إن بريطانيا، المسؤولة عن نكبة فلسطين، تشهد اليوم زلزالًا فلسطينيًّا. فالدولة التي أصدرت «وعد بلفور» هي نفسها التي تحولت فيها مواقف حزبين رئيسيين تحولات جوهرية دفع تكلفتها أبناء غزة بدمائهم.
فوزير الخارجية اليهودي البريطاني، إد ميليباند، تصدر التحول في مواقف حزب العمال الحاكم. والتحول لم يتوقف عند حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية ووقف أي دعم لها، بالتمويل أو البناء أو غيرهما، وإنما شمل أيضًا بناء تحالف مع كندا وفرنسا للتنسيق في خطوات موحدة في هذا الشأن.
والحقيقة أنه لا يجوز غض الطرف عن أن حكومة آندي بورنام تعلم يقينًا أن سببًا رئيسيًا لانهيار شعبية إد ستارمر كان الغضب الشعبي الواسع تجاه مواقف الأخير في أوج إبادة غزة، الأمر الذي دفع بقطاع معتبر من أعضاء حزب العمال ليهجروا حزبهم وينضموا إلى حزب الخضر. بعبارة أخرى، كانت غزة حاضرة ضمن أسباب إزاحة ستارمر من رئاسة الوزراء وصعود بورنام.
غير أن حزب الخضر، الذي يحقق صعودًا متناميًا، سواء في تزايد عدد الأعضاء أو في نتائج الانتخابات، هو الذي اتخذ مؤخرًا الخطوة الأكثر راديكالية في مسار السياسة البريطانية بما اعتمده من مواقف في مؤتمره السنوي الأسبوع الماضي. فبأغلبية وصلت إلى 1022 مقابل 813 أصدر الحزب قرارًا اعتبر الصهيونية «أحد أشكال العنصرية». وهي المفردات نفسها التي جاءت في القرار 3379 الذي أصدرته الأمم المتحدة في 1975، ثم عادت وحذفته من سجلاتها عام 1991. وبريطانيا التي بذلت جهودًا مضنية لإلغاء القرار 3379 هي ذاتها التي يقوم أحد أحزابها اليوم بإحياء صيغته الأصلية وإقحامها في قلب الحياة السياسية البريطانية.
أكثر من ذلك، لم يعلن حزب الخضر فقط دعمه للحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل، ولحق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال بل وحقهم في العودة وإنما دعا أيضًا إلى خيار الدولة الواحدة علي كامل أرض فلسطين التاريخية بحقوق متساوية للجميع.
وقد أقامت إسرائيل الدنيا ولم تقعدها فور صدور قرارات حزبي العمال والخضر، واتهمتهما بالانحياز «للإرهابيين والمعادين للسامية» بل وقامت بإغلاق القنصلية العامة لبريطانيا في القدس، بينما أعلنت بريطانيا أنها ستفعل بالمثل، قبل أن يُعلن لاحقًا عن «حل وسط»، مثّل تراجعًا وسعيًا لتجنب المواجهة بين الطرفين.
وقد تبدو تلك التحولات محدودة بالمقارنة بحجم الجرم الإسرائيلي والمعاناة الفلسطينية. وهي كذلك بالقطع. إلا أنها خطوات مهمة من أكثر من زاوية لعل أهمها على الإطلاق التحول الواضح في مفردات الخطاب السياسي. فمنذ سنوات قليلة فقط، كان رئيس الوزراء البريطاني ستارمر وقت الإبادة يدعم علنًا حرمان أهل غزة من الماء والكهرباء مرتكبًا بذلك جريمة حرب علي الهواء مباشرة!. ولسنوات طويلة لم يجرؤ سياسي في بريطانيا على استخدام أي من المفردات المستخدمة اليوم، دون أن يخسر مستقبله السياسي.
وقصة الاغتيال الأدبي والمعنوي لزعيم حزب العمال السابق جيرمي كوربن لم يمر عليها سوى ست سنوات. بل إن التحولات التي جرت في غضون عام واحد ذات مغزى. فشتان بين طرد كوربن من حزب العمال عام 2025 والخطاب السياسي لإد ميليباند اليوم كوزير للخارجية في حكومة حزب العمال!.
بعبارة أخرى، ظل تشكيل الخطاب السياسي ومفرداته في الغرب هو ما نجحت فيه إسرائيل عقودا طويلة حتى إن مفردات بعينها باتت تستخدم مثل الكليشيه فور كل جريمة ترتكبها إسرائيل.
ومن هنا، لا يجوز أن نتصور أن التحول الحقيقي سيحدث بين ليلة وضحاها. لكن المؤكد أن الخطوة الأولى مثلت قفزة نوعية تحققت ولم يعد من الممكن التراجع عنها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك