يمرّ بنا عنوان صحفي منشور في صفحات الجرائد على شاكلة «العالم يقترب من الإفلاس المائي!» مرورًا باهتًا عابرًا؛ فلا يستوقفنا، ولا يدق أجراس الإنذار في وعينا، ولا يوقظ في عقولنا سؤال المصير!
ويكمن تفسير هذا البرود، ببساطة، في وفرة الماء الآمن المتدفق بين أيدينا؛ فالماء متاح، وخصوصًا لنا نحن أبناء دول الخليج العربي؛ فقد اعتدنا النعم وكأنها من المسلّمات، من دون التفكير في كوابيس الشح والفقد والجفاف التي قد تلوح في الأفق.
نعيش حالة طمأنينة توحي بأن الماء ليس من الأشياء التي يمكن أن نفقدها، بينما تقرع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية طبول الخطر، مؤكدةً أن منابع الأرض تتجه نحو الندرة، وأن ملامح الواقع المائي تتبدل ببطء، وكأنها تقول إن مستقبلًا مغبرًا يهدد سلامة البيئة والاقتصاد والاستدامة والبشر.
ولهذا ربما مرّ العنوان من أمامنا من دون أن يترك أثرًا يوازي خطورته؛ فعبارة «الإفلاس المائي» تبدو بعيدة عن حياتنا اليومية، وكأنها تتحدث عن عالم آخر، وعن مجتمعات أخرى تكافح من أجل قطرة ماء نظيفة ولا تجدها. لكن الحقيقة أن الوضع المائي الذي عرفناه يتغير بسرعة لافتة من حولنا، ومن الوارد جدًا ألّا يدوم ما حسبناه دائمًا حقًا مكتسبًا؛ وعندها فقط قد نفهم أن الإفلاس المائي لا يعني أن تجف الصنابير غدًا، بل أن يبدأ العالم اليوم بفقدان القدرة على ضمان المياه النظيفة في المستقبل القريب.
فالمواطن الخليجي قد لا يتفاعل كثيرًا مع تقرير يتحدث عن مؤشرات الإجهاد المائي أو معدلات الاستهلاك السنوية، لكنه قد يتوقف أمام قصة توضّح له مقدار المياه التي تهدرها تسريبات بسيطة في منزله، وما تضيفه إلى فاتورته الشهرية من أعباء.
منذ سنوات طويلة، يؤكد خبراء الموارد المائية في الخليج، في مختلف المحافل، أن منطقتنا تُعد من أكثر مناطق العالم ندرةً في الموارد المائية الطبيعية؛ إذ غدا الأمن المائي في دول الخليج العربي ملفًا تنمويًا واستراتيجيًا يرتبط بالأمن الغذائي والصحة العامة واستدامة المدن وقدرة المجتمعات على مواجهة تداعيات التغير المناخي.
وفي الملتقى الذي عُقد حديثًا، بالتزامن مع إطلاق المسابقة الخليجية للإبداع الشبابي التوعوي 2026 تحت شعار «كل قطرة تهم»، أجمع المشاركون على أن مواجهة ندرة المياه مسؤولية جماعية تتطلب توحيد الرؤى وتعزيز الوعي، عبر تشجيع الشباب على توظيف الإبداع والابتكار في تقديم حلول وأفكار تسهم في ترسيخ الإدارة الرشيدة للاستهلاك.
وبالحديث عن التحديات المائية المتنامية تنهض، في المقابل، مسؤولية الإعلام الإنمائي، بوصفه إحدى الأدوات القادرة على تحويل قضية المياه من ملف متخصص إلى قضية مجتمعية تحظى بالوعي والمسؤولية التشاركية؛ من أجل بناء قلق واعٍ يدفع إلى الفهم وتحمل المسؤولية عن «تثمين المياه».
فالاطمئنان إلى وفرة الماء قد يكون في حد ذاته خطرًا؛ فالماء ليس خدمة نستهلكها ثم تنتهي علاقتنا بها عند دفع الفاتورة، بل هو ثروة وأمن وحياة ومستقبل. وعلينا جميعًا أن ندرك أن قيمته الحقيقية تكمن في كونه موردًا محدودًا يستحق أن يُصان ويُحسن استخدامه.
ونحن، كصحفيين وإعلاميين، نملك اليوم أدوات لم تكن متاحة للأجيال السابقة؛ منصات سريعة الوصول والتفاعل، قادرة على مخاطبة فئات عمرية واجتماعية مختلفة، وتتيح لنا أن نعيد صياغة قضية المياه بلغة أقرب إلى الناس وأبعد عن التعقيد العلمي والتقني؛ لعلنا ننجح، عبر «التأثير الوجداني»، في تعديل الاتجاهات والقيم.
فعندما تتحول قضية مثل هدر المياه إلى قصة إنسانية أو تحقيق صحفي مدعوم بالبيانات، يصبح أثرها أوسع من مجرد نشر الأرقام والإحصاءات. ويكمن التحدي أمام الإعلام الخليجي في إبقاء قضية المياه حاضرة في الوعي العام طوال العام، لا استدعاءها فقط عند وقوع أزمة أو إطلاق مشروع جديد؛ فالأمن المائي مشروع مستمر، وبناء ثقافة مجتمعية تقدّر الماء وتحسن استخدامه أحد أهم الاستثمارات غير المادية في مستقبل هذا الأمن.
{ صحفية بحرينية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك