إذا كانت العلاقة بين التراث والحداثة تمثل إحدى أكثر القضايا تعقيدًا في الفكر العربي، فإنها تصبح أكثر حساسية عندما نصل إلى الأديان، لأن الحديث عن الأصالة في العالم العربي لا يمكن أن يتجاهل الدين بوصفه دينًا وحضارة ومصدرًا مهمًا من مصادر الثقافة والقيم والتشريع.
ومن هنا يظهر السؤال الذي يطرحه البعض بصورة مباشرة: هل المشكلة أعمق من العادات والتقاليد؟ وهل يقف الدين نفسه من خلال ما يحدث من تباينات في عملية تفسير أو تأويل نصوصه، في طريق الحداثة الشاملة؟
لا يمكن التعامل مع هذا السؤال بشعار مضاد، لأن هناك بالفعل توترات حقيقية بين بعض الأحكام والتفسيرات الفقهية التقليدية وبعض المفاهيم الحديثة المتعلقة، حرية الاعتقاد، والأسرة، والسيادة السياسية، ومصدر التشريع. والقول بوجود هذه التوترات لا يمثل بالضرورة حكمًا على الأديان، بل هو اعتراف بمشكلة فكرية حقيقية ينبغي مناقشتها بجدية بدلا من الالتفاف حولها.
لكن الانتقال من ذلك إلى القول إن «الدين ضد الحداثة» يتجاوز ما تسمح به الوقائع، لأن الدين ليس كتلة واحدة متجانسة. هناك النص، والحديث، والتفسير، والفقه، والمدارس والمذاهب، والممارسة التاريخية، والعادات الاجتماعية التي اكتسب بعضها غطاءً دينيًا، فضلًا عن الاستخدام السياسي للدين. وهذه المستويات ليست متطابقة، ولذلك فإن الخلط بينها يجعل النقاش أكثر حدة وأقل دقة في الوقت نفسه.
ثم إن التاريخ الإسلامي نفسه لا يدعم فكرة أن الإسلام كان عدوًا للمعرفة أو التفاعل مع الحضارات الأخرى. فقد استوعبت الحضارة الإسلامية في مراحل مختلفة الفلسفة والرياضيات والطب والفلك وغيرها من معارف الحضارات السابقة، وطورتها وأضافت إليها، وتفاعلت مع ثقافات متعددة. لكن ذلك لا يعني في المقابل أن كل ما أنتجه التفسير الإسلامي التقليدي ينسجم تلقائيًا مع كل مبادئ الحداثة المعاصرة. وهنا تحديدًا تبدأ المنطقة الأكثر صعوبة في النقاش.
ربما تكون العقدة بشأن التفسيرات هي التي لا يريد كثيرون الاقتراب منها، لأن الإجابة عنها تفرض علينا التمييز بين قدسية النص الديني والاجتهاد البشري الذي نشأ في ظروف تاريخية واجتماعية مختلفة. فإذا اعتبرنا كل تفسير فقهي تاريخي حكمًا دينيًا نهائيًا غير قابل للمراجعة، فسوف تصبح مساحة الحركة ضيقة للغاية. أما إذا أمكن التمييز بين النص والتفسير، وبين المقاصد والأشكال التاريخية التي تحققت بها، وبين الثابت والمتغير، فإن مساحة الاجتهاد تصبح أوسع، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إخضاع الدين للحداثة أو التخلي عن التراث.
المسألة هنا ليست إلغاء التراث، وإنما الاعتراف بأن جزءًا من التراث الفقهي هو اجتهاد بشري نشأ في سياقات تاريخية محددة، وأن القدرة على التمييز بين ما هو ثابت وما هو متغير قد تكون شرطًا أساسيًا لكي يستطيع الفكر الديني أن يتفاعل مع أسئلة لم تكن موجودة بالصيغة نفسها عندما تشكل كثير من الاجتهادات القديمة.
لكن حتى هذه الإجابة تفتح أسئلة أكثر تعقيدًا: من يملك حق التفسير؟ وما حدود الاجتهاد؟ وكيف يمكن منع الاجتهاد من التحول إلى انتقاء غير أمين للنصوص بما يتوافق مع كل موجة فكرية جديدة؟ هذه أسئلة لا يمكن تجاوزها بشعارات التسامح والانفتاح، كما لا يمكن حسمها بمجرد رفض كل جديد.
والحداثة ليست بريئة أيضًا
في المقابل، ليس صحيحًا أن كل ما يسمى حداثة يمثل تقدمًا بالضرورة. فالحداثة ليست حزمة واحدة يمكن قبولها أو رفضها دفعة واحدة. فالعلم ليس هو الاستهلاك، والتكنولوجيا ليست هي الحرية، والعلمانية ليست هي الديمقراطية، والاقتصاد العالمي ليس هو العدالة الاجتماعية، والمجتمع الحديث يمكن أن ينتج إلى جانب التقدم أشكالًا جديدة من التفكك والعزلة واللامساواة. ولهذا فإن استيراد الحداثة كما لو كانت نموذجًا جاهزًا قد يؤدي إلى مشكلة أخرى، هي استبدال التبعية للماضي بالتبعية لنموذج خارجي.
والمطلوب في نهاية المطاف ليس أن يصبح المجتمع العربي نسخة من مجتمع آخر، وإنما أن يمتلك القدرة على إنتاج حداثته الخاصة، مستفيدًا من الخبرات الإنسانية المختلفة دون أن يفقد حقه في الاختيار وإعادة التشكيل.
من التوفيق إلى إعادة البناء
لهذا ربما لم يعد المطلوب «التوفيق» بين الأصالة والمعاصرة. فالتوفيق يفترض أننا أمام شيئين مكتملين نريد وضعهما جنبًا إلى جنب، بينما ما نحتاج إليه هو إعادة بناء العلاقة بينهما. وأن يصبح التراث مصدرًا للمعنى، وأن تصبح الحداثة وسيلة لبناء المستقبل لا أداة لمحو الماضي.
إن التعامل مع التراث باعتباره مادة حية قابلة للتجدد باستمرار وإعادة القراءة يختلف جذريًا عن التعامل معه باعتباره ملفا مغلقًا. كما أن التعامل مع الحداثة باعتبارها قدرة على إنتاج المعرفة والمؤسسات والحلول يختلف عن اختزالها في تقليد ما أنتجه الآخرون. وربما يكون التعبير الأدق عن ذلك هو «حداثة متجذرة»: حداثة تعرف من أين جاءت لكنها لا تجعل ذلك سببًا لرفض المستقبل، وأصالة تعرف أنها ليست تكرارًا لتجارب الماضي وإنما لديها قدرتها على الاستمرار والتجدد.
المعركة الحقيقية
في النهاية، قد لا تكون المشكلة أن العرب لم يختاروا بعد بين الأصالة والحداثة، وإنما ما زالوا يبحثون عن حل وسط بينهما، بينما المطلوب هو إعادة تعريفهما معًا.
وهذا يتطلب أكثر من المقالات والشعارات؛ فهو يحتاج إلى إصلاح التعليم، وإنتاج المعرفة، وتشجيع العقل النقدي، وتطوير المؤسسات، وإعادة التفكير في علاقة الدين بالدولة والمجتمع، وإتاحة المجال لاجتهاد فكري حقيقي يستطيع أن يواجه الأسئلة الجديدة، ودون أن يحول التراث إلى وضعية جامدة ودون أن يحول الحداثة إلى عقيدة جديدة.
وهنا ربما تكمن المفارقة الكبرى: نحن لا نحتاج إلى الاختيار بين الماضي والمستقبل، وإنما نحتاج إلى أن نعرف ماذا نحمل من الماضي ونحن ذاهبون إلى المستقبل. فليس كل قديم جديرًا بالبقاء، وليس كل جديد جديرًا بالاتباع. والمجتمع الذي يستطيع أن يميز بين الاثنين لا يفقد هويته عندما يتغير، بل يثبت أن هويته حية وقادرة على التجدد.
أما إذا ظللنا نضع الأصالة في مواجهة الحداثة، والتراث في مواجهة المستقبل، فسنبقى أسرى السؤال نفسه الذي شغلنا أكثر من قرن: كيف نصبح حداثيين من دون أن نفقد أنفسنا؟ وربما يكون الجواب الحقيقي ليس في اختيار أحد الطرفين، وإنما في امتلاك القدرة على إعادة صياغة الذات بحيث تصبح قادرة على أن تتغير دون أن تتلاشى.
{ باحث في الشؤون العربية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك