العدد : ١٧٧٤٠ - الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٠ - الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

حين تتحول قوة الدول إلى نفوذ ثقافي

بقلم: عبدالهادي الخلاقي

الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

القوة‭ ‬الناعمة‭ ‬أحد‭ ‬مفاهيم‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية‭ ‬والسياسية،‭ ‬وهي‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الجذب‭ ‬والتأثير‭ ‬وتوجيه‭ ‬خيارات‭ ‬الآخرين‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬استخدام‭ ‬الإكراه،‭ ‬وهي‭ ‬نتاج‭ ‬الارتباط‭ ‬الطردي‭ ‬بين‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬والقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والانتشار‭ ‬الثقافي‭ ‬والحضاري‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬فكلما‭ ‬ارتفعت‭ ‬مكانة‭ ‬الدولة‭ ‬وقوتها‭ ‬وتأثيرها‭ ‬الدولي‭ ‬ازدادت‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬الجاذبية‭ ‬الثقافية‭ ‬وتحويل‭ ‬ثقافتها‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬محلية‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬ذات‭ ‬حضور‭ ‬عالمي،‭ ‬هذا‭ ‬المنظور‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬تفرض‭ ‬ثقافتها‭ ‬بالمعنى‭ ‬الحرفي‭ ‬دائماً‭ ‬كونها‭ ‬قوية‭ ‬عسكرياً‭ ‬أو‭ ‬اقتصادياً،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تصبح‭ ‬ثقافتها‭ ‬موضع‭ ‬اهتمام‭ ‬أو‭ ‬إعجاب‭ ‬أو‭ ‬تقليد‭ ‬أو‭ ‬فضول‭ ‬ثقافي‭ ‬لدى‭ ‬شعوب‭ ‬أخرى‭.‬

ولو‭ ‬أخذنا‭ ‬مصر‭ ‬كنموذج‭ ‬بارز‭ ‬على‭ ‬الانتشار‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬لوجدنا‭ ‬أنها‭ ‬جمعت‭ ‬عوامل‭ ‬متعددة‭ ‬كالثقل‭ ‬السياسي‭ ‬والجغرافي‭ ‬وعدد‭ ‬السكان‭ ‬والإنتاج‭ ‬السينمائي‭ ‬والتلفزيوني‭ ‬الغزير‭ ‬والبث‭ ‬الإذاعي‭ ‬الذي‭ ‬وصل‭ ‬الى‭ ‬مسامع‭ ‬كل‭ ‬مواطن‭ ‬عربي،‭ ‬وكذلك‭ ‬الموسيقى‭ ‬والطرب‭ ‬والفن‭ ‬والجامعات‭ ‬وما‭ ‬تحتويه‭ ‬من‭ ‬معالم‭ ‬تاريخية‭ ‬وسياحية،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬هيأ‭ ‬الأجواء‭ ‬لانتشار‭ ‬اللهجة‭ ‬المصرية‭ ‬والأغنية‭ ‬والموسيقى‭ ‬المصرية‭ ‬والسينما‭ ‬والدراما‭ ‬المصرية‭ ‬وحفظنا‭ ‬كعرب‭ ‬أسماء‭ ‬الفنانين‭ ‬والمثقفين‭ ‬المصريين‭ ‬عن‭ ‬ظهر‭ ‬قلب،‭ ‬بل‭ ‬نعلم‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬أنماط‭ ‬الأزياء‭ ‬والعادات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المصرية‭ ‬وكثير‭ ‬منا‭ ‬كعرب‭ ‬يفهم‭ ‬اللهجة‭ ‬المصرية،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬بعضنا‭ ‬كان‭ ‬يستخدم‭ ‬المفردات‭ ‬والتعبيرات‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬اليومية،‭ ‬ولذلك‭ ‬أصبح‭ ‬فهم‭ ‬اللهجة‭ ‬المصرية‭ ‬أمراً‭ ‬شبه‭ ‬طبيعي‭ ‬في‭ ‬أجزاء‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬حتى‭ ‬لدى‭ ‬أشخاص‭ ‬لم‭ ‬يزوروا‭ ‬مصر‭.‬

اليوم‭ ‬السعودية‭ ‬تُقدم‭ ‬حالة‭ ‬مختلفة؛‭ ‬فالمشهد‭ ‬السعودي‭ ‬المعاصر‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعاً‭ ‬كون‭ ‬السعودية‭ ‬لا‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬عنصر‭ ‬ثقافي‭ ‬واحد‭ ‬وإنما‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيها‭ ‬المكانة‭ ‬الدينية‭ ‬والثقل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والنفوذ‭ ‬السياسي‭ ‬والانتشار‭ ‬الفني‭ ‬والتلفزيوني‭ ‬الواسع‭ ‬والمعارض‭ ‬الثقافية‭ ‬والجذب‭ ‬السياحي‭ ‬والرياضة‭ ‬والترفيه‭ ‬والتراث‭ ‬والثقل‭ ‬الإقليمي‭ ‬والعربي،‭ ‬ومع‭ ‬ازدياد‭ ‬انفتاح‭ ‬المملكة‭  ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬على‭ ‬العالم‭ ‬أصبح‭ ‬هناك‭ ‬اهتمام‭ ‬عالمي‭ ‬متزايد‭ ‬بالسعودية‭ ‬باعتبارها‭ ‬مكاناً‭ ‬يُراد‭ ‬اكتشافه‭ ‬ومعرفة‭ ‬خصائصه‭ ‬وما‭ ‬يحتويه‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬وحضارة‭ ‬وعادات‭ ‬وتقاليد‭...  ‬إلخ،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬دولة‭ ‬ذات‭ ‬أهمية‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬اقتصادية‭ ‬أو‭ ‬دينية‭ ‬فقط‭.‬

وهنا‭ ‬تتبلور‭ ‬ظاهرة‭ ‬مهمة‭ ‬جداً‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬انتقال‭ ‬الثقافة‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬التعريف‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬صناعة‭ ‬الفضول‭ ‬حولها،‭ ‬فالناس‭ ‬يتساءلون‭ ‬كيف‭ ‬يعيش‭ ‬مواطنو‭ ‬هذا‭ ‬البلد،‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬عقيدتهم‭ ‬وماذا‭ ‬يأكلون‭ ‬وماذا‭ ‬يرتدون‭ ‬وما‭ ‬موسيقاهم‭ ‬وفنونهم‭ ‬الشعبية،‭ ‬وماذا‭ ‬ينتجون‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬تاريخهم‭ ‬وما‭ ‬لهجاتهم‭ ‬وكيف‭ ‬تبدو‭ ‬مدنهم‭ ‬وما‭ ‬قصة‭ ‬الأماكن‭ ‬التاريخية‭ ‬والدينية‭ ‬في‭ ‬بلادهم؟‭ ‬هذه‭ ‬الأسئلة‭ ‬نفسها‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬الناعمة‭ ‬التي‭ ‬نتحدث‭ ‬عنها‭ ‬والتي‭ ‬تجعل‭ ‬ثقافة‭ ‬البلد‭ ‬تنتشر‭ ‬بين‭ ‬شعوب‭ ‬العالم‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭.‬

ويرتكز‭ ‬النموذج‭ ‬الأمريكي‭ ‬تاريخياً‭ ‬على‭ ‬سينما‭ ‬هوليوود‭ ‬والجامعات‭ ‬العريقة‭ ‬والصناعات‭ ‬وغزو‭ ‬الفضاء‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬الحديثة،‭ ‬ومن‭ ‬ضمن‭ ‬ذلك‭ ‬أيضا‭  ‬القوة‭ ‬العسكرية،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬شكل‭ ‬روافد‭ ‬الثقافة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وحوّلها‭ ‬إلى‭ ‬علامة‭ ‬شعبية‭ ‬عابرة‭ ‬للقارات‭ ‬وامتلكت‭ ‬تأثيراً‭ ‬قوياً‭ ‬يعمل‭ ‬بصورة‭ ‬غير‭ ‬مباشر،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تسعى‭ ‬الصين‭ ‬لبناء‭ ‬نموذج‭ ‬منافس‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬إرثها‭ ‬الثقافي‭ ‬التقليدي‭ ‬وتاريخها‭ ‬الممتد‭ ‬إلى‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬والمعاهد‭ ‬التعليمية‭ ‬والفلسفة‭ ‬الكونفوشيوسية‭ ‬والإنتاج‭ ‬الصناعي‭ ‬والتقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬وقوتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الكبيرة،‭ ‬كذلك‭ ‬اليابان‭ ‬كان‭ ‬لألمها‭ ‬الذي‭ ‬خلفه‭ ‬القصف‭ ‬الذري‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬مدينتي‭ ‬هيروشيما‭ ‬وناجازاكي‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬سبب‭ ‬لفضول‭ ‬الناس‭ ‬بالتعرف‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬ثم‭ ‬كيف‭ ‬استطاعت‭ ‬اليابان‭ ‬أن‭ ‬تنهض‭ ‬وتصبح‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬عالمية‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭.‬

الإمارات‭ ‬أيضاً‭ ‬مثال‭ ‬مهم‭ ‬حيث‭ ‬اتبعت‭ ‬مساراً‭ ‬مختلفاً‭ ‬نسبياً؛‭ ‬إذ‭ ‬بنت‭ ‬حضوراً‭ ‬عالمياً‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والطيران‭ ‬والسياحة‭ ‬والمعارض‭ ‬الدولية‭ ‬والمدن‭ ‬العالمية‭ ‬والإعلام‭ ‬والثقافة‭ ‬والمتاحف‭ ‬والفعاليات‭ ‬الرياضية‭ ‬والترفيهية‭ ‬وحتى‭ ‬المساعدات‭ ‬الإنسانية‭ ‬للدول‭ ‬الفقيرة،‭ ‬فأصبحت‭ ‬دبي‭ ‬وأبوظبي‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬علامتين‭ ‬عالميتين‭ ‬تتجاوزان‭ ‬حدود‭ ‬الدولة‭ ‬نفسها،‭ ‬وهنا‭ ‬نلاحظ‭ ‬أن‭ ‬المدينة‭ ‬أحياناً‭ ‬تصبح‭ ‬أداة‭ ‬للقوة‭ ‬الناعمة‭ ‬للدولة‭.‬

وهنا‭ ‬قاعدة‭ ‬أوسع‭ ‬يمكن‭ ‬استخلاصها؛‭ ‬حيث‭ ‬يُمكننا‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬القوة‭ ‬الصلبة‭ ‬ممثلة‭ ‬بالقوة‭ ‬العسكرية‭ ‬تجعل‭ ‬الآخرين‭ ‬يحسبون‭ ‬حسابك،‭ ‬بينما‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تجعلهم‭ ‬يتعاملون‭ ‬معك‭ ‬بحسابات‭ ‬لغة‭ ‬تبادل‭ ‬المصالح،‭ ‬والقوة‭ ‬الناعمة‭ ‬تجعلهم‭ ‬يرغبون‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬ثقافتك‭ ‬والاقتراب‭ ‬منها،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يصل‭ ‬الأمر‭ ‬الى‭ ‬تقليدها‭ ‬والاستدلال‭ ‬بها،‭ ‬وعندما‭ ‬تجتمع‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬الثلاثة‭ ‬يُمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬البلد‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬مؤثرة‭ ‬إلى‭ ‬نموذج‭ ‬ثقافي‭ ‬يُراقَب‭ ‬ويُلهِم‭ ‬ويُقلَّد،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬تاريخياً‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬متعددة‭ ‬كالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وفرنسا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬واليابان‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬وإيطاليا‭ ‬وغيرها،‭ ‬وإن‭ ‬اختلفت‭ ‬الوسائل‭ ‬والظروف‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬النقطة‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬الثقافة‭ ‬لا‭ ‬تنتشر‭ ‬دائماً‭ ‬مستقلة‭ ‬عن‭ ‬القوة،‭ ‬أحياناً‭ ‬تكون‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تفتح‭ ‬الباب‭ ‬الممهِّد‭ ‬لانتشار‭ ‬ثقافة‭ ‬الشعوب،‭ ‬فحين‭ ‬تصبح‭ ‬الدولة‭ ‬محط‭ ‬أنظار‭ ‬العالم‭ ‬يزداد‭ ‬حضور‭ ‬لغتها‭ ‬وملابسها‭ ‬وفنونها‭ ‬وطعامها‭ ‬وتراثها‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬العالمي‭ ‬فتتحول‭ ‬قوة‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬نفوذ‭ ‬ثقافي‭.‬

 

{‭ ‬باحث‭ ‬وكاتب‭ ‬صحفي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا