العدد : ١٧٧٤٠ - الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٠ - الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

هل العالم يواجه خطر «الإفلاس المائي»؟

بقلم: فاطمة الحجري

السبت ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

يمرّ‭ ‬بنا‭ ‬عنوان‭ ‬صحفي‭ ‬منشور‭ ‬في‭ ‬صفحات‭ ‬الجرائد‭ ‬على‭ ‬شاكلة‭ ‬‮«‬العالم‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬الإفلاس‭ ‬المائي‭!‬‮»‬‭ ‬مرورًا‭ ‬باهتًا‭ ‬عابرًا؛‭ ‬فلا‭ ‬يستوقفنا،‭ ‬ولا‭ ‬يدق‭ ‬أجراس‭ ‬الإنذار‭ ‬في‭ ‬وعينا،‭ ‬ولا‭ ‬يوقظ‭ ‬في‭ ‬عقولنا‭ ‬سؤال‭ ‬المصير‭!‬

ويكمن‭ ‬تفسير‭ ‬هذا‭ ‬البرود،‭ ‬ببساطة،‭ ‬في‭ ‬وفرة‭ ‬الماء‭ ‬الآمن‭ ‬المتدفق‭ ‬بين‭ ‬أيدينا؛‭ ‬فالماء‭ ‬متاح،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬لنا‭ ‬نحن‭ ‬أبناء‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي؛‭ ‬فقد‭ ‬اعتدنا‭ ‬النعم‭ ‬وكأنها‭ ‬من‭ ‬المسلّمات،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬كوابيس‭ ‬الشح‭ ‬والفقد‭ ‬والجفاف‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تلوح‭ ‬في‭ ‬الأفق‭.‬

نعيش‭ ‬حالة‭ ‬طمأنينة‭ ‬توحي‭ ‬بأن‭ ‬الماء‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نفقدها،‭ ‬بينما‭ ‬تقرع‭ ‬المنظمة‭ ‬العالمية‭ ‬للأرصاد‭ ‬الجوية‭ ‬طبول‭ ‬الخطر،‭ ‬مؤكدةً‭ ‬أن‭ ‬منابع‭ ‬الأرض‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬الندرة،‭ ‬وأن‭ ‬ملامح‭ ‬الواقع‭ ‬المائي‭ ‬تتبدل‭ ‬ببطء،‭ ‬وكأنها‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬مستقبلًا‭ ‬مغبرًا‭ ‬يهدد‭ ‬سلامة‭ ‬البيئة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والاستدامة‭ ‬والبشر‭.‬

ولهذا‭ ‬ربما‭ ‬مرّ‭ ‬العنوان‭ ‬من‭ ‬أمامنا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يترك‭ ‬أثرًا‭ ‬يوازي‭ ‬خطورته؛‭ ‬فعبارة‭ ‬‮«‬الإفلاس‭ ‬المائي‮»‬‭ ‬تبدو‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومية،‭ ‬وكأنها‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬عالم‭ ‬آخر،‭ ‬وعن‭ ‬مجتمعات‭ ‬أخرى‭ ‬تكافح‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬قطرة‭ ‬ماء‭ ‬نظيفة‭ ‬ولا‭ ‬تجدها‭. ‬لكن‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬الوضع‭ ‬المائي‭ ‬الذي‭ ‬عرفناه‭ ‬يتغير‭ ‬بسرعة‭ ‬لافتة‭ ‬من‭ ‬حولنا،‭ ‬ومن‭ ‬الوارد‭ ‬جدًا‭ ‬ألّا‭ ‬يدوم‭ ‬ما‭ ‬حسبناه‭ ‬دائمًا‭ ‬حقًا‭ ‬مكتسبًا؛‭ ‬وعندها‭ ‬فقط‭ ‬قد‭ ‬نفهم‭ ‬أن‭ ‬الإفلاس‭ ‬المائي‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تجف‭ ‬الصنابير‭ ‬غدًا،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬العالم‭ ‬اليوم‭ ‬بفقدان‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬المياه‭ ‬النظيفة‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬القريب‭.‬

فالمواطن‭ ‬الخليجي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يتفاعل‭ ‬كثيرًا‭ ‬مع‭ ‬تقرير‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬مؤشرات‭ ‬الإجهاد‭ ‬المائي‭ ‬أو‭ ‬معدلات‭ ‬الاستهلاك‭ ‬السنوية،‭ ‬لكنه‭ ‬قد‭ ‬يتوقف‭ ‬أمام‭ ‬قصة‭ ‬توضّح‭ ‬له‭ ‬مقدار‭ ‬المياه‭ ‬التي‭ ‬تهدرها‭ ‬تسريبات‭ ‬بسيطة‭ ‬في‭ ‬منزله،‭ ‬وما‭ ‬تضيفه‭ ‬إلى‭ ‬فاتورته‭ ‬الشهرية‭ ‬من‭ ‬أعباء‭.‬

منذ‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬يؤكد‭ ‬خبراء‭ ‬الموارد‭ ‬المائية‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المحافل،‭ ‬أن‭ ‬منطقتنا‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬مناطق‭ ‬العالم‭ ‬ندرةً‭ ‬في‭ ‬الموارد‭ ‬المائية‭ ‬الطبيعية؛‭ ‬إذ‭ ‬غدا‭ ‬الأمن‭ ‬المائي‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬ملفًا‭ ‬تنمويًا‭ ‬واستراتيجيًا‭ ‬يرتبط‭ ‬بالأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والصحة‭ ‬العامة‭ ‬واستدامة‭ ‬المدن‭ ‬وقدرة‭ ‬المجتمعات‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬تداعيات‭ ‬التغير‭ ‬المناخي‭.‬

وفي‭ ‬الملتقى‭ ‬الذي‭ ‬عُقد‭ ‬حديثًا،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬إطلاق‭ ‬المسابقة‭ ‬الخليجية‭ ‬للإبداع‭ ‬الشبابي‭ ‬التوعوي‭ ‬2026‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬كل‭ ‬قطرة‭ ‬تهم‮»‬،‭ ‬أجمع‭ ‬المشاركون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬مواجهة‭ ‬ندرة‭ ‬المياه‭ ‬مسؤولية‭ ‬جماعية‭ ‬تتطلب‭ ‬توحيد‭ ‬الرؤى‭ ‬وتعزيز‭ ‬الوعي،‭ ‬عبر‭ ‬تشجيع‭ ‬الشباب‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬الإبداع‭ ‬والابتكار‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬حلول‭ ‬وأفكار‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬الإدارة‭ ‬الرشيدة‭ ‬للاستهلاك‭.‬

وبالحديث‭ ‬عن‭ ‬التحديات‭ ‬المائية‭ ‬المتنامية‭ ‬تنهض،‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬مسؤولية‭ ‬الإعلام‭ ‬الإنمائي،‭ ‬بوصفه‭ ‬إحدى‭ ‬الأدوات‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬قضية‭ ‬المياه‭ ‬من‭ ‬ملف‭ ‬متخصص‭ ‬إلى‭ ‬قضية‭ ‬مجتمعية‭ ‬تحظى‭ ‬بالوعي‭ ‬والمسؤولية‭ ‬التشاركية؛‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬بناء‭ ‬قلق‭ ‬واعٍ‭ ‬يدفع‭ ‬إلى‭ ‬الفهم‭ ‬وتحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬عن‭ ‬‮«‬تثمين‭ ‬المياه‮»‬‭.‬

فالاطمئنان‭ ‬إلى‭ ‬وفرة‭ ‬الماء‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاته‭ ‬خطرًا؛‭ ‬فالماء‭ ‬ليس‭ ‬خدمة‭ ‬نستهلكها‭ ‬ثم‭ ‬تنتهي‭ ‬علاقتنا‭ ‬بها‭ ‬عند‭ ‬دفع‭ ‬الفاتورة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ثروة‭ ‬وأمن‭ ‬وحياة‭ ‬ومستقبل‭. ‬وعلينا‭ ‬جميعًا‭ ‬أن‭ ‬ندرك‭ ‬أن‭ ‬قيمته‭ ‬الحقيقية‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬كونه‭ ‬موردًا‭ ‬محدودًا‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يُصان‭ ‬ويُحسن‭ ‬استخدامه‭.‬

ونحن،‭ ‬كصحفيين‭ ‬وإعلاميين،‭ ‬نملك‭ ‬اليوم‭ ‬أدوات‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬متاحة‭ ‬للأجيال‭ ‬السابقة؛‭ ‬منصات‭ ‬سريعة‭ ‬الوصول‭ ‬والتفاعل،‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مخاطبة‭ ‬فئات‭ ‬عمرية‭ ‬واجتماعية‭ ‬مختلفة،‭ ‬وتتيح‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬صياغة‭ ‬قضية‭ ‬المياه‭ ‬بلغة‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الناس‭ ‬وأبعد‭ ‬عن‭ ‬التعقيد‭ ‬العلمي‭ ‬والتقني؛‭ ‬لعلنا‭ ‬ننجح،‭ ‬عبر‭ ‬‮«‬التأثير‭ ‬الوجداني‮»‬،‭ ‬في‭ ‬تعديل‭ ‬الاتجاهات‭ ‬والقيم‭.‬

فعندما‭ ‬تتحول‭ ‬قضية‭ ‬مثل‭ ‬هدر‭ ‬المياه‭ ‬إلى‭ ‬قصة‭ ‬إنسانية‭ ‬أو‭ ‬تحقيق‭ ‬صحفي‭ ‬مدعوم‭ ‬بالبيانات،‭ ‬يصبح‭ ‬أثرها‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬نشر‭ ‬الأرقام‭ ‬والإحصاءات‭. ‬ويكمن‭ ‬التحدي‭ ‬أمام‭ ‬الإعلام‭ ‬الخليجي‭ ‬في‭ ‬إبقاء‭ ‬قضية‭ ‬المياه‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬الوعي‭ ‬العام‭ ‬طوال‭ ‬العام،‭ ‬لا‭ ‬استدعاءها‭ ‬فقط‭ ‬عند‭ ‬وقوع‭ ‬أزمة‭ ‬أو‭ ‬إطلاق‭ ‬مشروع‭ ‬جديد؛‭ ‬فالأمن‭ ‬المائي‭ ‬مشروع‭ ‬مستمر،‭ ‬وبناء‭ ‬ثقافة‭ ‬مجتمعية‭ ‬تقدّر‭ ‬الماء‭ ‬وتحسن‭ ‬استخدامه‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الاستثمارات‭ ‬غير‭ ‬المادية‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬هذا‭ ‬الأمن‭.‬

 

{‭ ‬صحفية‭ ‬بحرينية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا