من خلال تتبع مسار العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، يبدو أن هناك حالة من التوتر في الوقت الحالي لا تقتصر على العلاقة بين رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على خلفية الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وسبل إنهائها؛ بل تمتد كذلك إلى مستوى الرأي العام في البلدين، في ظل ما أظهرته بعض استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة من تراجع ملحوظ في مستويات التأييد لإسرائيل.
ويُعتقد على نطاق واسع أن تقارب موعد انتخابات الكنيست في إسرائيل، المقررة في 27 أكتوبر 2026، وانتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي في 4 نوفمبر المقبل؛ قد يؤدي إلى قدر من التأثير المتبادل بين السياقين الانتخابيين. كما يُرجح أن تكون لنتائج الانتخابات في البلدين انعكاسات على بعض التفاعلات الإقليمية في الشرق الأوسط خلال العامين المقبلين على الأقل حتى موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2028.
اهتمام متبادل: عادة ما تشهد الانتخابات الأمريكية، سواء انتخابات الكونجرس أو الانتخابات الرئاسية، اهتماماً كبيراً من جانب إسرائيل؛ نظراً إلى التأثير المحتمل لنتائجهما في المصالح الأمنية الإسرائيلية على وجه الخصوص. وقد دأب الكثير من المرشحين في الانتخابات الأمريكية على إعلان مواقفهم من إسرائيل سواء للحصول على دعم مادي وسياسي من اللوبيات المؤيدة لإسرائيل، على رأسها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك» (AIPAC)، أو لوبي الكنائس الإنجيلية الأمريكية؛ المؤمن لأسباب دينية بضرورة الحفاظ على أمن إسرائيل. أما الرأي العام الأمريكي المعروف عامة بعدم اهتمامه بالسياسة الخارجية فإنه يبني موقفه الانتخابي بشكل كبير على الشأن الداخلي والقضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تشغله.
وقد فرضت الحروب التي اندلعت في الشرق الأوسط نفسها على أجندة انتخابات الكنيست الإسرائيلي وانتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي هذا العام، وبات احتمال تأثر نتائج الانتخابات بالمواقف المعلنة من جانب المتنافسين في كلا البلدين أمراً وارداً مع اختلاف حجم هذا التأثير في الجانبين.
وقد برزت إسرائيل مبكراً في سياق المنافسة داخل الحزب الديمقراطي على مرشحيه لانتخابات الكونجرس. فعلى سبيل المثال، جذب السباق في ولاية ميتشجان اهتماماً لافتاً، في ظل المنافسة بين عبدالرحمن السيد (عبدول) والمرشحة من الجناح المعتدل في الحزب هيلي ستيفنز، المدعومة من «أيباك». وظهر إلى جانب عبدول عدد من الشخصيات البارزة في الجناح اليساري للحزب الديمقراطي، مثل بيرني ساندرز والنائبة ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، وهم يرفعون شعارات من بينها «أوقفوا المساعدات لإسرائيل». كما انتقد عبدول الحرب الإسرائيلية في غزة، وهاجم منافسته ستيفنز بسبب قبولها دعماً كبيراً من «أيباك» بغرض رئيسي هو دعم إسرائيل علانية.
وكتقدير لمدى حضور الجناح اليساري داخل الحزب الديمقراطي، تشير بعض البيانات إلى أن إحدى المجموعات المنتمية إليه، هي «الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا» (DSA)؛ تمكنت من إيصال أكثر من 100 عضو إلى مناصب انتخابية مختلفة، بمن في ذلك نواب في الكونجرس مثل أوكاسيو-كورتيز، كما لديها ما لا يقل عن ستة أعضاء في الهيئة التشريعية لولاية نيويورك. ويتبنى أعضاء (DSA) مواقف تدعو إلى تقليص دور المجمع الصناعي العسكري وسحب القوات الأمريكية من الخارج، كما يوجهون انتقادات حادة إلى بعض حلفاء الولايات المتحدة في مقدمتهم إسرائيل.
ويحاول بعض الديمقراطيين الربط بين الضغوط المعيشية التي تواجه شريحة من الأمريكيين حالياً، وارتفاع الإنفاق على الدفاع والحروب الخارجية، مثل الحرب مع إيران ومشاركة الولايات المتحدة فيها، مع توظيف هذا الربط في توجيه انتقادات إلى كل من إسرائيل وإدارة ترامب.
أما علاقة إسرائيل بالولايات المتحدة في الحملات الانتخابية للأحزاب الإسرائيلية قبل انتخابات الكنيست فلا تبدو قضية ذات أولوية مباشرة مقارنة بعدد من القضايا الداخلية، مثل أزمة تجنيد أبناء الطائفة الحريدية، ومساءلة نتنياهو بشأن مسؤوليته عن هجوم 7 أكتوبر 2023، وتقييم السياسة الأمنية في ظل استمرار الحروب في غزة ولبنان؛ ومع ذلك، كشفت بعض استطلاعات الرأي عن وجود تحفظات داخل قطاعات من الرأي العام الإسرائيلي تجاه سياسة نتنياهو في إدارة العلاقة مع إدارة ترامب.
اتجاهات التصويت: من خلال استطلاعات الرأي ودراسة اتجاهات التصويت في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، قبل حلول موعد الانتخابات في البلدين، التي يفصل بينها نحو أسبوع واحد؛ يمكن استنتاج بعض النتائج المحتملة استناداً إلى الاستطلاعات المنشورة حتى سبتمبر 2026؛ ومع ذلك، تظل هذه النتائج عرضة للتغير، في ضوء اختلاف طبيعة ومنهجية الاستطلاعات، إضافة إلى احتمال وقوع أحداث مفاجئة قبل بدء عمليات الاقتراع بأيام أو حتى بساعات قليلة؛ ما قد يؤثر بصورة كبيرة في توجهات الناخبين. ويتضح ذلك في الآتي:
1- انتخابات الكونجرس: وفقاً لتوزيع المقاعد الحالي في مجلسي النواب والشيوخ، وقبل إجراء الانتخابات، يمتلك الجمهوريون الأغلبية في مجلس النواب بـ218 مقعداً، مقابل 214 مقعداً للديمقراطيين، إلى جانب نائب مستقل ومقعدين شاغرين. وفي مجلس الشيوخ يمتلك الجمهوريون 53 مقعداً، مقابل 47 مقعداً للديمقراطيين وحلفائهم من المستقلين.
وفي هذه الانتخابات، يتم التنافس على جميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعداً، فيما تُجرى انتخابات مجلس الشيوخ على نحو ثلث المقاعد فقط (35 مقعداً من أصل 100). وتشير أغلب التوقعات إلى أن الديمقراطيين يتمتعون بفرص مرتفعة لتحقيق مكاسب في مجلس النواب. ووفق أكثر التقديرات تفاؤلاً بالنسبة إليهم، قد يحصل الحزب على مكاسب بنحو 20 مقعداً في مجلس النواب، وما بين أربعة وخمسة مقاعد إضافية في مجلس الشيوخ؛ ما قد يمنحه الأغلبية في المجلسين.
أما التقديرات الأكثر حذراً فتشير إلى احتمال تراوح مكاسب الديمقراطيين بين خمسة و15 مقعداً في مجلس النواب؛ وهو ما قد يكون كافياً لمنحهم الأغلبية في هذا المجلس. وفي مجلس الشيوخ، تشير هذه التقديرات إلى احتمال حصولهم على مقعدين إضافيين على الأقل، وهو ما لن يكون كافياً للسيطرة على المجلس؛ إذ يحتاجون إلى أربعة مقاعد إضافية على الأقل.
ووفقاً لهذه التوقعات، تبدو فرص الديمقراطيين في السيطرة على مجلس النواب أكبر نسبياً، على العكس من فرصهم في نيل الأغلبية في مجلس الشيوخ التي تبدو غير مؤكدة.
وثمة تقديرات لدى عدد من المحللين الأمريكيين تشير إلى أنه، أياً كانت نتائج انتخابات الكونجرس، سواء انتهت بفوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، أو نجاحهم فقط في حسم مجلس النواب؛ فإن تأثير ذلك في السياسة الخارجية للرئيس ترامب قد يظل محدوداً نسبياً. ومن المرجح أن ينصب اهتمام الديمقراطيين بدرجة أكبر على محاصرة الإدارة في الملفات الاقتصادية والمالية، مع الربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وكلفة الحرب مع إيران؛ بهدف إبراز انعكاساتها على مستوى معيشة الأمريكيين أكثر من توجيه الانتقاد إلى قرار الحرب في حد ذاته.
ويمكن القول إن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية قد تكون عُرضة لمزيد من التوترات بعد نتائج الانتخابات. وقد تمتد بعض التوترات التي شهدتها العلاقة بين ترامب ونتنياهو إلى أي حكومة إسرائيلية مقبلة؛ بسبب ملفات الحرب ضد إيران وحزب الله اللبناني وحركة حماس؛ حيث لا يوجد أي زعيم سياسي في المعارضة الإسرائيلية (حتى لو فاز في الانتخابات) مستعد لقبول سياسات ترامب فيما يتعلق بالانسحاب من غزة أو جنوب لبنان أو جنوب سوريا قبل ضمان تفكيك سلاح حماس وحزب الله وتوقيع اتفاق سلام مع سوريا. وحتى لو فشلت الانتخابات الإسرائيلية في الإتيان بحكومة مؤيدة من أغلبية في الكنيست؛ سيستمر نتنياهو كرئيس لحكومة تصريف أعمال حتى إجراء انتخابات أخرى، ومن غير المتوقع أن تقبل هذه الحكومة ضغوط واشنطن عليها.
2- انتخابات الكنيست: من خلال تتبع عدد من استطلاعات الرأي الإسرائيلية المنشورة خلال الفترة من 11 إلى 17 سبتمبر 2026؛ تشير التقديرات إلى أن معسكر نتنياهو قد يحصل على ما بين 50 و60 مقعداً، فيما قد يحصل معسكر المعارضة على ما بين 48 و58 مقعداً. ويُلاحظ أن كلا المعسكرين يرفض تشكيل ائتلاف يضم أحزاباً عربية قد تحصل على ما بين 12 و15 مقعداً.
ومن ثم فإن نتائج هذه الانتخابات قد تكون غير حاسمة، وربما تضطر إسرائيل إلى الذهاب إلى انتخابات أخرى بعد ثلاثة أو أربعة أشهر ما لم يتمكن أي من المعسكرين من ضم أحزاب تمكنه من الحصول على دعم ما لا يقل عن 61 نائباً في الكنيست لتشكيل حكومة جديدة ومستقرة.
وفي كل الأحوال، من السابق لأوانه بناء سيناريو متماسك لمسار العلاقات الإسرائيلية الأمريكية وانعكاساته على منطقة الشرق الأوسط، قبل أن تحسم الولايات المتحدة خياراتها تجاه إيران، سواء بالتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، أو بمواصلة التصعيد العسكري بشكل أكبر.
{ أكاديمي مختص في الشؤون الإسرائيلية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك