يحسب تاجر البشر ما يكسبه من الإنسان، ولا يحسب ما يخسره ذلك الإنسان من عمره. ساعات العمل عنده دخل، والتعب يتحمله صاحبه، والأسرة التي تنتظر المال خارج الحساب. كلما قرأت عن هذه الجريمة، استوقفني هذا التفاوت: شخص تُستنزف حياته، وآخر تتزايد أرباحه من ذلك الاستنزاف. فالإنسان الذي له اسم وأهل وأمنيات، يُختصر في نظر مستغِلّه إلى ما يمكن أن يجنيه منه.
اعتدنا أن نقرأ الاتجار بالبشر من جهة الألم، وهذا طبيعي؛ فالمعاناة أول ما يستوقفنا. لكن المال يفسر أيضًا لماذا يستمر هذا النشاط. ما دام الاستغلال مربحًا، يظل لدى صاحبه سبب لتكراره. لذلك لا تكتمل المواجهة بإنقاذ الضحية وملاحقة من آذاها وحدهما؛ عليها أن تصل إلى الأموال التي كسبها، وإلى من شاركه الاستفادة منها. وإلا بقيت لديه الوسائل ليبدأ مع إنسان آخر.
قدّرت منظمة العمل الدولية، في تقرير صدر عام 2024، الأرباح غير المشروعة الناتجة عن العمل الجبري في الاقتصاد الخاص بنحو 236 مليار دولار سنويًا. وهذا تقدير للعمل الجبري، وليس لجميع صور الاتجار بالبشر، وإن تداخل المجالان. لكنه يكشف حجم المصلحة المالية القائمة على إجبار الناس على العمل، ويجعل تتبع الأرباح جزءًا مهمًا من فهم الجريمة ومكافحتها.
خلف هذا الرقم أتخيّل عاملًا يفتح هاتفه بعد يوم طويل، ويقرأ رسالة من بيته: هل تستطيع إرسال ثمن الدواء؟ يعرف أنه عمل ما يكفي، لكن أجره ليس في يده. يؤجل الرد لأنه لا يعرف كيف يشرح لأهله أن ساعات التعب لم تتحول إلى مال يستطيع إرساله، وأنه ينتظر معهم أجرًا يستولي عليه غيره.
لقد عمل طوال اليوم، ولم يستطع إرسال ثمن الدواء.
وخسارة الأجر لا تتوقف عند صاحبه؛ تصل إلى من يعتمدون عليه. ثم تأتي أعباء أخرى: قد يحتاج هو نفسه إلى علاج، ويعجز عن العمل، فتضطر أسرته إلى الاستدانة. يجمع المستغِل المال، ويترك للضحية كلفة التعافي. وحتى بعد الخروج من الاستغلال، يحتاج الإنسان إلى وقت ليستعيد صحته وقدرته على الكسب. انتهاء ما تعرض له لا يمحو أثره من حياته.
ويضر الاستغلال أيضًا بأصحاب الأعمال الذين يحترمون حقوق عمالهم. فمن يدفع الأجور كاملة يتحمل نفقات يتجنبها من يجبر الناس على العمل ويحرمهم من أجورهم. وقد يستطيع المستغِل بذلك تقديم خدمات بسعر أقل، واجتذاب عملاء على حساب صاحب العمل الملتزم. لذلك تحمي مكافحة الاستغلال العامل، وتحمي أيضًا من يدير عمله بأمانة؛ حتى لا يخسر لأنه احترم الحقوق، ويربح غيره لأنه انتهكها.
وهذا لا يعني أن كل سعر منخفض دليل على الاتجار بالبشر، أو أن كل مخالفة عمالية تدخل في نطاقه. للجريمة شروط يحددها القانون، وأدلة تثبت وقوعها. لكنه يدعونا إلى السؤال عن ظروف العمل، خصوصًا عندما تتعدد الشركات والوسطاء. فقد تعرف المؤسسة من تعاقدت معه، وتجهل كيف يُعامل الشخص الذي ينفذ الخدمة. ومعرفة هذه التفاصيل تقلل احتمال أن يأتي التوفير في السعر على حساب حقوق إنسان.
بهذا المعنى قرأت خبر احتفاظ بلدي البحرين بالمستوى الأول في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية بشأن الاتجار بالأشخاص للعام التاسع على التوالي. أعتز بهذا الاستمرار، لما يعكسه من استيفاء الحكومة المعايير الدنيا للقضاء على الجريمة. والتصنيف يقيّم جهود مواجهتها، ولا يعني اختفاءها. قيمته في عمل يتواصل عامًا بعد عام، ويواكب أساليب الاستغلال، ويمنح من يحتاج إلى الحماية طريقًا للوصول إليها.
ومن يخرج من الاستغلال يحتاج إلى مكان يأمن فيه، وإلى من يشرح له حقوقه وكيف يطالب بها. في البحرين، يقدم مركز حماية ودعم العمالة الوافدة خدمات وقائية وإرشادية وقانونية، ويوفر الإيواء للضحايا والضحايا المحتملين، وينسّق نظام الإحالة الوطني جهود التعرف عليهم وحمايتهم ومساعدتهم. هذه تفاصيل أقدّر قيمتها؛ لأنها تتصل بحاجات الإنسان في مرحلة صعبة، وتمنح الإنجاز الوطني معنى يلمسه في حياته.
أما المنتدى الحكومي الذي تستضيفه البحرين، فتظهر أهميته في جمع الجهات التي تملك أجزاء مختلفة من القضية. جهة تعرف المستغِل، وأخرى تعرف الوسيط، وتحويلات مالية تكشف من قبض المال في بلد ثالث. تبادل هذه المعلومات يكشف الصلة بين المتورطين في الجريمة، والتحقيق في حركة المال يكشف الأرباح والمستفيدين منها، ويدعم اتخاذ إجراءات مصادرتها وفق القانون. فتوزيع النشاط بين دول عدة يستلزم تعاونًا يمتد عبر حدودها.
وفي المقابل، يستحق المتضرر مساعدة للحصول على أجوره والتعويض عن الأذى الذي أصابه، وفق القانون. لا يعيد المال سنوات مفقودة، لكنه يتيح له تدبير العلاج أو بدء عمل يعيش منه. ويحتاج إلى شرح واضح ومساعدة للمطالبة بحقوقه؛ فقد يعرف أنه ظُلم، ولا يعرف من أين يبدأ أو كيف يقدم طلبه. والإنصاف الذي يصل إليه يعينه على بناء حياته، ويخفف حاجته التي يمكن أن يستغلها آخرون.
فالإنسان الذي خرج من الاستغلال يحتاج إلى فرصة يعيش منها، وتاجر البشر ينبغي أن يفقد المال الذي كسبه من جريمته. عندها تمس العدالة حياة الاثنين: تعين أحدهما على البدء، وتحرم الآخر من تمويل أذى جديد. ويصبح لحماية الكرامة أثر يراه المتضرر في حياته، بعد أن ظل طويلًا يرى ثمرة عمله في يد غيره.
{ قانونية وكاتبة بحرينية
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك