من غير المساس بمقام النبوة، إلا أن قصص الأنبياء كما وردت في القرآن الكريم رائعة الجمال، تحوي الكثير من المعارف والمفاهيم التي يمكن تداولها والتفكير فيها، وكذلك الاستفادة منها في تربية الإنسان في جميع مراحله العمرية وخاصة النشء، فتداول مثل هذه القصص بعيدًا عن الروايات المضللة والإسرائيليات يمكن أن يضع منهجًا للحياة ومنهجًا للتربية والتعليم، ومنهجًا لتنمية المهارات الإنسانية والمهنية والكثير من الأمور التي ربما كانت غائبة تحت ركام من الغبار.
ونحن من خلال هذه السلسلة من المقالات لا نريد أن نروي القصص، فهي مذكورة في عديد من الكتب والمرجعيات، وإنما ما نحاوله أن نعيد قراءة هذه القصص ونستخرج منها الجوانب الإنسانية والجوانب الأخلاقية والتربوية وبعض الجوانب الأخرى، ولنبدأ بالترتيب الزمني.
سيدنا آدم عليه السلام
تتناول قصة آدم عليه السلام في القرآن الكريم بوصفها نصًا تأسيسيًا في الأنثروبولوجيا القرآنية، أي في تصوّر القرآن لحقيقة الإنسان وطبيعته ومآله. وتنطلق من فرضية مفادها أن القصة لا تُروى للتأريخ، وإنما لتقديم نموذج كلّي للإنسان يتجلى فيه التكريم والاستخلاف والعلم، ويتجلى فيه الضعف والنسيان والزلل، ثم التوبة والاجتباء والهداية. لذلك سنحاول أن نرد القصة ونحللها وفق مقاصدها، ثم نستخلص الدلالات الفلسفية التي تتصل بالحرية والمسؤولية ومعنى الخطأ وجدلية الخير والشر.
المحور الأول: الكرامة الوجودية للإنسان
تبدأ القصة بإعلان تكريم سابق على أي فعل أو عمل: «فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ» (الحجر: 29). ويدل التعبير على أن الإنسان مركّب من عنصرين: طين الأرض الذي يمثل بُعده المادي، ونفخة الروح التي تمثل بُعده المتعالي. ويعكس هذا التركيب ثنائية لا تُختزل في أحدهما، فالإنسان ليس مادة خالصة كما تزعم النزعات المادية، ولا روحًا خالصة كما تزعم النزعات الزهدية المتطرفة.
وتتأكد هذه الكرامة بتعميمها على الجنس البشري: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ» (الإسراء: 70). ومن ثم فالكرامة هنا أصل ثابت لا يتوقف على اللون أو النسب أو الإنجاز، وهي بذلك تؤسس لمفهوم يقارب ما يُعرف في الفكر الحديث بالكرامة الإنسانية الجوهرية.
المحور الثاني: الاستخلاف وجدلية الحرية والمسؤولية
قال تعالى: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» (البقرة: 30). والخلافة هنا تكليف بالتصرف في الأرض وعمارتها وفق مراد المستخلِف، وليست ملكية مطلقة. وقد اختلف المفسرون في معنى الخلافة، أهي خلافة عن الله أم خلافة عن مخلوقات سابقة، لكنهم اتفقوا على أنها تتضمن معنى التكليف والمسؤولية.
وتكتسب الخلافة بُعدها الفلسفي حين تُقرن بالأمانة: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ» (الأحزاب: 72). وقد فسّر كثير من العلماء الأمانة بالتكليف، وفي كلامهم ما يشير إلى الاختيار الحر. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يطيع وأن يعصي عن إرادة، ومن هنا يستمد قيمة طاعته ويتحمل تبعة معصيته. فلولا الحرية لما كان للتكليف معنى، ولولا المسؤولية لما كانت الحرية إلا فوضى.
المحور الثالث: العلم بوصفه مناط التفضيل
«وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ» (البقرة: 31). وفي هذا المشهد ثلاث دلالات:
1. أن مناط تفضيل الإنسان في هذا الموقف هو العلم والقدرة على التسمية، أي القدرة على تحويل العالم إلى مفاهيم ورموز يمكن التفكير فيها.
2. أن الملائكة، مع طاعتها الكاملة وتسبيحها، اعترفت بحدود علمها: «لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا» (البقرة: 32)، وفي هذا تأسيس للتواضع المعرفي.
3. أن القابلية للتعلم مودَعة في الإنسان فطرةً، وأن العلم مرتبط بالتكريم، وهو ما يمهّد لموقع المعرفة في الحضارة الإسلامية.
المحور الرابع: الحاجة الفطرية إلى الاجتماع والسكن
قال تعالى: «اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ» (البقرة: 35). فلم يُترك آدم وحيدًا، بل قُرن بزوجه. وفي هذا إقرار بأن الإنسان كائن علائقي، لا يكتمل بالعزلة، وأن الأنس والسكن حاجتان أصيلتان. وتؤكد سورة الأعراف هذا المعنى في قوله: «لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا» (الأعراف: 189)، فالأسرة في التصور القرآني جزء من البناء الفطري للإنسان قبل أن تكون نظامًا اجتماعيًا.
المحور الخامس: بنية الزلل.. النسيان وضعف العزم والإغواء
يقدّم القرآن تحليلاً دقيقًا لحادثة الأكل من الشجرة، يتضح فيه عنصران:
1. الوسوسة الخارجية: «فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ» (الأعراف: 20)، ثم «هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى» (طه: 120). ويلاحظ أن الإغواء لم يخاطب الشر في الإنسان، بل خاطب أشواقه المشروعة: الخلود والملك. فالمدخل إلى الزلل غالبًا هو توظيف رغبة فطرية في غير موضعها.
2. الضعف الداخلي: «فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا» (طه: 115). فالتعبير يصف الخطأ بالنسيان وضعف العزيمة، لا بالجحود والتمرد.
وفي ضوء ذلك يمكن القول إن القرآن يرفض فكرة (الخطيئة الموروثة) التي تحمّل الإنسان وزر أبيه، ويقيم مكانها تصورًا مفاده أن الزلل احتمال قائم في بنية الإنسان، وأن المعوَّل عليه هو الاستجابة بعده.
المحور السادس: التوبة.. الفارق بين الإنسان والاستكبار
لم يُبرّر آدم وزوجه ولم يجادلا، فالفارق جوهري، فمشكلة إبليس لم تكن في المخالفة وحدها، وإنما في الاستكبار والاعتراض على الحكم وإنكار الخطأ. أما آدم فنقطة قوته أنه اعترف ورجع. ومن ثم يقرر القرآن أن معيار القيمة الأخلاقية للإنسان ليس خلوّه من الخطأ، بل طريقة تعامله معه. وقد عبّر عن هذا المعنى الحديث النبوي: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوّابون» (رواه الترمذي وابن ماجه).
وتجدر الإشارة إلى أن الاجتباء جاء بعد التوبة: «ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى»، أي أن الخطأ حين يُعالَج بالتوبة قد يصبح سببًا في ترقٍّ لا في سقوط.
المحور السابع: الهبوط.. من العقوبة إلى الرسالة
اختلفت القراءات في معنى الهبوط، فمنهم من رآه عقوبة، ومنهم من رآه تحقيقًا لغاية الاستخلاف السابقة على الأكل من الشجرة، إذ سبق الإعلان عن الخلافة في الأرض قبل الحادثة. ويرجح هذا الفهمَ أن الله قبل التوبة قبل الهبوط، وأن الهبوط اقترن بالهداية لا بالحرمان: «قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى».
وبناء عليه، فالأرض ليست منفى، وإنما هي ميدان تحقق الإنسانية: «وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ» (البقرة: 36). وفيها يتحقق معنى الابتلاء، أي اختبار الاختيار الحر، ويتحول الإنسان من كائن مُكرَّم في الجنة إلى كائن مُستخلَف يصنع قيمته بفعله. وهذا يعيدنا إلى المعادلة الأساسية: الكرامة معطاة، والمكانة مكتسبة.
الخلاصة: ما نحاول أن نؤكده أن قصة آدم عليه السلام ليست حكاية عن الماضي، وإنما هي تأسيس لتصور شامل عن الإنسان، يحدد موقعه في الكون ويفسّر تناقضاته ويرسم له مسار النجاة. فالإنسان في ضوئها كائن مكرَّم مستخلَف، عالم بالفطرة، حرّ مسؤول، معرّض للزلل لكنه قادر على الرجوع. وبذلك يقدّم القرآن بديلاً عن النظرتين المتطرفتين: النظرة المتفائلة التي تنفي ضعف الإنسان، والنظرة المتشائمة التي تحكم عليه بالفساد الأصلي.
Zkhunji@hotmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك