العدد : ١٧٧٣٧ - الخميس ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٧ - الخميس ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

التراث والحداثة.. من التوفيق إلى إعادة البناء

بقلم: خالد فياض {

الخميس ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

إذا‭ ‬كانت‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬التراث‭ ‬والحداثة‭ ‬تمثل‭ ‬إحدى‭ ‬أكثر‭ ‬القضايا‭ ‬تعقيدًا‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬العربي،‭ ‬فإنها‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬عندما‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬الأديان،‭ ‬لأن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬الأصالة‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتجاهل‭ ‬الدين‭ ‬بوصفه‭ ‬دينًا‭ ‬وحضارة‭ ‬ومصدرًا‭ ‬مهمًا‭ ‬من‭ ‬مصادر‭ ‬الثقافة‭ ‬والقيم‭ ‬والتشريع‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬يظهر‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يطرحه‭ ‬البعض‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭: ‬هل‭ ‬المشكلة‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬العادات‭ ‬والتقاليد؟‭ ‬وهل‭ ‬يقف‭ ‬الدين‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬تباينات‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬تفسير‭ ‬أو‭ ‬تأويل‭ ‬نصوصه،‭ ‬في‭ ‬طريق‭ ‬الحداثة‭ ‬الشاملة؟

لا‭ ‬يمكن‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬بشعار‭ ‬مضاد،‭ ‬لأن‭ ‬هناك‭ ‬بالفعل‭ ‬توترات‭ ‬حقيقية‭ ‬بين‭ ‬بعض‭ ‬الأحكام‭ ‬والتفسيرات‭ ‬الفقهية‭ ‬التقليدية‭ ‬وبعض‭ ‬المفاهيم‭ ‬الحديثة‭ ‬المتعلقة،‭ ‬حرية‭ ‬الاعتقاد،‭ ‬والأسرة،‭ ‬والسيادة‭ ‬السياسية،‭ ‬ومصدر‭ ‬التشريع‭. ‬والقول‭ ‬بوجود‭ ‬هذه‭ ‬التوترات‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬بالضرورة‭ ‬حكمًا‭ ‬على‭ ‬الأديان،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬اعتراف‭ ‬بمشكلة‭ ‬فكرية‭ ‬حقيقية‭ ‬ينبغي‭ ‬مناقشتها‭ ‬بجدية‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬الالتفاف‭ ‬حولها‭.‬

لكن‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬‮«‬الدين‭ ‬ضد‭ ‬الحداثة‮»‬‭ ‬يتجاوز‭ ‬ما‭ ‬تسمح‭ ‬به‭ ‬الوقائع،‭ ‬لأن‭ ‬الدين‭ ‬ليس‭ ‬كتلة‭ ‬واحدة‭ ‬متجانسة‭. ‬هناك‭ ‬النص،‭ ‬والحديث،‭ ‬والتفسير،‭ ‬والفقه،‭ ‬والمدارس‭ ‬والمذاهب،‭ ‬والممارسة‭ ‬التاريخية،‭ ‬والعادات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬اكتسب‭ ‬بعضها‭ ‬غطاءً‭ ‬دينيًا،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬الاستخدام‭ ‬السياسي‭ ‬للدين‭. ‬وهذه‭ ‬المستويات‭ ‬ليست‭ ‬متطابقة،‭ ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬الخلط‭ ‬بينها‭ ‬يجعل‭ ‬النقاش‭ ‬أكثر‭ ‬حدة‭ ‬وأقل‭ ‬دقة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭.‬

ثم‭ ‬إن‭ ‬التاريخ‭ ‬الإسلامي‭ ‬نفسه‭ ‬لا‭ ‬يدعم‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬الإسلام‭ ‬كان‭ ‬عدوًا‭ ‬للمعرفة‭ ‬أو‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬الحضارات‭ ‬الأخرى‭. ‬فقد‭ ‬استوعبت‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬مختلفة‭ ‬الفلسفة‭ ‬والرياضيات‭ ‬والطب‭ ‬والفلك‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬معارف‭ ‬الحضارات‭ ‬السابقة،‭ ‬وطورتها‭ ‬وأضافت‭ ‬إليها،‭ ‬وتفاعلت‭ ‬مع‭ ‬ثقافات‭ ‬متعددة‭. ‬لكن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أنتجه‭ ‬التفسير‭ ‬الإسلامي‭ ‬التقليدي‭ ‬ينسجم‭ ‬تلقائيًا‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬مبادئ‭ ‬الحداثة‭ ‬المعاصرة‭. ‬وهنا‭ ‬تحديدًا‭ ‬تبدأ‭ ‬المنطقة‭ ‬الأكثر‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬النقاش‭.‬

ربما‭ ‬تكون‭ ‬العقدة‭ ‬بشأن‭ ‬التفسيرات‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬كثيرون‭ ‬الاقتراب‭ ‬منها،‭ ‬لأن‭ ‬الإجابة‭ ‬عنها‭ ‬تفرض‭ ‬علينا‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬قدسية‭ ‬النص‭ ‬الديني‭ ‬والاجتهاد‭ ‬البشري‭ ‬الذي‭ ‬نشأ‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬تاريخية‭ ‬واجتماعية‭ ‬مختلفة‭. ‬فإذا‭ ‬اعتبرنا‭ ‬كل‭ ‬تفسير‭ ‬فقهي‭ ‬تاريخي‭ ‬حكمًا‭ ‬دينيًا‭ ‬نهائيًا‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للمراجعة،‭ ‬فسوف‭ ‬تصبح‭ ‬مساحة‭ ‬الحركة‭ ‬ضيقة‭ ‬للغاية‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬أمكن‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬والتفسير،‭ ‬وبين‭ ‬المقاصد‭ ‬والأشكال‭ ‬التاريخية‭ ‬التي‭ ‬تحققت‭ ‬بها،‭ ‬وبين‭ ‬الثابت‭ ‬والمتغير،‭ ‬فإن‭ ‬مساحة‭ ‬الاجتهاد‭ ‬تصبح‭ ‬أوسع،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬بالضرورة‭ ‬إخضاع‭ ‬الدين‭ ‬للحداثة‭ ‬أو‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬التراث‭.‬

المسألة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬إلغاء‭ ‬التراث،‭ ‬وإنما‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬التراث‭ ‬الفقهي‭ ‬هو‭ ‬اجتهاد‭ ‬بشري‭ ‬نشأ‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬تاريخية‭ ‬محددة،‭ ‬وأن‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ثابت‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬متغير‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬شرطًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬لكي‭ ‬يستطيع‭ ‬الفكر‭ ‬الديني‭ ‬أن‭ ‬يتفاعل‭ ‬مع‭ ‬أسئلة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة‭ ‬بالصيغة‭ ‬نفسها‭ ‬عندما‭ ‬تشكل‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الاجتهادات‭ ‬القديمة‭.‬

لكن‭ ‬حتى‭ ‬هذه‭ ‬الإجابة‭ ‬تفتح‭ ‬أسئلة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭: ‬من‭ ‬يملك‭ ‬حق‭ ‬التفسير؟‭ ‬وما‭ ‬حدود‭ ‬الاجتهاد؟‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬منع‭ ‬الاجتهاد‭ ‬من‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬انتقاء‭ ‬غير‭ ‬أمين‭ ‬للنصوص‭ ‬بما‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬موجة‭ ‬فكرية‭ ‬جديدة؟‭ ‬هذه‭ ‬أسئلة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزها‭ ‬بشعارات‭ ‬التسامح‭ ‬والانفتاح،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬حسمها‭ ‬بمجرد‭ ‬رفض‭ ‬كل‭ ‬جديد‭.‬

والحداثة‭ ‬ليست‭ ‬بريئة‭ ‬أيضًا

في‭ ‬المقابل،‭ ‬ليس‭ ‬صحيحًا‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬حداثة‭ ‬يمثل‭ ‬تقدمًا‭ ‬بالضرورة‭. ‬فالحداثة‭ ‬ليست‭ ‬حزمة‭ ‬واحدة‭ ‬يمكن‭ ‬قبولها‭ ‬أو‭ ‬رفضها‭ ‬دفعة‭ ‬واحدة‭. ‬فالعلم‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬ليست‭ ‬هي‭ ‬الحرية،‭ ‬والعلمانية‭ ‬ليست‭ ‬هي‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬والاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والمجتمع‭ ‬الحديث‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينتج‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التقدم‭ ‬أشكالًا‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬التفكك‭ ‬والعزلة‭ ‬واللامساواة‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬استيراد‭ ‬الحداثة‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬نموذجًا‭ ‬جاهزًا‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬مشكلة‭ ‬أخرى،‭ ‬هي‭ ‬استبدال‭ ‬التبعية‭ ‬للماضي‭ ‬بالتبعية‭ ‬لنموذج‭ ‬خارجي‭.‬

والمطلوب‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬ليس‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬المجتمع‭ ‬العربي‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬آخر،‭ ‬وإنما‭ ‬أن‭ ‬يمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬حداثته‭ ‬الخاصة،‭ ‬مستفيدًا‭ ‬من‭ ‬الخبرات‭ ‬الإنسانية‭ ‬المختلفة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬الاختيار‭ ‬وإعادة‭ ‬التشكيل‭.‬

من‭ ‬التوفيق‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬البناء

لهذا‭ ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬المطلوب‭ ‬‮«‬التوفيق‮»‬‭ ‬بين‭ ‬الأصالة‭ ‬والمعاصرة‭. ‬فالتوفيق‭ ‬يفترض‭ ‬أننا‭ ‬أمام‭ ‬شيئين‭ ‬مكتملين‭ ‬نريد‭ ‬وضعهما‭ ‬جنبًا‭ ‬إلى‭ ‬جنب،‭ ‬بينما‭ ‬ما‭ ‬نحتاج‭ ‬إليه‭ ‬هو‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬العلاقة‭ ‬بينهما‭. ‬وأن‭ ‬يصبح‭ ‬التراث‭ ‬مصدرًا‭ ‬للمعنى،‭ ‬وأن‭ ‬تصبح‭ ‬الحداثة‭ ‬وسيلة‭ ‬لبناء‭ ‬المستقبل‭ ‬لا‭ ‬أداة‭ ‬لمحو‭ ‬الماضي‭.‬

إن‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬التراث‭ ‬باعتباره‭ ‬مادة‭ ‬حية‭ ‬قابلة‭ ‬للتجدد‭ ‬باستمرار‭ ‬وإعادة‭ ‬القراءة‭ ‬يختلف‭ ‬جذريًا‭ ‬عن‭ ‬التعامل‭ ‬معه‭ ‬باعتباره‭ ‬ملفا‭ ‬مغلقًا‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الحداثة‭ ‬باعتبارها‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة‭ ‬والمؤسسات‭ ‬والحلول‭ ‬يختلف‭ ‬عن‭ ‬اختزالها‭ ‬في‭ ‬تقليد‭ ‬ما‭ ‬أنتجه‭ ‬الآخرون‭. ‬وربما‭ ‬يكون‭ ‬التعبير‭ ‬الأدق‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬‮«‬حداثة‭ ‬متجذرة‮»‬‭: ‬حداثة‭ ‬تعرف‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬جاءت‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تجعل‭ ‬ذلك‭ ‬سببًا‭ ‬لرفض‭ ‬المستقبل،‭ ‬وأصالة‭ ‬تعرف‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬تكرارًا‭ ‬لتجارب‭ ‬الماضي‭ ‬وإنما‭ ‬لديها‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬والتجدد‭.‬

المعركة‭ ‬الحقيقية

في‭ ‬النهاية،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬المشكلة‭ ‬أن‭ ‬العرب‭ ‬لم‭ ‬يختاروا‭ ‬بعد‭ ‬بين‭ ‬الأصالة‭ ‬والحداثة،‭ ‬وإنما‭ ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬حل‭ ‬وسط‭ ‬بينهما،‭ ‬بينما‭ ‬المطلوب‭ ‬هو‭ ‬إعادة‭ ‬تعريفهما‭ ‬معًا‭.‬

وهذا‭ ‬يتطلب‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬المقالات‭ ‬والشعارات؛‭ ‬فهو‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إصلاح‭ ‬التعليم،‭ ‬وإنتاج‭ ‬المعرفة،‭ ‬وتشجيع‭ ‬العقل‭ ‬النقدي،‭ ‬وتطوير‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وإعادة‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬علاقة‭ ‬الدين‭ ‬بالدولة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬وإتاحة‭ ‬المجال‭ ‬لاجتهاد‭ ‬فكري‭ ‬حقيقي‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يواجه‭ ‬الأسئلة‭ ‬الجديدة،‭ ‬ودون‭ ‬أن‭ ‬يحول‭ ‬التراث‭ ‬إلى‭ ‬وضعية‭ ‬جامدة‭ ‬ودون‭ ‬أن‭ ‬يحول‭ ‬الحداثة‭ ‬إلى‭ ‬عقيدة‭ ‬جديدة‭.‬

وهنا‭ ‬ربما‭ ‬تكمن‭ ‬المفارقة‭ ‬الكبرى‭: ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الاختيار‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والمستقبل،‭ ‬وإنما‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬ماذا‭ ‬نحمل‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬ونحن‭ ‬ذاهبون‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل‭. ‬فليس‭ ‬كل‭ ‬قديم‭ ‬جديرًا‭ ‬بالبقاء،‭ ‬وليس‭ ‬كل‭ ‬جديد‭ ‬جديرًا‭ ‬بالاتباع‭. ‬والمجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يميز‭ ‬بين‭ ‬الاثنين‭ ‬لا‭ ‬يفقد‭ ‬هويته‭ ‬عندما‭ ‬يتغير،‭ ‬بل‭ ‬يثبت‭ ‬أن‭ ‬هويته‭ ‬حية‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬التجدد‭.‬

أما‭ ‬إذا‭ ‬ظللنا‭ ‬نضع‭ ‬الأصالة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الحداثة،‭ ‬والتراث‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬المستقبل،‭ ‬فسنبقى‭ ‬أسرى‭ ‬السؤال‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬شغلنا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭: ‬كيف‭ ‬نصبح‭ ‬حداثيين‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نفقد‭ ‬أنفسنا؟‭ ‬وربما‭ ‬يكون‭ ‬الجواب‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬أحد‭ ‬الطرفين،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬امتلاك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬الذات‭ ‬بحيث‭ ‬تصبح‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تتغير‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتلاشى‭.‬

 

{ باحث‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬العربية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا