت‭ ‬عنصراً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬ملاحقة‭ ‬مرتكبي‭ ‬جرائم‭ ‬الحرب‭ ‬والجرائم‭ ‬ضدّ‭ ‬الإنسانية‭ ‬والإبادة‭ ‬الجماعية،‭ ‬وأنّ‭ ‬عملها‭ ‬يمثّل‭ ‬مصدر‭ ‬أمل‭ ‬وإلهام‭ ‬للساعين‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬أكثر‭ ‬سلاماً‮»‬‭. ‬ولا‭ ‬شكّ‭ ‬في‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الأمل‭ ‬الملهم‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يُضفي‭ ‬على‭ ‬حصولها‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للسلام،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوقيت‭ ‬بالذات،‭ ‬أهمية‭ ‬استثنائية‭.‬

تحية‭ ‬لهذه‭ ‬القاضية‭ ‬العظيمة‭ ‬على‭ ‬كلّ‭ ‬ما‭ ‬قامت‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الإنسانية‭ ‬والعدالة‭ ‬والسلام‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وتحية‭ ‬للجنة‭ ‬نوبل‭ ‬التي‭ ‬وجّهت،‭ ‬عبر‭ ‬قرارها‭ ‬الشجاع،‭ ‬صفعة‭ ‬مدوّية،‭ ‬ليس‭ ‬إلى‭ ‬ترامب‭ ‬ونتنياهو‭ ‬وأمثالهما‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬كلّ‭ ‬من‭ ‬يعتقد‭ ‬أنّ‭ ‬بمقدور‭ ‬القوّة‭ ‬الغاشمة‭ ‬أن‭ ‬تُضفي‭ ‬أيّ‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الشرعية‭ ‬على‭ ‬الأمر‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬العدالة‭.‬

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية

‭  ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا