إن التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي باتت تؤثر في طبيعة المخاطر التي تواجه الدول والمجتمعات، من الأمن السيبراني والمعلوماتي إلى الاقتصاد والأمن القومي. غير أن هذا التحول يفتح سؤالاً آخر لا يقل أهمية: كيف سيؤثر الذكاء الاصطناعي في مصادر القوة نفسها، ومن سيمتلك القدرة على إنتاجه وتطويره وتشغيله على نطاق واسع؟
فالذكاء الاصطناعي يتجاوز كونه ثورة تكنولوجية جديدة، ليصبح عاملاً يعيد تشكيل القوة الاقتصادية والاستراتيجية في النظام الدولي. ومع صعود الحوسبة المتقدمة والرقائق والبيانات والطاقة والقدرات العلمية كعناصر مترابطة، تتغير قدرة الدول والشركات على المنافسة والتأثير، كما تتغير معها قواعد توزيع النفوذ الدولي خلال العقود المقبلة.
وتكمن أهمية الذكاء الاصطناعي في أنه لا يضيف قطاعاً جديداً إلى الاقتصاد العالمي فحسب، بل يعيد تنظيم قطاعات قائمة حوله. فالرقائق المتقدمة تحتاج إلى سلاسل توريد شديدة التعقيد، ومراكز البيانات تحتاج إلى كميات ضخمة من الكهرباء، والنماذج المتقدمة تحتاج إلى بيانات وحوسبة ومواهب علمية. وهكذا تتشكل منظومة قوة متكاملة، يصبح التحكم في حلقاتها الرئيسية مصدراً لنفوذ يتجاوز قيمتها التجارية المباشرة.
وهذا يفسر احتدام المنافسة بين الولايات المتحدة والصين. فالصراع لا يدور فقط حول من ينتج النماذج الأكثر تقدماً، وإنما حول من يمتلك عناصر المنظومة التي تجعل إنتاج هذه النماذج ممكناً. ولذلك أصبحت الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها والقدرات الحسابية ومراكز البيانات والطاقة عناصر في الحسابات الاستراتيجية للدول.
كما أصبحت القيود على تصدير التكنولوجيا المتقدمة أداة للتأثير في قدرة المنافس على بناء استقلاله التكنولوجي، بينما تدفع هذه القيود في المقابل إلى إنشاء سلاسل توريد بديلة، بما قد يقود إلى نظام تكنولوجي عالمي أكثر انقساماً.
وفى هذا السياق يبرز مفهومان أصبحا جزءاً من النقاش حول القوة الوطنية: السيادة الرقمية Digital Sovereignty والسيادة التكنولوجية Technological Sovereignty. وتعني السيادة الرقمية قدرة الدولة على التحكم في بياناتها وبنيتها الرقمية والمنصات التي تعتمد عليها، ووضع القواعد التي تحكم استخدامها، بما يقلل مخاطر الاعتماد الكامل على أنظمة خارجية. أما السيادة التكنولوجية فتتعلق بقدرة الدولة على تطوير التكنولوجيا الأساسية وتكييفها وإنتاج جزء مهم من مكوناتها. ولا يعني ذلك الانغلاق أو الاستغناء عن التعاون الدولي، وإنما امتلاك بدائل وخيارات وطنية تمنع تحول الاعتماد إلى تبعية.
ويزداد الأمر تعقيداً مع صعود الشركات الكبرى إلى موقع جديد داخل النظام الدولي. فقد أصبح عدد محدود منها أكثر قوة من الدول ذاتها بعد أن باتت تمتلك قدرات هائلة في الحوسبة والبيانات والبحث العلمي ورأس المال، بما يمنحها تأثيراً في مسار التكنولوجيا العالمية يتجاوز الدور التقليدي للشركات.
وهنا تظهر معادلة جديدة للقوة: الدولة تمتلك السيادة السياسية، بينما تمتلك الشركات جزءاً متزايداً من البنية التي تحدد القدرة الاقتصادية والتكنولوجية. وإذا أصبحت الحكومات تعتمد بصورة مفرطة على شركات أجنبية في البيانات أو الحوسبة أو البنية الرقمية، فإن ذلك قد يضعف عملياً جوانب من سيادتها الرقمية والتكنولوجية.
ويمتد هذا التحول مباشرة إلى الأمن القومي. فالذكاء الاصطناعي يغير طبيعة الاستخبارات وتحليل المعلومات والحرب السيبرانية وبعض التطبيقات العسكرية، كما يسرّع الانتقال من جمع المعلومات إلى اتخاذ القرار. وفى بيئة تتقلص فيها المدة بين معرفة تحرك الخصم والرد عليه، يمكن أن يصبح التفوق في تحليل البيانات واستخدامها عاملاً مؤثراً في ميزان القوة، لا يقل أهمية عن بعض عناصر القوة العسكرية التقليدية.
أما اقتصادياً، فإن القضية الأساسية لا تتعلق فقط بالوظائف التي يمكن أن تختفي، وإنما بمن سيحصل على القيمة التي سيولدها الذكاء الاصطناعي. فإذا استطاعت الشركات زيادة الإنتاج مع الاعتماد على عدد أقل من العاملين، فقد ترتفع حصة رأس المال والتكنولوجيا من الدخل على حساب حصة العمل، ما لم تتغير سياسات التعليم والتأهيل والحماية الاجتماعية. ومن ثم، فإن السؤال الاستراتيجي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيرفع الإنتاجية، وإنما كيف ستتوزع مكاسبه داخل المجتمعات وبين الدول.
وتواجه الدول النامية تحدياً أكثر تعقيداً. فالفجوة المقبلة قد لا تكون بين دول تستخدم الذكاء الاصطناعي وأخرى لا تستخدمه، وإنما بين دول تستطيع تطويره وتكييفه مع احتياجاتها، ودول تتحول إلى أسواق للتكنولوجيا المنتجة في الخارج. وإذا أصبحت قطاعات التعليم والصحة والإدارة والإنتاج تعتمد بصورة متزايدة على أنظمة أجنبية دون امتلاك القدرات والبيانات والبنية اللازمة لفهمها والتحكم فيها، فقد تنشأ صورة جديدة من التبعية تؤثر في الاستقلال الاقتصادي والقدرة الوطنية على اتخاذ القرار.
ولهذا فإن التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره ملفاً تكنولوجياً فقط سيكون خطأً استراتيجياً. المطلوب هو إدماجه في مفهوم القوة الوطنية، وربطه بالتعليم والطاقة والصناعة والبحث العلمي والأمن الاقتصادي والقومي، مع بناء قدرات حقيقية في السيادة الرقمية والسيادة التكنولوجية.
ولا تحتاج كل دولة إلى منافسة القوى الكبرى في بناء أكبر النماذج، وإنما إلى امتلاك القدرات التي تمنع تحولها إلى مستهلك دائم للتكنولوجيا والمعرفة التي ينتجها الآخرون.
فالذكاء الاصطناعي لا يغير أدوات القوة فحسب، بل يغير شروط امتلاكها. والدول التي تنتج المعرفة والبنية اللازمة له ستعزز مكانتها ونفوذها، بينما قد تجد الدول التي تكتفى بشرائه نفسها أكثر اعتماداً على الآخرين في قطاعات تمس اقتصادها وأمنها وقدرتها على اتخاذ القرار. ولذلك فإن سباق الذكاء الاصطناعي هو، في جوهره، سباق على المكانة والسيادة والقوة والثروة والنفوذ في النظام الدولي الجديد.
{ كاتب ودبلوماسي سابق

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك