العدد : ١٧٧٤٠ - الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٠ - الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

تداعيات حالة اللاحرب واللاسلم على المنطقة

بقلم: د. نبيل العسومي

الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

تعيش‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬عامة‭ ‬ومنطقتنا‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬وشبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية‭ ‬حالة‭ ‬ممتدة‭ ‬من‭ ‬‮«‬اللاحرب‭ ‬واللاسلم»؛‭ ‬وضعٌ‭ ‬رمادي‭ ‬معلّق‭ ‬لا‭ ‬تُحسم‭ ‬فيه‭ ‬الصراعات‭ ‬ولا‭ ‬تنطفئ،‭ ‬وتتجاوز‭ ‬كلفته‭ ‬السياسية‭ ‬والامنية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬أحياناً‭ ‬كلفة‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬المباشرة‭. ‬فلا‭ ‬السلاح‭ ‬يُلقى‭ ‬جانباً،‭ ‬ولا‭ ‬الحسم‭ ‬يبدو‭ ‬قريباً،‭ ‬فيما‭ ‬تُدار‭ ‬الصراعات‭ ‬بالرسائل‭ ‬والتهديدات‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬المعارك‭.‬

‭ ‬ومع‭ ‬استمرار‭ ‬الترقب‭ ‬لاندلاع‭ ‬حرب‭ ‬إقليمية‭ ‬شاملة‭ ‬تُستنزف‭ ‬الموارد‭ ‬وتتعطل‭ ‬قرارات‭ ‬الاستثمار‭ ‬وتتأجل‭ ‬خطط‭ ‬التنمية،‭ ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬فترة‭ ‬أطول‭ ‬أمراً‭ ‬عسير‭ ‬الاحتمال‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬انهيارات‭ ‬شاملة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬اتساع‭ ‬نطاقها‭ ‬ومن‭ ‬حيث‭ ‬عمق‭ ‬تأثيرها‭.‬

والواقع‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬تحديدا‭ ‬وجدت‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬الحالي‭ ‬استراتيجية‭ ‬بديلة‭ ‬للمواجهة،‭ ‬يمكن‭ ‬وصفها‭ ‬بـ«الانتظار‮»‬،‭ ‬لتحقق‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬أهدافاً‭ ‬عسكرية‭ ‬وسياسية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مواصلة‭ ‬الحرب‭. ‬فإبقاء‭ ‬الخصوم‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬استنفار‭ ‬عسكري‭ ‬وأمني‭ ‬قصوى‭ ‬مستمرة‭ ‬ومتواصلة‭ ‬بلا‭ ‬انقطاع‭ ‬يرفع‭ ‬كلفة‭ ‬التشغيل‭ ‬والجاهزية‭ ‬المستمرة‭ ‬ويُرهق‭ ‬المنظومات‭ ‬الدفاعية‭ ‬والكوادر‭ ‬البشرية‭ ‬معاً‭. ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬موازاة‭ ‬ذلك،‭ ‬تعمل‭ ‬الحرب‭ ‬النفسية‭ ‬على‭ ‬تآكل‭ ‬تماسك‭ ‬الجبهات‭ ‬الداخلية‭ ‬بفعل‭ ‬القلق‭ ‬المزمن،‭ ‬وتدفع‭ ‬العقول‭ ‬والرساميل‭ ‬إلى‭ ‬الهجرة‭ ‬نحو‭ ‬بيئات‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً،‭ ‬وهي‭ ‬خسائر‭ ‬يصعب‭ ‬تعويضها‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬زوال‭ ‬التهديد‭.‬

أما‭ ‬اقتصادياً،‭ ‬فالأسواق‭ ‬لا‭ ‬تخشى‭ ‬الحرب‭ ‬بذاتها‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تخشى‭ ‬العجز‭ ‬عن‭ ‬التنبؤ‭ ‬بالمستقبل‭ ‬القريب‭ ‬والبعيد‭ ‬معا‭. ‬ويظهر‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬المباشر،‭ ‬إذ‭ ‬تُجمَّد‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬ويرتفع‭ ‬تصنيف‭ ‬المخاطر،‭ ‬فتتجه‭ ‬الرساميل‭ ‬إلى‭ ‬المناطق‭ ‬الآمنة‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬منطقة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬التي‭ ‬تتعثر‭ ‬فيها‭ ‬الأمور‭ ‬بسبب‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬وما‭ ‬ينتج‭ ‬عنها‭ ‬من‭ ‬مخاوف‭. ‬ويمتد‭ ‬الضرر‭ ‬إلى‭ ‬السياحة‭ ‬والطيران‭ ‬عبر‭ ‬إلغاء‭ ‬الحجوزات‭ ‬وتحويل‭ ‬مسارات‭ ‬الرحلات‭ ‬الدولية‭ ‬وارتفاع‭ ‬أقساط‭ ‬التأمين‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تهديد‭ ‬الممرات‭ ‬المائية‭ ‬الحيوية،‭ ‬كمضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وباب‭ ‬المندب،‭ ‬يرفع‭ ‬كلفة‭ ‬الشحن‭ ‬والتأمين‭ ‬البحري،‭ ‬فينعكس‭ ‬تضخماً‭ ‬مباشراً‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭. ‬وتجد‭ ‬الحكومات‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرة‭ ‬إلى‭ ‬توجيه‭ ‬موازناتها‭ ‬نحو‭ ‬التسلح‭ ‬والدفاع‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬التعليم‭ ‬والصحة‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭. ‬والأخطر‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الخسائر‭ ‬تراكمية‭ ‬وغير‭ ‬مرئية‭ ‬في‭ ‬الغالب؛‭ ‬فالمشروع‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يُطلق‭ ‬والمستثمر‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يأتِ‭ ‬لا‭ ‬يظهران‭ ‬في‭ ‬نشرات‭ ‬الأخبار،‭ ‬لكنهما‭ ‬يظهران‭ ‬لاحقاً‭ ‬في‭ ‬معدلات‭ ‬البطالة‭ ‬وتباطؤ‭ ‬النمو‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الجمود‭ ‬لا‭ ‬يتحرك‭ ‬في‭ ‬فراغ،‭ ‬بل‭ ‬يزداد‭ ‬انضغاطاً‭ ‬يوماً‭ ‬بعد‭ ‬يوم،‭ ‬ولذلك‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يدوم‭ ‬طويلاً‭. ‬فاستمراره‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬مآلين‭:‬‭ ‬الأول‭ ‬انفجار‭ ‬غير‭ ‬متوقع‭ ‬أو‭ ‬مفاجئ‭ ‬لا‭ ‬قدر‭ ‬الله‭ ‬لا‭ ‬يبقي‭ ‬ولا‭ ‬يذر‭ ‬بسبب‭ ‬تصاعد‭ ‬التوتر‭ ‬وربما‭ ‬بسبب‭ ‬زيادة‭ ‬احتمالات‭ ‬‮«‬الخطأ‭ ‬في‭ ‬الحساب‮»‬،‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬جهة‭ ‬من‭ ‬الجهات،‭ ‬فقد‭ ‬يُشعل‭ ‬حادث‭ ‬محدود‭ ‬أو‭ ‬قراءة‭ ‬خاطئة‭ ‬لنوايا‭ ‬الخصم‭ ‬مواجهة‭ ‬شاملة‭ ‬لم‭ ‬يخطط‭ ‬لها‭ ‬أحد‭.‬

أما‭ ‬الثاني‭ ‬فيمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬انهيار‭ ‬داخلي‭ ‬للاقتصادات‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬ككل،‭ ‬فأغلب‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬مشكلات‭ ‬اقتصادية‭ ‬متنوعة‭ ‬لا‭ ‬تحتمل‭ ‬الترقب‭ ‬الطويل،‭ ‬ويقودها‭ ‬ربما‭ ‬تراجع‭ ‬العملات‭ ‬وارتفاع‭ ‬التضخم‭ ‬إلى‭ ‬احتقان‭ ‬اجتماعي‭ ‬واسع‭ ‬لا‭ ‬قدر‭ ‬الله‭.‬

إن‭ ‬المنطقة‭ ‬تجاوزت‭ ‬منطق‭ ‬الحروب‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬الخاطفة،‭ ‬ودخلت‭ ‬حرب‭ ‬استنزاف‭ ‬طويلة‭ ‬عنوانها‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬والغموض‭. ‬وكسر‭ ‬هذه‭ ‬الحلقة‭ ‬المفرغة‭ ‬يمرّ‭ ‬بأحد‭ ‬طريقين‭: ‬إما‭ ‬بتسوية‭ ‬إقليمية‭ ‬شاملة‭ ‬ترعاها‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬وتوازن‭ ‬بين‭ ‬المصالح‭ ‬الأساسية‭ ‬للأطراف،‭ ‬وإما‭ ‬تفريغ‭ ‬شحنة‭ ‬التوتر‭ ‬عبر‭ ‬مواجهة‭ ‬محدودة‭ ‬تعيد‭ ‬رسم‭ ‬خطوط‭ ‬المواجهة‭ ‬وتفرض‭ ‬واقعاً‭ ‬جديداً‭. ‬الطريق‭ ‬الأول‭ ‬أقل‭ ‬كلفة‭ ‬وأصعب‭ ‬منالا،‭ ‬والثاني‭ ‬أقل‭ ‬وقوعاً‭ ‬وأخطر‭ ‬عواقب‭. ‬وبين‭ ‬الخيارين،‭ ‬يبقى‭ ‬الثمن‭ ‬الحقيقي‭ ‬للانتظار‭ ‬ما‭ ‬تخسره‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬تنمية‭ ‬مهدورة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا