من منا لم ير تفاحة أو ثمرة تسقط من شجرة؟ ومن منا لم ير غطاء الحلة يغلي فيها الماء ويرتفع الغطاء بقوة البخار وينزل، ومن منا لم يشهد الماء وهو يسيل زائدا عن الحاجة حين يأخذ الإنسان حماما من الماء.
كلنا رأى ذلك وشاهده ببصره، والناس أمام هذه الظواهر اثنان لا ثالث لهما؛ الأول يمر على الظاهرة ولا تستوقفه والآخر يقف ليتدبر مآلها، فيصنع من المقدمات نتائج، ومن النظريات حقائق علمية ترفه حياته وتنميها، بل قد تضيف لبنة في حضارته المعاصرة، والسؤال الذي يلح علينا هو من منا استقى من هذه المقدمات نتائج صاغها في قوانين تيسر له حياته، وتنمي مداركه؟
هذا هو الفرق الواضح والبين، من هنا ندرك الحكمة البالغة وراء توجيهات القرآن في الحرص على تدبر آيات القرآن الكريم، وهذا ما دعانا إليه القرآن وألح عليه في قوله تعالى في سورة القمر: «ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر» القمر: 17.
وفي هذه السورة الجليلة أمثلة عليها إذ تكرر ورودها في السورة أربع مرات للدلالة على أهميتها ورفع الحرج عن المسلمين حين يتدبرون وسائلها وغاياتها.
إذا فالحق سبحانه وتعالى أراد بهذا التكرار تبيان أهمية البحث العلمي، والتدبر في آيات الله تعالى وسوره لأن الله تعالى أكد لنا الغاية من جعل القرآن فوق أنه معجزة تدل على صدق الرسول (صلى الله عليه وسلم ) في البلاغ عن ربه سبحانه وتعالى، فإن فيه أيضا إشارات علمية تفضي إلى عوالم رحبة من الارتقاء، يقول تعالى: «كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب» سورة ص: 29.
ويقول تعالى: «وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد» الصف: 42.
ويستفاد من هذه الجملة: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. أي في الزمن المعاصر والزمن الذي لم يأت أوانه بعد، أو تدل العبارة على شيء قريب منه ومن الضمانات التي أرادوها من الإسلام وقد حصلوا عليها وذلك في قوله تعالى «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا» الإسراء: 88 .
ولئن.. هي أداة تفيد القصر والحصر حاضرا ومستقبلا ومن يتحدى بهذا الأسلوب قادر على إنفاذ ما وعد وما توعد، والمسلمون على ثقة تامة بما لديهم من مصادر المعرفة التي علمها الله تعالى للمسلمين، ويوضح القرآن مسألة التكريم، وكان لا بد للمفاضلة بين آدم (عليه السلام) بيان استحقاق آدم هذه المنزلة.
قال تعالى: «وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين» البقرة: 34. لقد بذل الشيطان جهودا جبارة ليصل إلى المنزلة التي لم تصل إليها الملائكة.. وهي تحدد الغاية التي اختاره الله تعالى ليكون خليفة في الأرض.
ونعود للتذكير بما بدأنا به هذا المقال، أن عصر البخار الذي صعد بالبشرية في سلم التطور بدأ بصناعة القطار البخاري الذي اخترعه ريتشارد ترنك لربط المدن ونقل البضائع والركاب، وقانون الجاذبية الذي اكتشفه إسحاق نيوتن، وهو عالم انجليزي يعد من أبرز العلماء مساهمة في علم الفيزياء (ويكيبيديا).
أما قانون الطفو الذي اكتشفه أرخميدس، وهو عالم فيزياء يشير الى أن الجسم المغمور كليا أو جزئيا في سائل يتعرض لقوة دفع للأعلى تساوي وزن السائل بوزن الجسم (ويكيبيديا).
وعصر البخار هو فترة زمنية في التاريخ البشري ظهرت خلال الثورة الصناعية وتميزت بالاعتماد على المحرك البخاري وانتشار المصانع الكبرى (ويكيبيديا .
إذن، فللحضارات مقدمات ونتائج، وأن على الإنسان الذي اختاره الله تعالى ليكون خليفة من دون باقي المخلوقات العمل ليكونوا في خدمته، يقول تعالى: «وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون» البقرة: 30.
إذا، ففي ضوء المقدمات والنتائج التي هي موضع العظة والاعتبار نشأت الحضارة وعلا شأنها، وسيستمر هذا الصراع الحضاري بين الحضارات بحسب ما تحمله كل حضارة من قيم راسخة وقدرة على الإنشاء والإبداع.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك