القوة الناعمة أحد مفاهيم العلاقات الدولية والسياسية، وهي القدرة على الجذب والتأثير وتوجيه خيارات الآخرين من دون استخدام الإكراه، وهي نتاج الارتباط الطردي بين القوة الاقتصادية والسياسية والقوة العسكرية من جهة، والانتشار الثقافي والحضاري من جهة أخرى، فكلما ارتفعت مكانة الدولة وقوتها وتأثيرها الدولي ازدادت قدرتها على إنتاج الجاذبية الثقافية وتحويل ثقافتها من ثقافة محلية إلى ثقافة ذات حضور عالمي، هذا المنظور لا يعني أن الدولة تفرض ثقافتها بالمعنى الحرفي دائماً كونها قوية عسكرياً أو اقتصادياً، بل قد تصبح ثقافتها موضع اهتمام أو إعجاب أو تقليد أو فضول ثقافي لدى شعوب أخرى.
ولو أخذنا مصر كنموذج بارز على الانتشار الثقافي في القرن العشرين لوجدنا أنها جمعت عوامل متعددة كالثقل السياسي والجغرافي وعدد السكان والإنتاج السينمائي والتلفزيوني الغزير والبث الإذاعي الذي وصل الى مسامع كل مواطن عربي، وكذلك الموسيقى والطرب والفن والجامعات وما تحتويه من معالم تاريخية وسياحية، كل ذلك هيأ الأجواء لانتشار اللهجة المصرية والأغنية والموسيقى المصرية والسينما والدراما المصرية وحفظنا كعرب أسماء الفنانين والمثقفين المصريين عن ظهر قلب، بل نعلم كثيرا من أنماط الأزياء والعادات الاجتماعية المصرية وكثير منا كعرب يفهم اللهجة المصرية، بل إن بعضنا كان يستخدم المفردات والتعبيرات المصرية في حياته اليومية، ولذلك أصبح فهم اللهجة المصرية أمراً شبه طبيعي في أجزاء واسعة من العالم العربي حتى لدى أشخاص لم يزوروا مصر.
اليوم السعودية تُقدم حالة مختلفة؛ فالمشهد السعودي المعاصر أكثر اتساعاً كون السعودية لا تعتمد على عنصر ثقافي واحد وإنما تتقاطع فيها المكانة الدينية والثقل الاقتصادي والنفوذ السياسي والانتشار الفني والتلفزيوني الواسع والمعارض الثقافية والجذب السياحي والرياضة والترفيه والتراث والثقل الإقليمي والعربي، ومع ازدياد انفتاح المملكة العربية السعودية على العالم أصبح هناك اهتمام عالمي متزايد بالسعودية باعتبارها مكاناً يُراد اكتشافه ومعرفة خصائصه وما يحتويه من ثقافة وحضارة وعادات وتقاليد... إلخ، وليس مجرد دولة ذات أهمية سياسية أو اقتصادية أو دينية فقط.
وهنا تتبلور ظاهرة مهمة جداً ألا وهي انتقال الثقافة من مرحلة التعريف بها إلى مرحلة صناعة الفضول حولها، فالناس يتساءلون كيف يعيش مواطنو هذا البلد، ما هي عقيدتهم وماذا يأكلون وماذا يرتدون وما موسيقاهم وفنونهم الشعبية، وماذا ينتجون وما هو تاريخهم وما لهجاتهم وكيف تبدو مدنهم وما قصة الأماكن التاريخية والدينية في بلادهم؟ هذه الأسئلة نفسها جزء من القوة الناعمة التي نتحدث عنها والتي تجعل ثقافة البلد تنتشر بين شعوب العالم مع مرور الوقت.
ويرتكز النموذج الأمريكي تاريخياً على سينما هوليوود والجامعات العريقة والصناعات وغزو الفضاء والتكنولوجيا الحديثة، ومن ضمن ذلك أيضا القوة العسكرية، كل ذلك شكل روافد الثقافة الأمريكية وحوّلها إلى علامة شعبية عابرة للقارات وامتلكت تأثيراً قوياً يعمل بصورة غير مباشر، في حين تسعى الصين لبناء نموذج منافس يرتكز على إرثها الثقافي التقليدي وتاريخها الممتد إلى آلاف السنين والمعاهد التعليمية والفلسفة الكونفوشيوسية والإنتاج الصناعي والتقدم التكنولوجي وقوتها الاقتصادية الكبيرة، كذلك اليابان كان لألمها الذي خلفه القصف الذري الأمريكي على مدينتي هيروشيما وناجازاكي في نهاية الحرب العالمية الثانية سبب لفضول الناس بالتعرف على هذا البلد ثم كيف استطاعت اليابان أن تنهض وتصبح قوة اقتصادية عالمية بعد ذلك.
الإمارات أيضاً مثال مهم حيث اتبعت مساراً مختلفاً نسبياً؛ إذ بنت حضوراً عالمياً من خلال الاقتصاد والطيران والسياحة والمعارض الدولية والمدن العالمية والإعلام والثقافة والمتاحف والفعاليات الرياضية والترفيهية وحتى المساعدات الإنسانية للدول الفقيرة، فأصبحت دبي وأبوظبي على سبيل المثال علامتين عالميتين تتجاوزان حدود الدولة نفسها، وهنا نلاحظ أن المدينة أحياناً تصبح أداة للقوة الناعمة للدولة.
وهنا قاعدة أوسع يمكن استخلاصها؛ حيث يُمكننا القول إن القوة الصلبة ممثلة بالقوة العسكرية تجعل الآخرين يحسبون حسابك، بينما القوة الاقتصادية تجعلهم يتعاملون معك بحسابات لغة تبادل المصالح، والقوة الناعمة تجعلهم يرغبون في معرفة ثقافتك والاقتراب منها، بل قد يصل الأمر الى تقليدها والاستدلال بها، وعندما تجتمع هذه العناصر الثلاثة يُمكن أن يتحول البلد من دولة مؤثرة إلى نموذج ثقافي يُراقَب ويُلهِم ويُقلَّد، وهذا ما حدث تاريخياً مع دول متعددة كالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا واليابان وكوريا الجنوبية وإيطاليا وغيرها، وإن اختلفت الوسائل والظروف.
إن النقطة الأكثر أهمية في هذا السياق هي أن الثقافة لا تنتشر دائماً مستقلة عن القوة، أحياناً تكون القوة الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية هي التي تفتح الباب الممهِّد لانتشار ثقافة الشعوب، فحين تصبح الدولة محط أنظار العالم يزداد حضور لغتها وملابسها وفنونها وطعامها وتراثها في الوعي العالمي فتتحول قوة الدول إلى نفوذ ثقافي.
{ باحث وكاتب صحفي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك