لم تعد الصناعة في دول مجلس التعاون الخليجي مجرد رافد إضافي لاقتصادات قامت تاريخياً على النفط والغاز، بل أصبحت محوراً رئيسياً في خطط التنويع وبناء القدرة على الصمود. ومع ذلك، فإن الرهان المقبل يتجاوز نجاح كل دولة في إنشاء مصانع جديدة أو جذب استثمارات منفردة؛ إذ يتمثل التحدي الحقيقي في تحويل القدرات المتراكمة في الدول الست إلى منظومة إنتاج خليجية مترابطة. ومن هنا يكتسب شعار «صنع في الخليج» معناه الأوسع: ليس مجرد بيان لمنشأ السلعة، إنما هو مشروع إقليمي للجودة والابتكار والتنافسية.
تنطلق هذه الطموحات من قاعدة صناعية منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، الموجه الصناعية الأولى. فدول المجلس تضم أكثر من 22 ألف مصنع يعمل فيها نحو 1.7 مليون شخص، ويسهم التصنيع بنحو 13% من الناتج المحلي الإجمالي الخليجي. كما تحتل الدول الخليجية ستة من المراكز السبعة الأولى عربياً في مؤشر الأداء الصناعي التنافسي لعام 2025، فيما جاءت الإمارات والسعودية فوق المتوسط العالمي. هذا الأداء يؤكد أن المنطقة لا تبدأ من الصفر، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن القوة الصناعية الحالية لا تزال بحاجة إلى مزيد من الترابط حتى تتحول إلى ثقل جماعي مؤثر.
وقد بدأت ملامح الانتقال من الطموح إلى التنفيذ بالظهور. فالاستراتيجية الموحدة للتنمية الصناعية لدول مجلس التعاون (2022–2030) تمثل الإطار التكاملي الشامل المعتمد من قبل لجنة التعاون الصناعي الخليجية لتحقيق تنمية صناعية مستدامة ومواكبة الثورة الصناعية الرابعة. تهدف الاستراتيجية إلى زيادة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي، وتوحيد السياسات التشريعية، وتعزيز تنافسية المنتجات الخليجية عالمياً. وضعت الاستراتيجية إطاراً لمواءمة السياسات والمواصفات، وتعزيز سلاسل الإمداد، وتحسين تنافسية المنتجات المحلية. وجاء المنتدى والمعرض الأول «صنع في دول مجلس التعاون 2026» في البحرين ليضيف بعداً عملياً، من خلال اعتماد أول خمسة مشروعات ضمن مبادرة استهدفت تحديد عشرين فرصة استثمار صناعي مشترك. وتنبع أهمية هذه الخطوة من أنها تنقل التعاون من تبادل الرؤى إلى مشروعات قابلة للتمويل والتنفيذ والقياس.
هذه «الموجة الصناعية الخليجية الثانية» لن تتحقق بمجرد زيادة عدد المصانع. المطلوب بناء سلاسل قيمة عابرة للحدود، بحيث تتوزع مراحل الإنتاج في منظومة صناعية واحدة وفق المزايا النسبية لكل دولة: الطاقة، والمواد الأولية، والموانئ والخدمات اللوجستية، ورأس المال، والتقنيات المتقدمة، والأسواق. وبدلاً من أن تنتج كل دولة السلع نفسها وتتسابق على الاستثمارات ذاتها، يمكن للتخصص والتكامل أن يخفضا الكلفة، ويوسعا حجم السوق، ويرفعا قدرة المنتج الخليجي على منافسة المنتجات العالمية.
غير أن الطريق إلى ذلك لا يخلو من عقبات تتطلب معالجات مؤسسية. فتفاوت الأنظمة والمواصفات وإجراءات العبور يحد من انسياب المواد والسلع، كما قد تؤدي ازدواجية الاستثمارات إلى طاقات إنتاجية متنافسة بدلاً من أن تكون متكاملة. ويظل التمويل الصناعي طويل الأجل تحدياً للمشروعات التي تحتاج سنوات قبل بلوغ الربحية. كذلك تتطلب الصناعات المتقدمة إنفاقاً أكبر على البحث والتطوير، وربطً أوثق بين المصانع والجامعات ومراكز الابتكار، فضلاً عن استقطاب الكفاءات المتخصصة وتطوير المواهب الخليجية القادرة على تشغيل تقنيات المنظومة الصناعية المقبلة.
كذلك تفرض التحولات العالمية تحديات إضافية. فقد أظهرت الأزمات الأخيرة هشاشة سلاسل الإمداد البعيدة، في حين أصبحت كفاءة الطاقة وخفض الانبعاثات شرطين لدخول كثير من الأسواق. وهذا يعني أن الصناعة الخليجية مطالبة بأن تكون مرنة وخضراء ورقمية في آن واحد. ويمكن للمصانع الذكية، والأتمتة، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات أن ترفع الإنتاجية والجودة وتقلل الهدر، لكن تبنيها يحتاج إلى بنية رقمية موحدة، ومعايير للأمن السيبراني، وتشريعات تشجع الابتكار وانفتاح يخلق البيئة الثقافية والفكرية الحاضنة له.
ومن أجل تحويل «صنع في الخليج» إلى حقيقة اقتصادية، ينبغي إنشاء منصات مشتركة تربط المصانع بالموردين والمستثمرين والجهات البحثية، وتوفير قواعد بيانات للفرص والقدرات الإنتاجية، وتطوير ممرات سريعة للسلع الصناعية بين دول المجلس، وتوفير بدائل تحسبا للأزمات. كما يمكن توحيد مزيد من المواصفات وشهادات المطابقة، وإطلاق أدوات تمويل وضمان خليجي للمشروعات المشتركة، ومنح الأفضلية في المشتريات للمنتجات التي تحقق نسبة واضحة من القيمة المضافة الخليجية. فالسوق الموحدة لا تصبح قوة صناعية إلا عندما يشعر المصنع أن انتقال مدخلاته ومنتجاته عبر الحدود يتم بالسهولة نفسها التي تتحرك بها داخل دولته.
أما القطاعات المرشحة لقيادة المرحلة المقبلة فتشمل المعدات الطبية والصناعات الدوائية والغذائية، ومعدات الطاقة النظيفة، وتصنيع رقائق السليكون، والصناعات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي، إلى جانب تطوير الصناعات القائمة على النفط والغاز نحو منتجات نهائية أعلى قيمة مثل الأنابيب عالية الضغط غير الملحومة، وكاثودات النحاس عالية النقاء. والنجاح هنا يجب ألا يقاس بعدد المصانع فقط، بل بارتفاع الإنتاجية، والقيمة المضافة، والصادرات غير النفطية، ونسبة المكوّن الخليجي، وعدد التقنيات وبراءات الاختراع التي تنتقل من المختبر إلى السوق.
وأخيرا فإن الخليج يمتلك عناصر انطلاقة صناعية تتمثل في الطاقة، ورأس المال، والبنية التحتية، والموقع الجغرافي، والأسواق، والإرادة السياسية. غير أن جمع هذه العناصر في مشروع واحد يتطلب تنسيقاً أعمق وانضباطاً في التنفيذ ومؤشرات معلنة للمساءلة. بذلك يمكن القول إن دول الخليج الست نجحت في الانتقال من تجاور المصانع إلى تكاملها، ومن تشابه الخطط إلى توزيع الأدوار، وبذلك يتحول «صنع في الخليج» من شعار طموح إلى علامة عالمية موثوقة. عندها يمكن الحديث عن ثورة صناعية خليجية ثانية، تقودها المعرفة والتقنية، وتحميها سلاسل إمداد أكثر صلابة، وتفتح للمنطقة موقعاً جديداً في خريطة التصنيع العالمي.
mkuwaiti@batelco.com.bh

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك