مُنحت جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية (عام 2026) للاقتصاديين روبرت هول ومايكل وودفورد تقديراً لجهودهما في تأسيس ما يُعرف بـ«أسس الاقتصاد الجزئي لسياسات الاستقرار الكلى». بعبارة أبسط: هؤلاء الخبيران هما من قاما بتطوير المعادلات والنماذج التي تستخدمها البنوك المركزية (مثل الفيدرالي الأمريكي والمركزي الأوربي وبقية البنوك المركزية) ووزارات المالية حول العالم للتحسب ومعالجة الأزمات الاقتصادية الطاحنة وموجات التضخم الجامحة التي تجتاح الاقتصاد العالمي. فلماذا اعتبرت لجنة نوبل هذه الأعمال مهمة إلى هذا الحد؟
كان واضحا في فترة السبعينيات أن هناك كارثة تحدث ولا تستطيع الأدوات الاقتصادية الموجودة حلها؛ ارتفعت الأسعار (التضخم) بشكل جنوني وفي الوقت نفسه فقد الناس وظائفهم (البطالة)، وظهر ما يعرف الآن بـ(الركود التضخمي) وفشلت كل النماذج القديمة في تقديم حل.
السبب الرئيسي لهذا الفشل هو أن تلك النماذج كانت تنظر إلى الاقتصاد «من أعلى» وتتجاهل كيف يفكر ويقرر «الفرد» أو «الشركة» في الأسفل. هنا جاء دور هول ووودفورد، حيث أسسا لـ«النماذج الكينزية الجديدة»، وهي نماذج تبنى الاقتصاد من أسفل إلى أعلى؛ أي أنها تحسب خطوات الاقتصاد الكلى بناءً على السلوك الفردي (الجزئي) للمواطن والشركة.
أولا: روبرت هول ولغز الاستهلاك المستقبلي
«روبرت هول» هو أول من قدم نظرية «الدخل الدائم» (لفريدمان) في بحثه الشهير 1978 الذي يمنح عليه (مع مجموعة أبحاث أخرى) نوبل الآن بعد أن ربطها بفرضية «التوقعات العقلانية» التي قدمها (موث عام 1961) وطورها وطبقها لوكاس في السبعينيات.
كانت فرضية هول هي أن الأفراد أذكياء وينظرون إلى المستقبل حيث إن استهلاك اليوم لا يعتمد فقط على ما تملكه الآن، بل على «التوقعات المستقبلية» لما ستجنيه طوال حياتك. ومن ثم فنحن لا نغير عاداتنا الشرائية إلا إذا حدثت «مفاجأة» أو وصلت إلينا معلومة جديدة (مثل ترقية مفاجئة، أو جائحة أغلقت الشركات). ولأن المفاجآت لا يمكن التنبؤ بها، أثبت هول أن التغير في الاستهلاك لا يمكن التنبؤ به (ما سماه «المسار العشوائي»). هذا التفسير جعل صناع القرار يدركون أن «توقعات الأفراد» هي المحرك الحقيقي للاقتصاد.
ثانيا: مايكل وودفورد وكتيب تشغيل البنوك المركزية
أخذ «وودفورد» هذه الأفكار الفردية ودمجها في نموذج اقتصادي شامل يتكون من 3 معادلات أساسية، التي أصبحت بمثابة «مختبر التجارب» للبنوك المركزية.
الإضافة الأساسية: أوضح وودفورد أن الشركات لا تغير أسعار منتجاتها كل يوم لأن ذلك مكلف (ظاهرة «لزوجة» الأسعار)، بل تحدد أسعارها بناءً على توقعاتها للمستقبل.
أيضا أضاف وودفورد أن البنك المركزي يمكنه السيطرة على الاقتصاد ليس فقط عبر رفع أو خفض أسعار الفائدة، ولكن الأهم عبر «الشفافية والتواصل». إذا أقنع البنك المركزي الشركات بصدق أنه سيكافح التضخم، فإن الشركات لن ترفع أسعارها اليوم. أي ضرورة التوجيه لتوقعات الأفراد.
وهكذا تثني لجنة نوبل على هذه النماذج بدعوى أنها أنقذتنا من أزمات متكررة.
ولكن كباحث اقتصادي ومتتبع لهذه التطورات العلمية المهمة أخشى أن يكون هذا الاختيار ممزوجا مرة أخرى بالتحيزات والتفضيلات الأيديولوجية التي تم اتهام اللجنة بها مرارًا.
فرغم المديح الذي تصبه لجنة نوبل على النماذج الكينزية الجديدة التي يقدمها هول ووودفورد اليوم، فإنني -وأظن أن معي الكثير من الاقتصاديين أيضا- أعتقد أن هناك قصورا شديدا في افتراضاتها، منها:
تفترض هذه النماذج أن جميع الأفراد والشركات كائنات عقلانية تماماً، يمتلكون كل المعلومات ويقومون بحسابات رياضية قبل الشراء أو تحديد الأسعار. في الواقع (كما يثبت الاقتصاد السلوكي)، البشر يتأثرون بالهلع، والشائعات، والعواطف، وغالباً ما يتصرفون بشكل غير منطقي وخاطئ. ولعل نظرة سريعة على عدد الشركات المفلسة أو عدد الملاك الجدد الذين يريدون بيع وحدات عقارية اشتروها حديثا في بعض مناطق مصر تعد دليلا على عدم صحة «التوقعات العقلانية».
تفترض نظرية «هول» أن الناس يمكنهم اقتراض الأموال للحفاظ على نفس مستوى استهلاكهم إذا واجهوا أزمة طارئة. لكن في الواقع، هناك شريحة ضخمة من الناس لا تملك مدخرات ولا تستطيع الاقتراض بسهولة، ما يجعل استهلاكهم يتضرر فوراً وبشكل حاد مع أي نقص في الراتب، وهو ما لا يعكسه النموذج الرياضي بدقة.
تركز هذه النماذج بشدة على علاج مشاكل الاقتصاد عبر التحكم في «الطلب» (تحفيز أو كبح الاستهلاك عبر الفائدة). وينتقد البعض أن هذا يجعل الحكومات تتجاهل المشاكل الهيكلية الحقيقية في جانب «العرض» (مثل نقص الابتكار، تراجع الإنتاجية، أو نقص الموارد الأساسية).
أخيرًا، رغم أنها نماذج مبنية على سلوك الأفراد، فإنها في النهاية تجمع كل هذا في بوتقة واحدة. هذا يجعلها أحياناً عاجزة عن التعامل مع الأزمات التي تضرب قطاعات معينة من دون غيرها.
{ أستاذ الاقتصاد بجامعة
ولاية أوهايو وجامعة النيل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك