العدد : ١٧٧٤٠ - الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٠ - الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الجوانب الإنسانية والأخلاقية في قصص الأنبياء

بقلم: د. زكريا الخنجي

الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

من‭ ‬غير‭ ‬المساس‭ ‬بمقام‭ ‬النبوة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬قصص‭ ‬الأنبياء‭ ‬كما‭ ‬وردت‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬رائعة‭ ‬الجمال،‭ ‬تحوي‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المعارف‭ ‬والمفاهيم‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬تداولها‭ ‬والتفكير‭ ‬فيها،‭ ‬وكذلك‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬تربية‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬مراحله‭ ‬العمرية‭ ‬وخاصة‭ ‬النشء،‭ ‬فتداول‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬القصص‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الروايات‭ ‬المضللة‭ ‬والإسرائيليات‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يضع‭ ‬منهجًا‭ ‬للحياة‭ ‬ومنهجًا‭ ‬للتربية‭ ‬والتعليم،‭ ‬ومنهجًا‭ ‬لتنمية‭ ‬المهارات‭ ‬الإنسانية‭ ‬والمهنية‭ ‬والكثير‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬التي‭ ‬ربما‭ ‬كانت‭ ‬غائبة‭ ‬تحت‭ ‬ركام‭ ‬من‭ ‬الغبار‭.‬

ونحن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬السلسلة‭ ‬من‭ ‬المقالات‭ ‬لا‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نروي‭ ‬القصص،‭ ‬فهي‭ ‬مذكورة‭ ‬في‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬والمرجعيات،‭ ‬وإنما‭ ‬ما‭ ‬نحاوله‭ ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬قراءة‭ ‬هذه‭ ‬القصص‭ ‬ونستخرج‭ ‬منها‭ ‬الجوانب‭ ‬الإنسانية‭ ‬والجوانب‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والتربوية‭ ‬وبعض‭ ‬الجوانب‭ ‬الأخرى،‭ ‬ولنبدأ‭ ‬بالترتيب‭ ‬الزمني‭.‬

 

سيدنا‭ ‬آدم‭ ‬عليه‭ ‬السلام

تتناول‭ ‬قصة‭ ‬آدم‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬بوصفها‭ ‬نصًا‭ ‬تأسيسيًا‭ ‬في‭ ‬الأنثروبولوجيا‭ ‬القرآنية،‭ ‬أي‭ ‬في‭ ‬تصوّر‭ ‬القرآن‭ ‬لحقيقة‭ ‬الإنسان‭ ‬وطبيعته‭ ‬ومآله‭. ‬وتنطلق‭ ‬من‭ ‬فرضية‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬القصة‭ ‬لا‭ ‬تُروى‭ ‬للتأريخ،‭ ‬وإنما‭ ‬لتقديم‭ ‬نموذج‭ ‬كلّي‭ ‬للإنسان‭ ‬يتجلى‭ ‬فيه‭ ‬التكريم‭ ‬والاستخلاف‭ ‬والعلم،‭ ‬ويتجلى‭ ‬فيه‭ ‬الضعف‭ ‬والنسيان‭ ‬والزلل،‭ ‬ثم‭ ‬التوبة‭ ‬والاجتباء‭ ‬والهداية‭. ‬لذلك‭ ‬سنحاول‭ ‬أن‭ ‬نرد‭ ‬القصة‭ ‬ونحللها‭ ‬وفق‭ ‬مقاصدها،‭ ‬ثم‭ ‬نستخلص‭ ‬الدلالات‭ ‬الفلسفية‭ ‬التي‭ ‬تتصل‭ ‬بالحرية‭ ‬والمسؤولية‭ ‬ومعنى‭ ‬الخطأ‭ ‬وجدلية‭ ‬الخير‭ ‬والشر‭. ‬

 

المحور‭ ‬الأول‭: ‬الكرامة‭ ‬الوجودية‭ ‬للإنسان

تبدأ‭ ‬القصة‭ ‬بإعلان‭ ‬تكريم‭ ‬سابق‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬فعل‭ ‬أو‭ ‬عمل‭: ‬‮«‬فَإِذَا‭ ‬سَوَّيْتُهُ‭ ‬وَنَفَخْتُ‭ ‬فِيهِ‭ ‬مِن‭ ‬رُّوحِي‭ ‬فَقَعُوا‭ ‬لَهُ‭ ‬سَاجِدِينَ‮»‬‭ (‬الحجر‭: ‬29‭). ‬ويدل‭ ‬التعبير‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬مركّب‭ ‬من‭ ‬عنصرين‭: ‬طين‭ ‬الأرض‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬بُعده‭ ‬المادي،‭ ‬ونفخة‭ ‬الروح‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬بُعده‭ ‬المتعالي‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التركيب‭ ‬ثنائية‭ ‬لا‭ ‬تُختزل‭ ‬في‭ ‬أحدهما،‭ ‬فالإنسان‭ ‬ليس‭ ‬مادة‭ ‬خالصة‭ ‬كما‭ ‬تزعم‭ ‬النزعات‭ ‬المادية،‭ ‬ولا‭ ‬روحًا‭ ‬خالصة‭ ‬كما‭ ‬تزعم‭ ‬النزعات‭ ‬الزهدية‭ ‬المتطرفة‭.‬

وتتأكد‭ ‬هذه‭ ‬الكرامة‭ ‬بتعميمها‭ ‬على‭ ‬الجنس‭ ‬البشري‭: ‬‮«‬وَلَقَدْ‭ ‬كَرَّمْنَا‭ ‬بَنِي‭ ‬آدَمَ‮»‬‭ (‬الإسراء‭: ‬70‭). ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فالكرامة‭ ‬هنا‭ ‬أصل‭ ‬ثابت‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬اللون‭ ‬أو‭ ‬النسب‭ ‬أو‭ ‬الإنجاز،‭ ‬وهي‭ ‬بذلك‭ ‬تؤسس‭ ‬لمفهوم‭ ‬يقارب‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الحديث‭ ‬بالكرامة‭ ‬الإنسانية‭ ‬الجوهرية‭.‬

 

المحور‭ ‬الثاني‭: ‬الاستخلاف‭ ‬وجدلية‭ ‬الحرية‭ ‬والمسؤولية

قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬إِنِّي‭ ‬جَاعِلٌ‭ ‬فِي‭ ‬الْأَرْضِ‭ ‬خَلِيفَةً‮»‬‭ (‬البقرة‭: ‬30‭). ‬والخلافة‭ ‬هنا‭ ‬تكليف‭ ‬بالتصرف‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬وعمارتها‭ ‬وفق‭ ‬مراد‭ ‬المستخلِف،‭ ‬وليست‭ ‬ملكية‭ ‬مطلقة‭. ‬وقد‭ ‬اختلف‭ ‬المفسرون‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬الخلافة،‭ ‬أهي‭ ‬خلافة‭ ‬عن‭ ‬الله‭ ‬أم‭ ‬خلافة‭ ‬عن‭ ‬مخلوقات‭ ‬سابقة،‭ ‬لكنهم‭ ‬اتفقوا‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬تتضمن‭ ‬معنى‭ ‬التكليف‭ ‬والمسؤولية‭.‬

وتكتسب‭ ‬الخلافة‭ ‬بُعدها‭ ‬الفلسفي‭ ‬حين‭ ‬تُقرن‭ ‬بالأمانة‭: ‬‮«‬إِنَّا‭ ‬عَرَضْنَا‭ ‬الْأَمَانَةَ‭ ‬عَلَى‭ ‬السَّمَاوَاتِ‭ ‬وَالْأَرْضِ‭ ‬وَالْجِبَالِ‭ ‬فَأَبَيْنَ‭ ‬أَن‭ ‬يَحْمِلْنَهَا‭ ‬وَأَشْفَقْنَ‭ ‬مِنْهَا‭ ‬وَحَمَلَهَا‭ ‬الْإِنسَانُ‮»‬‭ (‬الأحزاب‭: ‬72‭). ‬وقد‭ ‬فسّر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬الأمانة‭ ‬بالتكليف،‭ ‬وفي‭ ‬كلامهم‭ ‬ما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬الاختيار‭ ‬الحر‭. ‬فالإنسان‭ ‬هو‭ ‬الكائن‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يطيع‭ ‬وأن‭ ‬يعصي‭ ‬عن‭ ‬إرادة،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يستمد‭ ‬قيمة‭ ‬طاعته‭ ‬ويتحمل‭ ‬تبعة‭ ‬معصيته‭. ‬فلولا‭ ‬الحرية‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬للتكليف‭ ‬معنى،‭ ‬ولولا‭ ‬المسؤولية‭ ‬لما‭ ‬كانت‭ ‬الحرية‭ ‬إلا‭ ‬فوضى‭.‬

 

المحور‭ ‬الثالث‭: ‬العلم‭ ‬بوصفه‭ ‬مناط‭ ‬التفضيل

‮«‬وَعَلَّمَ‭ ‬آدَمَ‭ ‬الْأَسْمَاءَ‭ ‬كُلَّهَا‭ ‬ثُمَّ‭ ‬عَرَضَهُمْ‭ ‬عَلَى‭ ‬الْمَلَائِكَةِ‮»‬‭ (‬البقرة‭: ‬31‭). ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬ثلاث‭ ‬دلالات‭:‬

1‭. ‬أن‭ ‬مناط‭ ‬تفضيل‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬هو‭ ‬العلم‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التسمية،‭ ‬أي‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬مفاهيم‭ ‬ورموز‭ ‬يمكن‭ ‬التفكير‭ ‬فيها‭.‬

2‭. ‬أن‭ ‬الملائكة،‭ ‬مع‭ ‬طاعتها‭ ‬الكاملة‭ ‬وتسبيحها،‭ ‬اعترفت‭ ‬بحدود‭ ‬علمها‭: ‬‮«‬لَا‭ ‬عِلْمَ‭ ‬لَنَا‭ ‬إِلَّا‭ ‬مَا‭ ‬عَلَّمْتَنَا‮»‬‭ (‬البقرة‭: ‬32‭)‬،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬تأسيس‭ ‬للتواضع‭ ‬المعرفي‭.‬

3‭. ‬أن‭ ‬القابلية‭ ‬للتعلم‭ ‬مودَعة‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬فطرةً،‭ ‬وأن‭ ‬العلم‭ ‬مرتبط‭ ‬بالتكريم،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمهّد‭ ‬لموقع‭ ‬المعرفة‭ ‬في‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭.‬

 

المحور‭ ‬الرابع‭: ‬الحاجة‭ ‬الفطرية‭ ‬إلى‭ ‬الاجتماع‭ ‬والسكن

قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬اسْكُنْ‭ ‬أَنتَ‭ ‬وَزَوْجُكَ‭ ‬الْجَنَّةَ‮»‬‭ (‬البقرة‭: ‬35‭). ‬فلم‭ ‬يُترك‭ ‬آدم‭ ‬وحيدًا،‭ ‬بل‭ ‬قُرن‭ ‬بزوجه‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬إقرار‭ ‬بأن‭ ‬الإنسان‭ ‬كائن‭ ‬علائقي،‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬بالعزلة،‭ ‬وأن‭ ‬الأنس‭ ‬والسكن‭ ‬حاجتان‭ ‬أصيلتان‭. ‬وتؤكد‭ ‬سورة‭ ‬الأعراف‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬في‭ ‬قوله‭: ‬‮«‬لِيَسْكُنَ‭ ‬إِلَيْهَا‮»‬‭ (‬الأعراف‭: ‬189‭)‬،‭ ‬فالأسرة‭ ‬في‭ ‬التصور‭ ‬القرآني‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬البناء‭ ‬الفطري‭ ‬للإنسان‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬نظامًا‭ ‬اجتماعيًا‭.‬

 

المحور‭ ‬الخامس‭: ‬بنية‭ ‬الزلل‭.. ‬النسيان‭ ‬وضعف‭ ‬العزم‭ ‬والإغواء

يقدّم‭ ‬القرآن‭ ‬تحليلاً‭ ‬دقيقًا‭ ‬لحادثة‭ ‬الأكل‭ ‬من‭ ‬الشجرة،‭ ‬يتضح‭ ‬فيه‭ ‬عنصران‭:‬

1‭. ‬الوسوسة‭ ‬الخارجية‭: ‬‮«‬فَوَسْوَسَ‭ ‬لَهُمَا‭ ‬الشَّيْطَانُ‮»‬‭ (‬الأعراف‭: ‬20‭)‬،‭ ‬ثم‭ ‬‮«‬هَلْ‭ ‬أَدُلُّكَ‭ ‬عَلَى‭ ‬شَجَرَةِ‭ ‬الْخُلْدِ‭ ‬وَمُلْكٍ‭ ‬لَّا‭ ‬يَبْلَى‮»‬‭ (‬طه‭: ‬120‭). ‬ويلاحظ‭ ‬أن‭ ‬الإغواء‭ ‬لم‭ ‬يخاطب‭ ‬الشر‭ ‬في‭ ‬الإنسان،‭ ‬بل‭ ‬خاطب‭ ‬أشواقه‭ ‬المشروعة‭: ‬الخلود‭ ‬والملك‭. ‬فالمدخل‭ ‬إلى‭ ‬الزلل‭ ‬غالبًا‭ ‬هو‭ ‬توظيف‭ ‬رغبة‭ ‬فطرية‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬موضعها‭.‬

2‭. ‬الضعف‭ ‬الداخلي‭: ‬‮«‬فَنَسِيَ‭ ‬وَلَمْ‭ ‬نَجِدْ‭ ‬لَهُ‭ ‬عَزْمًا‮»‬‭ (‬طه‭: ‬115‭). ‬فالتعبير‭ ‬يصف‭ ‬الخطأ‭ ‬بالنسيان‭ ‬وضعف‭ ‬العزيمة،‭ ‬لا‭ ‬بالجحود‭ ‬والتمرد‭.‬

وفي‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬القرآن‭ ‬يرفض‭ ‬فكرة‭ (‬الخطيئة‭ ‬الموروثة‭) ‬التي‭ ‬تحمّل‭ ‬الإنسان‭ ‬وزر‭ ‬أبيه،‭ ‬ويقيم‭ ‬مكانها‭ ‬تصورًا‭ ‬مفاده‭ ‬أن‭ ‬الزلل‭ ‬احتمال‭ ‬قائم‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الإنسان،‭ ‬وأن‭ ‬المعوَّل‭ ‬عليه‭ ‬هو‭ ‬الاستجابة‭ ‬بعده‭.‬

 

المحور‭ ‬السادس‭: ‬التوبة‭.. ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬والاستكبار

لم‭ ‬يُبرّر‭ ‬آدم‭ ‬وزوجه‭ ‬ولم‭ ‬يجادلا،‭ ‬فالفارق‭ ‬جوهري،‭ ‬فمشكلة‭ ‬إبليس‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬المخالفة‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬الاستكبار‭ ‬والاعتراض‭ ‬على‭ ‬الحكم‭ ‬وإنكار‭ ‬الخطأ‭. ‬أما‭ ‬آدم‭ ‬فنقطة‭ ‬قوته‭ ‬أنه‭ ‬اعترف‭ ‬ورجع‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬يقرر‭ ‬القرآن‭ ‬أن‭ ‬معيار‭ ‬القيمة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬للإنسان‭ ‬ليس‭ ‬خلوّه‭ ‬من‭ ‬الخطأ،‭ ‬بل‭ ‬طريقة‭ ‬تعامله‭ ‬معه‭. ‬وقد‭ ‬عبّر‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬الحديث‭ ‬النبوي‭: ‬‮«‬كل‭ ‬ابن‭ ‬آدم‭ ‬خطّاء،‭ ‬وخير‭ ‬الخطّائين‭ ‬التوّابون‮»‬‭ (‬رواه‭ ‬الترمذي‭ ‬وابن‭ ‬ماجه‭).‬

وتجدر‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الاجتباء‭ ‬جاء‭ ‬بعد‭ ‬التوبة‭: ‬‮«‬ثُمَّ‭ ‬اجْتَبَاهُ‭ ‬رَبُّهُ‭ ‬فَتَابَ‭ ‬عَلَيْهِ‭ ‬وَهَدَى‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الخطأ‭ ‬حين‭ ‬يُعالَج‭ ‬بالتوبة‭ ‬قد‭ ‬يصبح‭ ‬سببًا‭ ‬في‭ ‬ترقٍّ‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬سقوط‭.‬

 

المحور‭ ‬السابع‭: ‬الهبوط‭.. ‬من‭ ‬العقوبة‭ ‬إلى‭ ‬الرسالة

اختلفت‭ ‬القراءات‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬الهبوط،‭ ‬فمنهم‭ ‬من‭ ‬رآه‭ ‬عقوبة،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬رآه‭ ‬تحقيقًا‭ ‬لغاية‭ ‬الاستخلاف‭ ‬السابقة‭ ‬على‭ ‬الأكل‭ ‬من‭ ‬الشجرة،‭ ‬إذ‭ ‬سبق‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬الخلافة‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬قبل‭ ‬الحادثة‭. ‬ويرجح‭ ‬هذا‭ ‬الفهمَ‭ ‬أن‭ ‬الله‭ ‬قبل‭ ‬التوبة‭ ‬قبل‭ ‬الهبوط،‭ ‬وأن‭ ‬الهبوط‭ ‬اقترن‭ ‬بالهداية‭ ‬لا‭ ‬بالحرمان‭: ‬‮«‬قُلْنَا‭ ‬اهْبِطُوا‭ ‬مِنْهَا‭ ‬جَمِيعًا‭ ‬فَإِمَّا‭ ‬يَأْتِيَنَّكُم‭ ‬مِّنِّي‭ ‬هُدًى‮»‬‭.‬

وبناء‭ ‬عليه،‭ ‬فالأرض‭ ‬ليست‭ ‬منفى،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬ميدان‭ ‬تحقق‭ ‬الإنسانية‭: ‬‮«‬وَلَكُمْ‭ ‬فِي‭ ‬الْأَرْضِ‭ ‬مُسْتَقَرٌّ‭ ‬وَمَتَاعٌ‭ ‬إِلَى‭ ‬حِينٍ‮»‬‭ (‬البقرة‭:‬‭ ‬36‭). ‬وفيها‭ ‬يتحقق‭ ‬معنى‭ ‬الابتلاء،‭ ‬أي‭ ‬اختبار‭ ‬الاختيار‭ ‬الحر،‭ ‬ويتحول‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬كائن‭ ‬مُكرَّم‭ ‬في‭ ‬الجنة‭ ‬إلى‭ ‬كائن‭ ‬مُستخلَف‭ ‬يصنع‭ ‬قيمته‭ ‬بفعله‭. ‬وهذا‭ ‬يعيدنا‭ ‬إلى‭ ‬المعادلة‭ ‬الأساسية‭: ‬الكرامة‭ ‬معطاة،‭ ‬والمكانة‭ ‬مكتسبة‭.‬

 

الخلاصة‭: ‬ما‭ ‬نحاول‭ ‬أن‭ ‬نؤكده‭ ‬أن‭ ‬قصة‭ ‬آدم‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬ليست‭ ‬حكاية‭ ‬عن‭ ‬الماضي،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬تأسيس‭ ‬لتصور‭ ‬شامل‭ ‬عن‭ ‬الإنسان،‭ ‬يحدد‭ ‬موقعه‭ ‬في‭ ‬الكون‭ ‬ويفسّر‭ ‬تناقضاته‭ ‬ويرسم‭ ‬له‭ ‬مسار‭ ‬النجاة‭. ‬فالإنسان‭ ‬في‭ ‬ضوئها‭ ‬كائن‭ ‬مكرَّم‭ ‬مستخلَف،‭ ‬عالم‭ ‬بالفطرة،‭ ‬حرّ‭ ‬مسؤول،‭ ‬معرّض‭ ‬للزلل‭ ‬لكنه‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الرجوع‭. ‬وبذلك‭ ‬يقدّم‭ ‬القرآن‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬النظرتين‭ ‬المتطرفتين‭: ‬النظرة‭ ‬المتفائلة‭ ‬التي‭ ‬تنفي‭ ‬ضعف‭ ‬الإنسان،‭ ‬والنظرة‭ ‬المتشائمة‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬عليه‭ ‬بالفساد‭ ‬الأصلي‭.‬

 

Zkhunji@hotmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا