العدد : ١٧٧٣٧ - الخميس ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٧ - الخميس ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الاتجار بالبشر.. حين يصبح الإنسان مشروعا للربح!

بقلم: نبيلة رجب {

الخميس ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

يحسب‭ ‬تاجر‭ ‬البشر‭ ‬ما‭ ‬يكسبه‭ ‬من‭ ‬الإنسان،‭ ‬ولا‭ ‬يحسب‭ ‬ما‭ ‬يخسره‭ ‬ذلك‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬عمره‭. ‬ساعات‭ ‬العمل‭ ‬عنده‭ ‬دخل،‭ ‬والتعب‭ ‬يتحمله‭ ‬صاحبه،‭ ‬والأسرة‭ ‬التي‭ ‬تنتظر‭ ‬المال‭ ‬خارج‭ ‬الحساب‭. ‬كلما‭ ‬قرأت‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الجريمة،‭ ‬استوقفني‭ ‬هذا‭ ‬التفاوت‭: ‬شخص‭ ‬تُستنزف‭ ‬حياته،‭ ‬وآخر‭ ‬تتزايد‭ ‬أرباحه‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الاستنزاف‭. ‬فالإنسان‭ ‬الذي‭ ‬له‭ ‬اسم‭ ‬وأهل‭ ‬وأمنيات،‭ ‬يُختصر‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬مستغِلّه‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يجنيه‭ ‬منه‭.‬

اعتدنا‭ ‬أن‭ ‬نقرأ‭ ‬الاتجار‭ ‬بالبشر‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬الألم،‭ ‬وهذا‭ ‬طبيعي؛‭ ‬فالمعاناة‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬يستوقفنا‭. ‬لكن‭ ‬المال‭ ‬يفسر‭ ‬أيضًا‭ ‬لماذا‭ ‬يستمر‭ ‬هذا‭ ‬النشاط‭. ‬ما‭ ‬دام‭ ‬الاستغلال‭ ‬مربحًا،‭ ‬يظل‭ ‬لدى‭ ‬صاحبه‭ ‬سبب‭ ‬لتكراره‭. ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬تكتمل‭ ‬المواجهة‭ ‬بإنقاذ‭ ‬الضحية‭ ‬وملاحقة‭ ‬من‭ ‬آذاها‭ ‬وحدهما؛‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬الأموال‭ ‬التي‭ ‬كسبها،‭ ‬وإلى‭ ‬من‭ ‬شاركه‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭. ‬وإلا‭ ‬بقيت‭ ‬لديه‭ ‬الوسائل‭ ‬ليبدأ‭ ‬مع‭ ‬إنسان‭ ‬آخر‭.‬

قدّرت‭ ‬منظمة‭ ‬العمل‭ ‬الدولية،‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬صدر‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬الأرباح‭ ‬غير‭ ‬المشروعة‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬الجبري‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الخاص‭ ‬بنحو‭ ‬236‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬سنويًا‭. ‬وهذا‭ ‬تقدير‭ ‬للعمل‭ ‬الجبري،‭ ‬وليس‭ ‬لجميع‭ ‬صور‭ ‬الاتجار‭ ‬بالبشر،‭ ‬وإن‭ ‬تداخل‭ ‬المجالان‭. ‬لكنه‭ ‬يكشف‭ ‬حجم‭ ‬المصلحة‭ ‬المالية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬إجبار‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬العمل،‭ ‬ويجعل‭ ‬تتبع‭ ‬الأرباح‭ ‬جزءًا‭ ‬مهمًا‭ ‬من‭ ‬فهم‭ ‬الجريمة‭ ‬ومكافحتها‭.‬

خلف‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬أتخيّل‭ ‬عاملًا‭ ‬يفتح‭ ‬هاتفه‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬طويل،‭ ‬ويقرأ‭ ‬رسالة‭ ‬من‭ ‬بيته‭: ‬هل‭ ‬تستطيع‭ ‬إرسال‭ ‬ثمن‭ ‬الدواء؟‭ ‬يعرف‭ ‬أنه‭ ‬عمل‭ ‬ما‭ ‬يكفي،‭ ‬لكن‭ ‬أجره‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬يده‭. ‬يؤجل‭ ‬الرد‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يشرح‭ ‬لأهله‭ ‬أن‭ ‬ساعات‭ ‬التعب‭ ‬لم‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مال‭ ‬يستطيع‭ ‬إرساله،‭ ‬وأنه‭ ‬ينتظر‭ ‬معهم‭ ‬أجرًا‭ ‬يستولي‭ ‬عليه‭ ‬غيره‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬عمل‭ ‬طوال‭ ‬اليوم،‭ ‬ولم‭ ‬يستطع‭ ‬إرسال‭ ‬ثمن‭ ‬الدواء‭.‬

وخسارة‭ ‬الأجر‭ ‬لا‭ ‬تتوقف‭ ‬عند‭ ‬صاحبه؛‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يعتمدون‭ ‬عليه‭. ‬ثم‭ ‬تأتي‭ ‬أعباء‭ ‬أخرى‭: ‬قد‭ ‬يحتاج‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬علاج،‭ ‬ويعجز‭ ‬عن‭ ‬العمل،‭ ‬فتضطر‭ ‬أسرته‭ ‬إلى‭ ‬الاستدانة‭. ‬يجمع‭ ‬المستغِل‭ ‬المال،‭ ‬ويترك‭ ‬للضحية‭ ‬كلفة‭ ‬التعافي‭. ‬وحتى‭ ‬بعد‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الاستغلال،‭ ‬يحتاج‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬ليستعيد‭ ‬صحته‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬الكسب‭. ‬انتهاء‭ ‬ما‭ ‬تعرض‭ ‬له‭ ‬لا‭ ‬يمحو‭ ‬أثره‭ ‬من‭ ‬حياته‭.‬

ويضر‭ ‬الاستغلال‭ ‬أيضًا‭ ‬بأصحاب‭ ‬الأعمال‭ ‬الذين‭ ‬يحترمون‭ ‬حقوق‭ ‬عمالهم‭. ‬فمن‭ ‬يدفع‭ ‬الأجور‭ ‬كاملة‭ ‬يتحمل‭ ‬نفقات‭ ‬يتجنبها‭ ‬من‭ ‬يجبر‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬ويحرمهم‭ ‬من‭ ‬أجورهم‭. ‬وقد‭ ‬يستطيع‭ ‬المستغِل‭ ‬بذلك‭ ‬تقديم‭ ‬خدمات‭ ‬بسعر‭ ‬أقل،‭ ‬واجتذاب‭ ‬عملاء‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬صاحب‭ ‬العمل‭ ‬الملتزم‭. ‬لذلك‭ ‬تحمي‭ ‬مكافحة‭ ‬الاستغلال‭ ‬العامل،‭ ‬وتحمي‭ ‬أيضًا‭ ‬من‭ ‬يدير‭ ‬عمله‭ ‬بأمانة؛‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يخسر‭ ‬لأنه‭ ‬احترم‭ ‬الحقوق،‭ ‬ويربح‭ ‬غيره‭ ‬لأنه‭ ‬انتهكها‭.‬

وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬سعر‭ ‬منخفض‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬الاتجار‭ ‬بالبشر،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬مخالفة‭ ‬عمالية‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬نطاقه‭. ‬للجريمة‭ ‬شروط‭ ‬يحددها‭ ‬القانون،‭ ‬وأدلة‭ ‬تثبت‭ ‬وقوعها‭. ‬لكنه‭ ‬يدعونا‭ ‬إلى‭ ‬السؤال‭ ‬عن‭ ‬ظروف‭ ‬العمل،‭ ‬خصوصًا‭ ‬عندما‭ ‬تتعدد‭ ‬الشركات‭ ‬والوسطاء‭. ‬فقد‭ ‬تعرف‭ ‬المؤسسة‭ ‬من‭ ‬تعاقدت‭ ‬معه،‭ ‬وتجهل‭ ‬كيف‭ ‬يُعامل‭ ‬الشخص‭ ‬الذي‭ ‬ينفذ‭ ‬الخدمة‭. ‬ومعرفة‭ ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬تقلل‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬التوفير‭ ‬في‭ ‬السعر‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬حقوق‭ ‬إنسان‭.‬

بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬قرأت‭ ‬خبر‭ ‬احتفاظ‭ ‬بلدي‭ ‬البحرين‭ ‬بالمستوى‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬وزارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية‭ ‬بشأن‭ ‬الاتجار‭ ‬بالأشخاص‭ ‬للعام‭ ‬التاسع‭ ‬على‭ ‬التوالي‭. ‬أعتز‭ ‬بهذا‭ ‬الاستمرار،‭ ‬لما‭ ‬يعكسه‭ ‬من‭ ‬استيفاء‭ ‬الحكومة‭ ‬المعايير‭ ‬الدنيا‭ ‬للقضاء‭ ‬على‭ ‬الجريمة‭. ‬والتصنيف‭ ‬يقيّم‭ ‬جهود‭ ‬مواجهتها،‭ ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬اختفاءها‭. ‬قيمته‭ ‬في‭ ‬عمل‭ ‬يتواصل‭ ‬عامًا‭ ‬بعد‭ ‬عام،‭ ‬ويواكب‭ ‬أساليب‭ ‬الاستغلال،‭ ‬ويمنح‭ ‬من‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الحماية‭ ‬طريقًا‭ ‬للوصول‭ ‬إليها‭.‬

ومن‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬الاستغلال‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬يأمن‭ ‬فيه،‭ ‬وإلى‭ ‬من‭ ‬يشرح‭ ‬له‭ ‬حقوقه‭ ‬وكيف‭ ‬يطالب‭ ‬بها‭. ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬يقدم‭ ‬مركز‭ ‬حماية‭ ‬ودعم‭ ‬العمالة‭ ‬الوافدة‭ ‬خدمات‭ ‬وقائية‭ ‬وإرشادية‭ ‬وقانونية،‭ ‬ويوفر‭ ‬الإيواء‭ ‬للضحايا‭ ‬والضحايا‭ ‬المحتملين،‭ ‬وينسّق‭ ‬نظام‭ ‬الإحالة‭ ‬الوطني‭ ‬جهود‭ ‬التعرف‭ ‬عليهم‭ ‬وحمايتهم‭ ‬ومساعدتهم‭. ‬هذه‭ ‬تفاصيل‭ ‬أقدّر‭ ‬قيمتها؛‭ ‬لأنها‭ ‬تتصل‭ ‬بحاجات‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬صعبة،‭ ‬وتمنح‭ ‬الإنجاز‭ ‬الوطني‭ ‬معنى‭ ‬يلمسه‭ ‬في‭ ‬حياته‭.‬

أما‭ ‬المنتدى‭ ‬الحكومي‭ ‬الذي‭ ‬تستضيفه‭ ‬البحرين،‭ ‬فتظهر‭ ‬أهميته‭ ‬في‭ ‬جمع‭ ‬الجهات‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬أجزاء‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬القضية‭. ‬جهة‭ ‬تعرف‭ ‬المستغِل،‭ ‬وأخرى‭ ‬تعرف‭ ‬الوسيط،‭ ‬وتحويلات‭ ‬مالية‭ ‬تكشف‭ ‬من‭ ‬قبض‭ ‬المال‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬ثالث‭. ‬تبادل‭ ‬هذه‭ ‬المعلومات‭ ‬يكشف‭ ‬الصلة‭ ‬بين‭ ‬المتورطين‭ ‬في‭ ‬الجريمة،‭ ‬والتحقيق‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬المال‭ ‬يكشف‭ ‬الأرباح‭ ‬والمستفيدين‭ ‬منها،‭ ‬ويدعم‭ ‬اتخاذ‭ ‬إجراءات‭ ‬مصادرتها‭ ‬وفق‭ ‬القانون‭. ‬فتوزيع‭ ‬النشاط‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬عدة‭ ‬يستلزم‭ ‬تعاونًا‭ ‬يمتد‭ ‬عبر‭ ‬حدودها‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يستحق‭ ‬المتضرر‭ ‬مساعدة‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬أجوره‭ ‬والتعويض‭ ‬عن‭ ‬الأذى‭ ‬الذي‭ ‬أصابه،‭ ‬وفق‭ ‬القانون‭. ‬لا‭ ‬يعيد‭ ‬المال‭ ‬سنوات‭ ‬مفقودة،‭ ‬لكنه‭ ‬يتيح‭ ‬له‭ ‬تدبير‭ ‬العلاج‭ ‬أو‭ ‬بدء‭ ‬عمل‭ ‬يعيش‭ ‬منه‭. ‬ويحتاج‭ ‬إلى‭ ‬شرح‭ ‬واضح‭ ‬ومساعدة‭ ‬للمطالبة‭ ‬بحقوقه؛‭ ‬فقد‭ ‬يعرف‭ ‬أنه‭ ‬ظُلم،‭ ‬ولا‭ ‬يعرف‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬يبدأ‭ ‬أو‭ ‬كيف‭ ‬يقدم‭ ‬طلبه‭. ‬والإنصاف‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬إليه‭ ‬يعينه‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬حياته،‭ ‬ويخفف‭ ‬حاجته‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يستغلها‭ ‬آخرون‭.‬

فالإنسان‭ ‬الذي‭ ‬خرج‭ ‬من‭ ‬الاستغلال‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬يعيش‭ ‬منها،‭ ‬وتاجر‭ ‬البشر‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬المال‭ ‬الذي‭ ‬كسبه‭ ‬من‭ ‬جريمته‭. ‬عندها‭ ‬تمس‭ ‬العدالة‭ ‬حياة‭ ‬الاثنين‭: ‬تعين‭ ‬أحدهما‭ ‬على‭ ‬البدء،‭ ‬وتحرم‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬تمويل‭ ‬أذى‭ ‬جديد‭. ‬ويصبح‭ ‬لحماية‭ ‬الكرامة‭ ‬أثر‭ ‬يراه‭ ‬المتضرر‭ ‬في‭ ‬حياته،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ظل‭ ‬طويلًا‭ ‬يرى‭ ‬ثمرة‭ ‬عمله‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬غيره‭.‬

 

{ قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية

‭ ‬rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا