تعيش منطقة الشرق الأوسط عامة ومنطقتنا في الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية حالة ممتدة من «اللاحرب واللاسلم»؛ وضعٌ رمادي معلّق لا تُحسم فيه الصراعات ولا تنطفئ، وتتجاوز كلفته السياسية والامنية والاقتصادية أحياناً كلفة المواجهة العسكرية المباشرة. فلا السلاح يُلقى جانباً، ولا الحسم يبدو قريباً، فيما تُدار الصراعات بالرسائل والتهديدات بدلاً من المعارك.
ومع استمرار الترقب لاندلاع حرب إقليمية شاملة تُستنزف الموارد وتتعطل قرارات الاستثمار وتتأجل خطط التنمية، حتى بات استمرار هذا الوضع فترة أطول أمراً عسير الاحتمال من دون انهيارات شاملة من حيث اتساع نطاقها ومن حيث عمق تأثيرها.
والواقع أن إيران تحديدا وجدت في هذا الوضع الحالي استراتيجية بديلة للمواجهة، يمكن وصفها بـ«الانتظار»، لتحقق من خلالها أهدافاً عسكرية وسياسية من دون مواصلة الحرب. فإبقاء الخصوم في حالة استنفار عسكري وأمني قصوى مستمرة ومتواصلة بلا انقطاع يرفع كلفة التشغيل والجاهزية المستمرة ويُرهق المنظومات الدفاعية والكوادر البشرية معاً. ولكن في موازاة ذلك، تعمل الحرب النفسية على تآكل تماسك الجبهات الداخلية بفعل القلق المزمن، وتدفع العقول والرساميل إلى الهجرة نحو بيئات أكثر استقراراً، وهي خسائر يصعب تعويضها حتى بعد زوال التهديد.
أما اقتصادياً، فالأسواق لا تخشى الحرب بذاتها بقدر ما تخشى العجز عن التنبؤ بالمستقبل القريب والبعيد معا. ويظهر ذلك في الاستثمار الأجنبي المباشر، إذ تُجمَّد المشاريع الكبرى ويرتفع تصنيف المخاطر، فتتجه الرساميل إلى المناطق الآمنة بعيدا عن منطقة الشرق الأوسط التي تتعثر فيها الأمور بسبب هذه الحالة وما ينتج عنها من مخاوف. ويمتد الضرر إلى السياحة والطيران عبر إلغاء الحجوزات وتحويل مسارات الرحلات الدولية وارتفاع أقساط التأمين. كما أن تهديد الممرات المائية الحيوية، كمضيق هرمز وباب المندب، يرفع كلفة الشحن والتأمين البحري، فينعكس تضخماً مباشراً في أسعار السلع الأساسية. وتجد الحكومات نفسها مضطرة إلى توجيه موازناتها نحو التسلح والدفاع على حساب التعليم والصحة والبنية التحتية. والأخطر أن هذه الخسائر تراكمية وغير مرئية في الغالب؛ فالمشروع الذي لم يُطلق والمستثمر الذي لم يأتِ لا يظهران في نشرات الأخبار، لكنهما يظهران لاحقاً في معدلات البطالة وتباطؤ النمو.
غير أن هذا الجمود لا يتحرك في فراغ، بل يزداد انضغاطاً يوماً بعد يوم، ولذلك لا يمكن أن يدوم طويلاً. فاستمراره يقود إلى أحد مآلين: الأول انفجار غير متوقع أو مفاجئ لا قدر الله لا يبقي ولا يذر بسبب تصاعد التوتر وربما بسبب زيادة احتمالات «الخطأ في الحساب»، من أي جهة من الجهات، فقد يُشعل حادث محدود أو قراءة خاطئة لنوايا الخصم مواجهة شاملة لم يخطط لها أحد.
أما الثاني فيمكن أن يكون في شكل انهيار داخلي للاقتصادات في المنطقة ككل، فأغلب دول المنطقة تعاني من مشكلات اقتصادية متنوعة لا تحتمل الترقب الطويل، ويقودها ربما تراجع العملات وارتفاع التضخم إلى احتقان اجتماعي واسع لا قدر الله.
إن المنطقة تجاوزت منطق الحروب الكلاسيكية الخاطفة، ودخلت حرب استنزاف طويلة عنوانها عدم اليقين والغموض. وكسر هذه الحلقة المفرغة يمرّ بأحد طريقين: إما بتسوية إقليمية شاملة ترعاها القوى الكبرى وتوازن بين المصالح الأساسية للأطراف، وإما تفريغ شحنة التوتر عبر مواجهة محدودة تعيد رسم خطوط المواجهة وتفرض واقعاً جديداً. الطريق الأول أقل كلفة وأصعب منالا، والثاني أقل وقوعاً وأخطر عواقب. وبين الخيارين، يبقى الثمن الحقيقي للانتظار ما تخسره شعوب المنطقة من فرص تنمية مهدورة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك