العدد : ١٧٧٤٠ - الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٠ - الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

أضواء على الفائزين بجائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2026

بقلم: د. حسن يوسف علي

السبت ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

مُنحت‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬الاقتصادية‭ (‬عام‭ ‬2026‭) ‬للاقتصاديين‭ ‬روبرت‭ ‬هول‭ ‬ومايكل‭ ‬وودفورد‭ ‬تقديراً‭ ‬لجهودهما‭ ‬في‭ ‬تأسيس‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ«أسس‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الجزئي‭ ‬لسياسات‭ ‬الاستقرار‭ ‬الكلى‮»‬‭. ‬بعبارة‭ ‬أبسط‭: ‬هؤلاء‭ ‬الخبيران‭ ‬هما‭ ‬من‭ ‬قاما‭ ‬بتطوير‭ ‬المعادلات‭ ‬والنماذج‭ ‬التي‭ ‬تستخدمها‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ (‬مثل‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الأمريكي‭ ‬والمركزي‭ ‬الأوربي‭ ‬وبقية‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭) ‬ووزارات‭ ‬المالية‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬للتحسب‭ ‬ومعالجة‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الطاحنة‭ ‬وموجات‭ ‬التضخم‭ ‬الجامحة‭ ‬التي‭ ‬تجتاح‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬فلماذا‭ ‬اعتبرت‭ ‬لجنة‭ ‬نوبل‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬مهمة‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحد؟

كان‭ ‬واضحا‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬السبعينيات‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬كارثة‭ ‬تحدث‭ ‬ولا‭ ‬تستطيع‭ ‬الأدوات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الموجودة‭ ‬حلها؛‭ ‬ارتفعت‭ ‬الأسعار‭ (‬التضخم‭) ‬بشكل‭ ‬جنوني‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬فقد‭ ‬الناس‭ ‬وظائفهم‭ (‬البطالة‭)‬،‭ ‬وظهر‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬الآن‭ ‬بـ‭(‬الركود‭ ‬التضخمي‭) ‬وفشلت‭ ‬كل‭ ‬النماذج‭ ‬القديمة‭ ‬في‭ ‬تقديم‭ ‬حل‭. ‬

السبب‭ ‬الرئيسي‭ ‬لهذا‭ ‬الفشل‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬النماذج‭ ‬كانت‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬‮«‬من‭ ‬أعلى‮»‬‭ ‬وتتجاهل‭ ‬كيف‭ ‬يفكر‭ ‬ويقرر‭ ‬‮«‬الفرد‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬الشركة‮»‬‭ ‬في‭ ‬الأسفل‭. ‬هنا‭ ‬جاء‭ ‬دور‭ ‬هول‭ ‬ووودفورد،‭ ‬حيث‭ ‬أسسا‭ ‬لـ«النماذج‭ ‬الكينزية‭ ‬الجديدة‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬نماذج‭ ‬تبنى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬من‭ ‬أسفل‭ ‬إلى‭ ‬أعلى؛‭ ‬أي‭ ‬أنها‭ ‬تحسب‭ ‬خطوات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكلى‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬السلوك‭ ‬الفردي‭ (‬الجزئي‭) ‬للمواطن‭ ‬والشركة‭.‬

أولا‭: ‬روبرت‭ ‬هول‭ ‬ولغز‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المستقبلي

‮«‬روبرت‭ ‬هول‮»‬‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬من‭ ‬قدم‭ ‬نظرية‭ ‬‮«‬الدخل‭ ‬الدائم‮»‬‭ (‬لفريدمان‭) ‬في‭ ‬بحثه‭ ‬الشهير‭ ‬1978‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬عليه‭ (‬مع‭ ‬مجموعة‭ ‬أبحاث‭ ‬أخرى‭) ‬نوبل‭ ‬الآن‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ربطها‭ ‬بفرضية‭ ‬‮«‬التوقعات‭ ‬العقلانية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ (‬موث‭ ‬عام‭ ‬1961‭) ‬وطورها‭ ‬وطبقها‭ ‬لوكاس‭ ‬في‭ ‬السبعينيات‭.‬

كانت‭ ‬فرضية‭ ‬هول‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬الأفراد‭ ‬أذكياء‭ ‬وينظرون‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬استهلاك‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تملكه‭ ‬الآن،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬‮«‬التوقعات‭ ‬المستقبلية‮»‬‭ ‬لما‭ ‬ستجنيه‭ ‬طوال‭ ‬حياتك‭. ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬نغير‭ ‬عاداتنا‭ ‬الشرائية‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬حدثت‭ ‬‮«‬مفاجأة‮»‬‭ ‬أو‭ ‬وصلت‭ ‬إلينا‭ ‬معلومة‭ ‬جديدة‭ (‬مثل‭ ‬ترقية‭ ‬مفاجئة،‭ ‬أو‭ ‬جائحة‭ ‬أغلقت‭ ‬الشركات‭). ‬ولأن‭ ‬المفاجآت‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التنبؤ‭ ‬بها،‭ ‬أثبت‭ ‬هول‭ ‬أن‭ ‬التغير‭ ‬في‭ ‬الاستهلاك‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التنبؤ‭ ‬به‭ (‬ما‭ ‬سماه‭ ‬‮«‬المسار‭ ‬العشوائي‮»‬‭). ‬هذا‭ ‬التفسير‭ ‬جعل‭ ‬صناع‭ ‬القرار‭ ‬يدركون‭ ‬أن‭ ‬‮«‬توقعات‭ ‬الأفراد‮»‬‭ ‬هي‭ ‬المحرك‭ ‬الحقيقي‭ ‬للاقتصاد‭.‬

ثانيا‭: ‬مايكل‭ ‬وودفورد‭ ‬وكتيب‭ ‬تشغيل‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية

أخذ‭ ‬‮«‬وودفورد‮»‬‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار‭ ‬الفردية‭ ‬ودمجها‭ ‬في‭ ‬نموذج‭ ‬اقتصادي‭ ‬شامل‭ ‬يتكون‭ ‬من‭ ‬3‭ ‬معادلات‭ ‬أساسية،‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬بمثابة‭ ‬‮«‬مختبر‭ ‬التجارب‮»‬‭ ‬للبنوك‭ ‬المركزية‭.‬

الإضافة‭ ‬الأساسية‭: ‬أوضح‭ ‬وودفورد‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬لا‭ ‬تغير‭ ‬أسعار‭ ‬منتجاتها‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬مكلف‭ (‬ظاهرة‭ ‬‮«‬لزوجة‮»‬‭ ‬الأسعار‭)‬،‭ ‬بل‭ ‬تحدد‭ ‬أسعارها‭ ‬بناءً‭ ‬على‭ ‬توقعاتها‭ ‬للمستقبل‭.‬

أيضا‭ ‬أضاف‭ ‬وودفورد‭ ‬أن‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬يمكنه‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬رفع‭ ‬أو‭ ‬خفض‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬ولكن‭ ‬الأهم‭ ‬عبر‭ ‬‮«‬الشفافية‭ ‬والتواصل‮»‬‭. ‬إذا‭ ‬أقنع‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬الشركات‭ ‬بصدق‭ ‬أنه‭ ‬سيكافح‭ ‬التضخم،‭ ‬فإن‭ ‬الشركات‭ ‬لن‭ ‬ترفع‭ ‬أسعارها‭ ‬اليوم‭. ‬أي‭ ‬ضرورة‭ ‬التوجيه‭ ‬لتوقعات‭ ‬الأفراد‭.‬

وهكذا‭ ‬تثني‭ ‬لجنة‭ ‬نوبل‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬بدعوى‭ ‬أنها‭ ‬أنقذتنا‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬متكررة‭.‬

ولكن‭ ‬كباحث‭ ‬اقتصادي‭ ‬ومتتبع‭ ‬لهذه‭ ‬التطورات‭ ‬العلمية‭ ‬المهمة‭ ‬أخشى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار‭ ‬ممزوجا‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬بالتحيزات‭ ‬والتفضيلات‭ ‬الأيديولوجية‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬اتهام‭ ‬اللجنة‭ ‬بها‭ ‬مرارًا‭.‬

فرغم‭ ‬المديح‭ ‬الذي‭ ‬تصبه‭ ‬لجنة‭ ‬نوبل‭ ‬على‭ ‬النماذج‭ ‬الكينزية‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬يقدمها‭ ‬هول‭ ‬ووودفورد‭ ‬اليوم،‭ ‬فإنني‭ -‬وأظن‭ ‬أن‭ ‬معي‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬أيضا‭- ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬قصورا‭ ‬شديدا‭ ‬في‭ ‬افتراضاتها،‭ ‬منها‭:‬

تفترض‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬الأفراد‭ ‬والشركات‭ ‬كائنات‭ ‬عقلانية‭ ‬تماماً،‭ ‬يمتلكون‭ ‬كل‭ ‬المعلومات‭ ‬ويقومون‭ ‬بحسابات‭ ‬رياضية‭ ‬قبل‭ ‬الشراء‭ ‬أو‭ ‬تحديد‭ ‬الأسعار‭. ‬في‭ ‬الواقع‭ (‬كما‭ ‬يثبت‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السلوكي‭)‬،‭ ‬البشر‭ ‬يتأثرون‭ ‬بالهلع،‭ ‬والشائعات،‭ ‬والعواطف،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يتصرفون‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬منطقي‭ ‬وخاطئ‭. ‬ولعل‭ ‬نظرة‭ ‬سريعة‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬الشركات‭ ‬المفلسة‭ ‬أو‭ ‬عدد‭ ‬الملاك‭ ‬الجدد‭ ‬الذين‭ ‬يريدون‭ ‬بيع‭ ‬وحدات‭ ‬عقارية‭ ‬اشتروها‭ ‬حديثا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬مناطق‭ ‬مصر‭ ‬تعد‭ ‬دليلا‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬صحة‭ ‬‮«‬التوقعات‭ ‬العقلانية‮»‬‭.‬

تفترض‭ ‬نظرية‭ ‬‮«‬هول‮»‬‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬يمكنهم‭ ‬اقتراض‭ ‬الأموال‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬مستوى‭ ‬استهلاكهم‭ ‬إذا‭ ‬واجهوا‭ ‬أزمة‭ ‬طارئة‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬هناك‭ ‬شريحة‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬مدخرات‭ ‬ولا‭ ‬تستطيع‭ ‬الاقتراض‭ ‬بسهولة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬استهلاكهم‭ ‬يتضرر‭ ‬فوراً‭ ‬وبشكل‭ ‬حاد‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬الراتب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يعكسه‭ ‬النموذج‭ ‬الرياضي‭ ‬بدقة‭.‬

تركز‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬بشدة‭ ‬على‭ ‬علاج‭ ‬مشاكل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬عبر‭ ‬التحكم‭ ‬في‭ ‬‮«‬الطلب‮»‬‭ (‬تحفيز‭ ‬أو‭ ‬كبح‭ ‬الاستهلاك‭ ‬عبر‭ ‬الفائدة‭). ‬وينتقد‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬يجعل‭ ‬الحكومات‭ ‬تتجاهل‭ ‬المشاكل‭ ‬الهيكلية‭ ‬الحقيقية‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬‮«‬العرض‮»‬‭ (‬مثل‭ ‬نقص‭ ‬الابتكار،‭ ‬تراجع‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬أو‭ ‬نقص‭ ‬الموارد‭ ‬الأساسية‭).‬

أخيرًا،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬نماذج‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬سلوك‭ ‬الأفراد،‭ ‬فإنها‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬تجمع‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬بوتقة‭ ‬واحدة‭. ‬هذا‭ ‬يجعلها‭ ‬أحياناً‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأزمات‭ ‬التي‭ ‬تضرب‭ ‬قطاعات‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬غيرها‭.‬

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بجامعة‭ ‬

ولاية‭ ‬أوهايو‭ ‬وجامعة‭ ‬النيل‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا