العدد : ١٧٧٤٠ - الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٠ - الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الحضارات.. مقدمات ونتائج!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

من‭ ‬منا‭ ‬لم‭ ‬ير‭ ‬تفاحة‭ ‬أو‭ ‬ثمرة‭ ‬تسقط‭ ‬من‭ ‬شجرة؟‭ ‬ومن‭ ‬منا‭ ‬لم‭ ‬ير‭ ‬غطاء‭ ‬الحلة‭ ‬يغلي‭ ‬فيها‭ ‬الماء‭ ‬ويرتفع‭ ‬الغطاء‭ ‬بقوة‭ ‬البخار‭ ‬وينزل،‭ ‬ومن‭ ‬منا‭ ‬لم‭ ‬يشهد‭ ‬الماء‭ ‬وهو‭ ‬يسيل‭ ‬زائدا‭ ‬عن‭ ‬الحاجة‭ ‬حين‭ ‬يأخذ‭ ‬الإنسان‭ ‬حماما‭ ‬من‭ ‬الماء‭. ‬

‭ ‬كلنا‭ ‬رأى‭ ‬ذلك‭ ‬وشاهده‭ ‬ببصره،‭ ‬والناس‭ ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬الظواهر‭ ‬اثنان‭ ‬لا‭ ‬ثالث‭ ‬لهما؛‭ ‬الأول‭ ‬يمر‭ ‬على‭ ‬الظاهرة‭ ‬ولا‭ ‬تستوقفه‭ ‬والآخر‭ ‬يقف‭ ‬ليتدبر‭ ‬مآلها،‭ ‬فيصنع‭ ‬من‭ ‬المقدمات‭ ‬نتائج،‭ ‬ومن‭ ‬النظريات‭ ‬حقائق‭ ‬علمية‭ ‬ترفه‭ ‬حياته‭ ‬وتنميها،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تضيف‭ ‬لبنة‭ ‬في‭ ‬حضارته‭ ‬المعاصرة،‭ ‬والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬يلح‭ ‬علينا‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬منا‭ ‬استقى‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المقدمات‭ ‬نتائج‭ ‬صاغها‭ ‬في‭ ‬قوانين‭ ‬تيسر‭ ‬له‭ ‬حياته،‭ ‬وتنمي‭ ‬مداركه؟‭ ‬

هذا‭ ‬هو‭ ‬الفرق‭ ‬الواضح‭ ‬والبين،‭ ‬من‭ ‬هنا‭ ‬ندرك‭ ‬الحكمة‭ ‬البالغة‭ ‬وراء‭ ‬توجيهات‭ ‬القرآن‭ ‬في‭ ‬الحرص‭ ‬على‭ ‬تدبر‭ ‬آيات‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬دعانا‭ ‬إليه‭ ‬القرآن‭ ‬وألح‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭ ‬في‭ ‬سورة‭ ‬القمر‭: ‬‮«‬ولقد‭ ‬يسرنا‭ ‬القرآن‭ ‬للذكر‭ ‬فهل‭ ‬من‭ ‬مدكر‮»‬‭ ‬القمر‭: ‬17‭. ‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬السورة‭ ‬الجليلة‭ ‬أمثلة‭ ‬عليها‭ ‬إذ‭ ‬تكرر‭ ‬ورودها‭ ‬في‭ ‬السورة‭ ‬أربع‭ ‬مرات‭ ‬للدلالة‭ ‬على‭ ‬أهميتها‭ ‬ورفع‭ ‬الحرج‭ ‬عن‭ ‬المسلمين‭ ‬حين‭ ‬يتدبرون‭ ‬وسائلها‭ ‬وغاياتها‭.‬

إذا‭ ‬فالحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬أراد‭ ‬بهذا‭ ‬التكرار‭ ‬تبيان‭ ‬أهمية‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬والتدبر‭ ‬في‭ ‬آيات‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬وسوره‭ ‬لأن‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬أكد‭ ‬لنا‭ ‬الغاية‭ ‬من‭ ‬جعل‭ ‬القرآن‭ ‬فوق‭ ‬أنه‭ ‬معجزة‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬صدق‭ ‬الرسول‭ (‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ) ‬في‭ ‬البلاغ‭ ‬عن‭ ‬ربه‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى،‭ ‬فإن‭ ‬فيه‭ ‬أيضا‭ ‬إشارات‭ ‬علمية‭ ‬تفضي‭ ‬إلى‭ ‬عوالم‭ ‬رحبة‭ ‬من‭ ‬الارتقاء،‭ ‬يقول‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬كتاب‭ ‬أنزلناه‭ ‬إليك‭ ‬مبارك‭ ‬ليدبروا‭ ‬آياته‭ ‬وليتذكر‭ ‬أولو‭ ‬الألباب‮»‬‭ ‬سورة‭ ‬ص‭: ‬29‭. ‬

ويقول‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬وإنه‭ ‬لكتاب‭ ‬عزيز‭ ‬لا‭ ‬يأتيه‭ ‬الباطل‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬يديه‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬خلفه‭ ‬تنزيل‭ ‬من‭ ‬حكيم‭ ‬حميد‮»‬‭ ‬الصف‭: ‬42‭. ‬

ويستفاد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الجملة‭: ‬لا‭ ‬يأتيه‭ ‬الباطل‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬يديه‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬خلفه‭.. ‬أي‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬المعاصر‭ ‬والزمن‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬أوانه‭ ‬بعد،‭ ‬أو‭ ‬تدل‭ ‬العبارة‭ ‬على‭ ‬شيء‭ ‬قريب‭ ‬منه‭ ‬ومن‭ ‬الضمانات‭ ‬التي‭ ‬أرادوها‭ ‬من‭ ‬الإسلام‭ ‬وقد‭ ‬حصلوا‭ ‬عليها‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭ ‬‮«‬قل‭ ‬لئن‭ ‬اجتمعت‭ ‬الإنس‭ ‬والجن‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يأتوا‭ ‬بمثل‭ ‬هذا‭ ‬القرآن‭ ‬لا‭ ‬يأتون‭ ‬بمثله‭ ‬ولو‭ ‬كان‭ ‬بعضهم‭ ‬لبعض‭ ‬ظهيرا‮»‬‭ ‬الإسراء‭: ‬88‭ .‬

ولئن‭.. ‬هي‭ ‬أداة‭ ‬تفيد‭ ‬القصر‭ ‬والحصر‭ ‬حاضرا‭ ‬ومستقبلا‭ ‬ومن‭ ‬يتحدى‭ ‬بهذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬إنفاذ‭ ‬ما‭ ‬وعد‭ ‬وما‭ ‬توعد،‭ ‬والمسلمون‭ ‬على‭ ‬ثقة‭ ‬تامة‭ ‬بما‭ ‬لديهم‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬المعرفة‭ ‬التي‭ ‬علمها‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬للمسلمين،‭ ‬ويوضح‭ ‬القرآن‭ ‬مسألة‭ ‬التكريم،‭ ‬وكان‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬للمفاضلة‭ ‬بين‭ ‬آدم‭ (‬عليه‭ ‬السلام‭) ‬بيان‭ ‬استحقاق‭ ‬آدم‭ ‬هذه‭ ‬المنزلة‭.‬

‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬وإذ‭ ‬قلنا‭ ‬للملائكة‭ ‬اسجدوا‭ ‬لآدم‭ ‬فسجدوا‭ ‬إلا‭ ‬إبليس‭ ‬أبى‭ ‬واستكبر‭ ‬وكان‭ ‬من‭ ‬الكافرين‮»‬‭ ‬البقرة‭: ‬34‭. ‬لقد‭ ‬بذل‭ ‬الشيطان‭ ‬جهودا‭ ‬جبارة‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬المنزلة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تصل‭ ‬إليها‭ ‬الملائكة‭.. ‬وهي‭ ‬تحدد‭ ‬الغاية‭ ‬التي‭ ‬اختاره‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬ليكون‭ ‬خليفة‭ ‬في‭ ‬الأرض‭. ‬

‭ ‬ونعود‭ ‬للتذكير‭ ‬بما‭ ‬بدأنا‭ ‬به‭ ‬هذا‭ ‬المقال،‭ ‬أن‭ ‬عصر‭ ‬البخار‭ ‬الذي‭ ‬صعد‭ ‬بالبشرية‭ ‬في‭ ‬سلم‭ ‬التطور‭ ‬بدأ‭ ‬بصناعة‭ ‬القطار‭ ‬البخاري‭ ‬الذي‭ ‬اخترعه‭ ‬ريتشارد‭ ‬ترنك‭ ‬لربط‭ ‬المدن‭ ‬ونقل‭ ‬البضائع‭ ‬والركاب،‭ ‬وقانون‭ ‬الجاذبية‭ ‬الذي‭ ‬اكتشفه‭ ‬إسحاق‭ ‬نيوتن،‭ ‬وهو‭ ‬عالم‭ ‬انجليزي‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬العلماء‭ ‬مساهمة‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الفيزياء‭ (‬ويكيبيديا‭).‬

أما‭ ‬قانون‭ ‬الطفو‭ ‬الذي‭ ‬اكتشفه‭ ‬أرخميدس،‭ ‬وهو‭ ‬عالم‭ ‬فيزياء‭ ‬يشير‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬الجسم‭ ‬المغمور‭ ‬كليا‭ ‬أو‭ ‬جزئيا‭ ‬في‭ ‬سائل‭ ‬يتعرض‭ ‬لقوة‭ ‬دفع‭ ‬للأعلى‭ ‬تساوي‭ ‬وزن‭ ‬السائل‭ ‬بوزن‭ ‬الجسم‭ (‬ويكيبيديا‭).‬

وعصر‭ ‬البخار‭ ‬هو‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬البشري‭ ‬ظهرت‭ ‬خلال‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬وتميزت‭ ‬بالاعتماد‭ ‬على‭ ‬المحرك‭ ‬البخاري‭ ‬وانتشار‭ ‬المصانع‭ ‬الكبرى‭ (‬ويكيبيديا‭ .‬

إذن،‭ ‬فللحضارات‭ ‬مقدمات‭ ‬ونتائج،‭ ‬وأن‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬اختاره‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬ليكون‭ ‬خليفة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬باقي‭ ‬المخلوقات‭ ‬العمل‭ ‬ليكونوا‭ ‬في‭ ‬خدمته،‭ ‬يقول‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬وإذ‭ ‬قال‭ ‬ربك‭ ‬للملائكة‭ ‬إني‭ ‬جاعل‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬خليفة‭ ‬قالوا‭ ‬أتجعل‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬يفسد‭ ‬فيها‭ ‬ويسفك‭ ‬الدماء‭ ‬ونحن‭ ‬نسبح‭ ‬بحمدك‭ ‬ونقدس‭ ‬لك‭ ‬قال‭ ‬إني‭ ‬أعلم‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تعلمون‮»‬‭ ‬البقرة‭: ‬30‭.  ‬

إذا،‭ ‬ففي‭ ‬ضوء‭ ‬المقدمات‭ ‬والنتائج‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬موضع‭ ‬العظة‭ ‬والاعتبار‭ ‬نشأت‭ ‬الحضارة‭ ‬وعلا‭ ‬شأنها،‭ ‬وسيستمر‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬الحضاري‭ ‬بين‭ ‬الحضارات‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬كل‭ ‬حضارة‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬راسخة‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬الإنشاء‭ ‬والإبداع‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا