تفضّل حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، فشمل برعايته الكريمة افتتاح دور الانعقاد الخامس من الفصل التشريعي السادس لمجلسَي الشورى والنواب لتستمر المسيرة الديمقراطية التي تشهدها بلادنا في هذا العهد الزاهر لجلالته أيده الله. وتكتسب هذه المناسبة أهمية خاصة؛ إذ يُعقد دور خامس لأول مرة في تاريخ التجربة البرلمانية البحرينية فرضتها الظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة، بما يعكس مرونة الدستور، وثقة القيادة في تراكم الخبرة البرلمانية لمواجهة تحديات المرحلة. فالتمديد الاستثنائي للفصل التشريعي عبر الأدوات الدستورية يبرهن على متانة المنهجية الوطنية ورسوخ مؤسسات الدولة العصرية.
وقد تضمّن الخطاب السامي لجلالة الملك معادلة سياسية متّزنة: جبهة داخلية موحّدة ومتكاملة تشريعياً وتنفيذياً، تقابلها سياسة خارجية واضحة وحازمة تحمي المكتسبات الوطنية التي حققتها بلادنا وتصون الأمن والاستقرار لهذا الوطن الغالي علينا جميعا فقد تضمن الخطاب السامي العديد من النقاط المهمة منها.
أولاً: المرتكزات العامة للكلمة السامية
أكّد جلال الملك المعظم تكامل المسؤولية ووحدة الموقف بين السلطات الدستورية، لتكون مصلحة الوطن الهدف الأول الذي يجتمع الجميع على تحقيقه، وهو نهج حرص عليه جلالته منذ انطلاق المشروع الإصلاحي؛ فالوطن هو الغاية، والوطنية هي المعيار الأوحد.
وكان لافتاً، بالنسبة إلى شعب البحرين وذاكرته الوطنية، التوجيه الملكي السامي بأن يكون العام القادم «عام الشيخ عيسى بن سلمان أل خليفة»، تيمّناً بإرث الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، طيّب الله ثراه، وتكريماً لعطائه، ومواصلةً لنهجه، وتخليداً لسيرته العطرة قائداً وأباً للجميع، كرّس حياته لخدمة وطنه ونهضته.
ثانياً: البعد الوطني
ارتكز الشق المحلي من الخطاب السامي لجلالته على تعزيز المكتسبات الديمقراطية والتكامل المؤسسي بين السلطات، ومن أبرز ملامحه:
تكامل المسؤولية الوطنية: شدّد جلالته على أن الوطن هو الوجهة الأولى ومصلحته المقصد الأسمى، داعياً السلطات الدستورية إلى العمل بـ«روح التكاتف والجهد المشترك».
تحديث التشريعات: وجّه جلالته إلى تحديث التشريعات الاقتصادية والبيئية بما يؤمّن مقومات الأمن الغذائي والمائي وأمن الطاقة.
الاستثمار في المواطن: بإعداد الأجيال القادمة ودعم الاقتصاد المعرفي، ليكون المواطن محور خطط التنمية المستدامة.
ثالثاً: البعد الإقليمي والدولي
اتّسم الخطاب السامي بالصراحة والقوة في تشخيص التهديدات الإقليمية وتأكيد ثوابت السياسة الخارجية البحرينية، ومن أبرز ملامحه:
تسمية مصدر التهديد: أشار جلالته إلى أن المنطقة شهدت خلال الأشهر الماضية تطورات متزايدة الخطورة، بلغت ذروتها في الاعتداءات والتدخلات الإيرانية الآثمة التي استهدفت سلامة الأوطان والشعوب، وانتهكت الأعراف وقواعد حسن الجوار. وتعكس هذه التسمية المباشرة حرص البحرين على وضع النقاط على الحروف إقليمياً ودولياً.
الردع بوحدة الموقف: أكّد جلالته أن قوة الردع تبدأ من وحدة الموقف ووضوح الرؤية، مطالباً بعمل جادّ وملموس يُبعد المنطقة عن مخاطر أسلحة الدمار الشامل، ويؤمّن حرية الملاحة والممرات المائية.
وعي الرأي العام: نوّه جلالته بأن الرأي العام في الدول المتضررة بات أكثر وعياً بحقائق المشهد، وأشدّ عزماً على ترسيخ الأمن وإرساء العدالة.
رابعاً: ربط التشريع بالأمن الوطني الشامل
لعلّ الدرس الأهم في الكلمة السامية هو ربط التشريع بمفهوم الأمن الوطني المعاصر؛ فلم يعد دور البرلمان مقتصراً على التشريعات الخدمية، بل نقل جلالته العمل البرلماني إلى فضاء «الأمن الوطني الشامل»، بربط التشريع مباشرة بالاقتصاد المعرفي، والأمن الغذائي والمائي، وحماية الدولة والمجتمع في البيئة الرقمية.
إن الخطاب السامي افتتح أمام السلطة التشريعية آفاقاً جديدة واسعة للعمل الوطني بمعناه الشامل، ويرسم إطاراً واضحاً لعملها: جبهة داخلية متماسكة، وتشريع يخدم الأمن الوطني، وموقف خارجي واضح وحازم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك