العدد : ١٧٧٤٠ - الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٤٠ - الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

تحولات الموقف البريطاني تجاه القضية الفلسطينية

بقلم: د. منار الشوربجي

السبت ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

إن‭ ‬بريطانيا،‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬نكبة‭ ‬فلسطين،‭ ‬تشهد‭ ‬اليوم‭ ‬زلزالًا‭ ‬فلسطينيًّا‭. ‬فالدولة‭ ‬التي‭ ‬أصدرت‭ ‬‮«‬وعد‭ ‬بلفور‮»‬‭ ‬هي‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬فيها‭ ‬مواقف‭ ‬حزبين‭ ‬رئيسيين‭ ‬تحولات‭ ‬جوهرية‭ ‬دفع‭ ‬تكلفتها‭ ‬أبناء‭ ‬غزة‭ ‬بدمائهم‭.‬

فوزير‭ ‬الخارجية‭ ‬اليهودي‭ ‬البريطاني،‭ ‬إد‭ ‬ميليباند،‭ ‬تصدر‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬الحاكم‭. ‬والتحول‭ ‬لم‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬حظر‭ ‬التجارة‭ ‬مع‭ ‬المستوطنات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ووقف‭ ‬أي‭ ‬دعم‭ ‬لها،‭ ‬بالتمويل‭ ‬أو‭ ‬البناء‭ ‬أو‭ ‬غيرهما،‭ ‬وإنما‭ ‬شمل‭ ‬أيضًا‭ ‬بناء‭ ‬تحالف‭ ‬مع‭ ‬كندا‭ ‬وفرنسا‭ ‬للتنسيق‭ ‬في‭ ‬خطوات‭ ‬موحدة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭.‬

والحقيقة‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬غض‭ ‬الطرف‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬حكومة‭ ‬آندي‭ ‬بورنام‭ ‬تعلم‭ ‬يقينًا‭ ‬أن‭ ‬سببًا‭ ‬رئيسيًا‭ ‬لانهيار‭ ‬شعبية‭ ‬إد‭ ‬ستارمر‭ ‬كان‭ ‬الغضب‭ ‬الشعبي‭ ‬الواسع‭ ‬تجاه‭ ‬مواقف‭ ‬الأخير‭ ‬في‭ ‬أوج‭ ‬إبادة‭ ‬غزة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬بقطاع‭ ‬معتبر‭ ‬من‭ ‬أعضاء‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬ليهجروا‭ ‬حزبهم‭ ‬وينضموا‭ ‬إلى‭ ‬حزب‭ ‬الخضر‭. ‬بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬كانت‭ ‬غزة‭ ‬حاضرة‭ ‬ضمن‭ ‬أسباب‭ ‬إزاحة‭ ‬ستارمر‭ ‬من‭ ‬رئاسة‭ ‬الوزراء‭ ‬وصعود‭ ‬بورنام‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬حزب‭ ‬الخضر،‭ ‬الذي‭ ‬يحقق‭ ‬صعودًا‭ ‬متناميًا،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬تزايد‭ ‬عدد‭ ‬الأعضاء‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬نتائج‭ ‬الانتخابات،‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬اتخذ‭ ‬مؤخرًا‭ ‬الخطوة‭ ‬الأكثر‭ ‬راديكالية‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬السياسة‭ ‬البريطانية‭ ‬بما‭ ‬اعتمده‭ ‬من‭ ‬مواقف‭ ‬في‭ ‬مؤتمره‭ ‬السنوي‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي‭. ‬فبأغلبية‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬1022‭ ‬مقابل‭ ‬813‭ ‬أصدر‭ ‬الحزب‭ ‬قرارًا‭ ‬اعتبر‭ ‬الصهيونية‭ ‬‮«‬أحد‭ ‬أشكال‭ ‬العنصرية‮»‬‭. ‬وهي‭ ‬المفردات‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬القرار‭ ‬3379‭ ‬الذي‭ ‬أصدرته‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬1975،‭ ‬ثم‭ ‬عادت‭ ‬وحذفته‭ ‬من‭ ‬سجلاتها‭ ‬عام‭ ‬1991‭. ‬وبريطانيا‭ ‬التي‭ ‬بذلت‭ ‬جهودًا‭ ‬مضنية‭ ‬لإلغاء‭ ‬القرار‭ ‬3379‭ ‬هي‭ ‬ذاتها‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬أحد‭ ‬أحزابها‭ ‬اليوم‭ ‬بإحياء‭ ‬صيغته‭ ‬الأصلية‭ ‬وإقحامها‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الحياة‭ ‬السياسية‭ ‬البريطانية‭.‬

‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬يعلن‭ ‬حزب‭ ‬الخضر‭ ‬فقط‭ ‬دعمه‭ ‬للحركة‭ ‬العالمية‭ ‬لمقاطعة‭ ‬إسرائيل،‭ ‬ولحق‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬مقاومة‭ ‬الاحتلال‭ ‬بل‭ ‬وحقهم‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬وإنما‭ ‬دعا‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬خيار‭ ‬الدولة‭ ‬الواحدة‭ ‬علي‭ ‬كامل‭ ‬أرض‭ ‬فلسطين‭ ‬التاريخية‭ ‬بحقوق‭ ‬متساوية‭ ‬للجميع‭.‬

‭ ‬وقد‭ ‬أقامت‭ ‬إسرائيل‭ ‬الدنيا‭ ‬ولم‭ ‬تقعدها‭ ‬فور‭ ‬صدور‭ ‬قرارات‭ ‬حزبي‭ ‬العمال‭ ‬والخضر،‭ ‬واتهمتهما‭ ‬بالانحياز‭ ‬‮«‬للإرهابيين‭ ‬والمعادين‭ ‬للسامية‮»‬‭ ‬بل‭ ‬وقامت‭ ‬بإغلاق‭ ‬القنصلية‭ ‬العامة‭ ‬لبريطانيا‭ ‬في‭ ‬القدس،‭ ‬بينما‭ ‬أعلنت‭ ‬بريطانيا‭ ‬أنها‭ ‬ستفعل‭ ‬بالمثل،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُعلن‭ ‬لاحقًا‭ ‬عن‭ ‬‮«‬حل‭ ‬وسط‮»‬،‭ ‬مثّل‭ ‬تراجعًا‭ ‬وسعيًا‭ ‬لتجنب‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭.‬

وقد‭ ‬تبدو‭ ‬تلك‭ ‬التحولات‭ ‬محدودة‭ ‬بالمقارنة‭ ‬بحجم‭ ‬الجرم‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬والمعاناة‭ ‬الفلسطينية‭. ‬وهي‭ ‬كذلك‭ ‬بالقطع‭. ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬خطوات‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬لعل‭ ‬أهمها‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬التحول‭ ‬الواضح‭ ‬في‭ ‬مفردات‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭. ‬فمنذ‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬فقط،‭ ‬كان‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬البريطاني‭ ‬ستارمر‭ ‬وقت‭ ‬الإبادة‭ ‬يدعم‭ ‬علنًا‭ ‬حرمان‭ ‬أهل‭ ‬غزة‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬والكهرباء‭ ‬مرتكبًا‭ ‬بذلك‭ ‬جريمة‭ ‬حرب‭ ‬علي‭ ‬الهواء‭ ‬مباشرة‭!. ‬ولسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬لم‭ ‬يجرؤ‭ ‬سياسي‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬المفردات‭ ‬المستخدمة‭ ‬اليوم،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يخسر‭ ‬مستقبله‭ ‬السياسي‭. ‬

وقصة‭ ‬الاغتيال‭ ‬الأدبي‭ ‬والمعنوي‭ ‬لزعيم‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬السابق‭ ‬جيرمي‭ ‬كوربن‭ ‬لم‭ ‬يمر‭ ‬عليها‭ ‬سوى‭ ‬ست‭ ‬سنوات‭. ‬بل‭ ‬إن‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬عام‭ ‬واحد‭ ‬ذات‭ ‬مغزى‭. ‬فشتان‭ ‬بين‭ ‬طرد‭ ‬كوربن‭ ‬من‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭ ‬عام‭ ‬2025‭ ‬والخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬لإد‭ ‬ميليباند‭ ‬اليوم‭ ‬كوزير‭ ‬للخارجية‭ ‬في‭ ‬حكومة‭ ‬حزب‭ ‬العمال‭!.‬

بعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬ظل‭ ‬تشكيل‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬ومفرداته‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬نجحت‭ ‬فيه‭ ‬إسرائيل‭ ‬عقودا‭ ‬طويلة‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬مفردات‭ ‬بعينها‭ ‬باتت‭ ‬تستخدم‭ ‬مثل‭ ‬الكليشيه‭ ‬فور‭ ‬كل‭ ‬جريمة‭ ‬ترتكبها‭ ‬إسرائيل‭. ‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬نتصور‭ ‬أن‭ ‬التحول‭ ‬الحقيقي‭ ‬سيحدث‭ ‬بين‭ ‬ليلة‭ ‬وضحاها‭. ‬لكن‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬الخطوة‭ ‬الأولى‭ ‬مثلت‭ ‬قفزة‭ ‬نوعية‭ ‬تحققت‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬التراجع‭ ‬عنها‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا