العدد : ١٧٧٣٨ - الجمعة ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٨ - الجمعة ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الانسان والبحث عن السعادة

بقلم: د. سعيد توفيق

الجمعة ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

عنوان‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬يصلح‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عنوانًا‭ ‬لكتاب‭ ‬أو‭ ‬لكتب‭ ‬عدة‭ ‬تتناول‭ ‬مسألة‭ ‬السعادة‭ ‬باستفاضة‭ ‬من‭ ‬سائر‭ ‬جوانبها؛‭ ‬لأن‭ ‬السعادة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬موضوع‭ ‬من‭ ‬الموضوعات‭ ‬التي‭ ‬تتناولها‭ ‬الفلسفة‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬القضية‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬تشغل‭ ‬أذهان‭ ‬البشر،‭ ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬تشغل‭ ‬أذهان‭ ‬الفلاسفة‭ ‬والمفكرين‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التأمل‭ ‬النظري‭ ‬لها‭. ‬وسوف‭ ‬أتناول‭ ‬المسألة‭ ‬هنا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ملخص‭ ‬لرؤيتي‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬محدد،‭ ‬وهو‭ ‬بمثابة‭ ‬إجابة‭ ‬مقتضبة‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭ ‬التالي‭: ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬بلوغ‭ ‬السعادة‭ ‬بوصفها‭ ‬غايةً‭ ‬قصوى؟‭ ‬وبعبارة‭ ‬أخرى‭: ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيق‭ ‬السعادة‭ ‬التي‭ ‬يسعى‭ ‬إليها‭ ‬الناس‭ ‬ويكِّدون‭ ‬من‭ ‬أجلها؟

لكن‭ ‬السؤال‭ ‬السابق‭ ‬قد‭ ‬يثير‭ ‬إشكالات‭ ‬وتساؤلات‭ ‬عديدة،‭ ‬منها‭: ‬إن‭ ‬وصف‭ ‬السعادة‭ ‬بأنها‭ ‬غاية‭ ‬قصوى‭ ‬هو‭ ‬قول‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬برهان،‭ ‬وربما‭ ‬يقول‭ ‬لك‭ ‬قائل‭ ‬إن‭ ‬الغاية‭ ‬القصوى‭ ‬هي‭ ‬الإيمان‭ ‬مثلًا‭. ‬

وهنا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نثير‭ ‬اعتراضًا‭ ‬مضادًا‭ ‬بأن‭ ‬الإيمان‭ ‬ليس‭ ‬شيئًا‭ ‬واحدًا؟

‭ ‬إن‭ ‬الناس‭ ‬يختلف‭ ‬إيمانهم‭ ‬وعقائدهم،‭ ‬ولكنهم‭ ‬جميعًا‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬السعادة‭ ‬مهما‭ ‬اختلفت‭ ‬عقائدهم‭ ‬ومشاربهم‭. ‬وربما‭ ‬كان‭ ‬الإيمان‭ ‬نفسه‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يكفل‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬السعادة‭ ‬باعتباره‭ ‬يكفل‭ ‬شعورًا‭ ‬بالرضا‭ ‬والسعادة‭ ‬الباطنية‭ ‬والأمل‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

وهذا‭ ‬الجدال‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬مشابه‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالقيم‭ ‬أو‭ ‬الغايات‭ ‬الإنسانية‭ ‬الأخرى؛‭ ‬فبوسعنا‭ ‬القول‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭: ‬إن‭ ‬العدالة‭ ‬كقيمة‭ ‬عليا‭ ‬لا‭ ‬تعلو‭ ‬على‭ ‬السعادة،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬قيمة‭ ‬عليا‭ ‬يكون‭ ‬حضورها‭ ‬لازمًا‭ ‬لتحقيق‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬السعادة‭ ‬باعتبارها‭ ‬غاية‭ ‬قصوى‭. ‬وبوسعنا‭ ‬القول‭ ‬كذلك‭: ‬إن‭ ‬الصحة‭ ‬قيمة‭ ‬عليا‭ ‬من‭ ‬القيم‭ ‬الحيوية،‭ ‬ولكن‭ ‬حضورها‭ ‬يظل‭ ‬وسيلة‭ ‬لتحقيق‭ ‬غاية‭ ‬أسمى‭ ‬وهي‭ ‬السعادة‭.‬

والواقع‭ ‬أننا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتفق‭ ‬على‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬السعادة‭ ‬باعتبارها‭ ‬غاية‭ ‬أسمى،‭ ‬أو‭ ‬نسلم‭ ‬بذلك‭ ‬باعتباره‭ ‬فرضًا‭ ‬معقولًا‭ (‬بلغة‭ ‬المنطق‭): ‬فالأدلة‭ ‬الواقعية‭ ‬تشهد‭ ‬بأن‭ ‬الناس‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬الصحة‭ ‬والثروة‭ ‬والشهرة‭.. ‬إلخ،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬السعادة‭.‬

‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬لا‭ ‬يتفقون‭ ‬على‭ ‬معنى‭ ‬واحد‭ ‬للسعادة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬كبار‭ ‬الفلاسفة‭ ‬أنفسهم‭ ‬لا‭ ‬يتفقون‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬المعنى؛‭ ‬ولذلك‭ ‬فإننا‭ ‬نجد‭ ‬في‭ ‬فلسفة‭ ‬الأخلاق‭ ‬مذاهب‭ ‬عديدة‭ ‬تحت‭ ‬باب‭ ‬رئيس‭ ‬فيها‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬مذهب‭ ‬السعادة‮»‬‭. ‬

وقد‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬مهيمنًا‭ ‬على‭ ‬مباحث‭ ‬فلسفة‭ ‬الأخلاق،‭ ‬بل‭ ‬ظل‭ ‬مركزيًّا‭ ‬في‭ ‬الفلسفة‭ ‬عمومًا‭ ‬منذ‭ ‬قدماء‭ ‬الفلاسفة‭ ‬وحتى‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭. ‬ولقد‭ ‬تباينت‭ ‬مواقف‭ ‬الفلاسفة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭: ‬ففي‭ ‬حين‭ ‬رأى‭ ‬البعض‭ ‬السعادة‭ ‬في‭ ‬المتعة‭ ‬العقلانية،‭ ‬رأى‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭ ‬أنها‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬اللذة‭ ‬الحسية،‭ ‬ورأى‭ ‬آخرون‭ ‬أنها‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬اللذات‭ ‬وسائر‭ ‬الرغبات‭.. ‬إلخ‭. ‬ولكن‭ ‬أغلب‭ ‬هذه‭ ‬المذاهب‭ ‬المتعارضة‭ ‬قد‭ ‬سلكت‭ ‬الوجهة‭ ‬الخاطئة‭.‬

يتبين‭ ‬لنا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬المشاهدات‭ ‬والوقائع،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬الدليل‭ ‬العقلي‭ ‬الذي‭ ‬يدعم‭ ‬هذه‭ ‬الوقائع‭: ‬بما‭ ‬أن‭ ‬الصحة‭ ‬والثروة‭ ‬والشهرة‭.. ‬إلخ،‭ ‬هي‭ ‬وسائل‭ ‬لتحقيق‭ ‬السعادة؛‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬السعادة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬منها‭. ‬والوقائع‭ ‬تشهد‭ ‬بذلك‭ ‬حينما‭ ‬يفتقد‭ ‬المرء‭ ‬وسيلة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الوسائل،‭ ‬فينتابه‭ ‬الغم‭ ‬والحزن‭ ‬على‭ ‬ضياع‭ ‬شيء‭ ‬كان‭ ‬يتوخى‭ ‬فيه‭ ‬السعادة‭.‬

‭ ‬وحتى‭ ‬عندما‭ ‬يتناول‭ ‬المفكرون‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬موضوع‭ ‬‮«‬جودة‭ ‬الحياة‮»‬،‭ ‬فإنهم‭ ‬يتناولونه‭ ‬على‭ ‬سائر‭ ‬المستويات‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬فرضية‭ ‬نظرية،‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬‮«‬جودة‭ ‬الحياة‮»‬‭ ‬تؤسس‭ ‬لتحقيق‭ ‬السعادة‭ ‬أو‭ ‬تعد‭ ‬مؤشرًا‭ ‬رئيسًا‭ ‬عليها‭. ‬

وهذا‭ ‬الفرض‭ ‬يُعد‭ ‬معقولًا‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العام‭: ‬أعني‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الشعوب‭ ‬أو‭ ‬جموع‭ ‬الناس‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‭ (‬ولكنه‭ ‬لا‭ ‬يصدق‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الفردي‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭).‬

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬الفلسفة‭ ‬بكلية‭ ‬الآداب‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا