العدد : ١٧٧٣٧ - الخميس ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٧ - الخميس ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

هل يتقاسم الذكاء الاصطناعي العمل مع الإنسان؟

بقلم: دنيس فيبلبوف

الأربعاء ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

أجرى‭ ‬بيل‭ ‬غيتس،‭ ‬الشريك‭ ‬المؤسس‭ ‬لشركة‭ ‬مايكروسوفت،‭ ‬مقابلةً‭ ‬مفصلةً‭   ‬مع‭ ‬شبكة‭ ‬‮«‬إن‭ ‬بي‭ ‬سي‭ ‬نيوز‮»‬‭ (‬NBC‭ ‬News‭)‬،‭ ‬دعا‭ ‬فيها‭ ‬الحكومات‭ ‬إلى‭ ‬التدخل‭ ‬لتنظيم‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي؛‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬التنظيم‭ ‬الذاتي‭ ‬الذي‭ ‬تتبعه‭ ‬شركات‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬كافياً‭.‬

ليست‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬يطرح‭ ‬فيها‭ ‬تساؤلاً‭ ‬حول‭ ‬حدود‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي؛‭ ‬ففي‭ ‬أواخر‭ ‬شهر‭ ‬أغسطس‭ ‬2026،‭ ‬نشر‭ ‬غيتس‭ ‬مقالاً‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬لقد‭ ‬حلّ‭ ‬عصر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬المضطرب،‭ ‬والخيارات‭ ‬التي‭ ‬نتخذها‭ ‬الآن‭ ‬بالغة‭ ‬الأهمية‮»‬‭. ‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬الأفكار‭ ‬الجوهرية‭ ‬التي‭ ‬طرحها‭ ‬غيتس‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬الاحتياطي‭ ‬البشري‮»‬،‭ ‬والتي‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬تخصيص‭ ‬مهام‭ ‬معينة‭ ‬للبشر،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬أتقن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أداءها‭ ‬بنفس‭ ‬الكفاءة‭.‬

ويستشهد‭ ‬غيتس‭ ‬بمجالي‭ ‬رعاية‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬والتعليم‭ ‬كأمثلة،‭ ‬إذ‭ ‬يصبح‭ ‬الحضور‭ ‬البشري‭ ‬فيهما‭ ‬مسألة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالكرامة‭ ‬والثقة‭. ‬ولا‭ ‬يسعني‭ ‬إلا‭ ‬تأييد‭ ‬وجهة‭ ‬النظر‭ ‬غيتس‭ ‬هذه؛‭ ‬فالحب‭ ‬والصداقة‭ ‬والروابط‭ ‬الأسرية‭ ‬ليست‭ ‬مجالات‭ ‬ينبغي‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نبحث‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬خوارزمية‭ ‬أكثر‭ ‬فعالية‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أنه‭ ‬ثمة‭ ‬مواقف‭ ‬عديدة‭ ‬تقتضي‭ ‬وجود‭ ‬إنسان،‭ ‬لمجرد‭ ‬أن‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر‭ ‬المقابل‭ ‬لنا‭ ‬هو‭ ‬إنسان‭ ‬أيضاً‭ - ‬بل‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الحضور‭ ‬البشري‭ ‬الفاعل‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬بات‭ ‬عملة‭ ‬نادرة‭.‬

حظي‭ ‬أحد‭ ‬كبار‭ ‬السن‭ ‬بمساعد‭ ‬متفرغ‭ ‬يقدم‭ ‬له‭ ‬الرعاية‭ ‬اللازمة،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬يعينه؛‭ ‬ويحظى‭ ‬طفل‭ ‬بمعلم‭ ‬ومدرس‭ ‬خصوصي‭ ‬متميزين،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يعاني‭ ‬طفل‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬التكدس‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬الدراسي‭. ‬

هنا‭ ‬يأتي‭ ‬دور‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬قدر‭ ‬ولو‭ ‬يسير‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬لملايين‭ ‬البشر،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬عبر‭ ‬شرح‭ ‬موضوع‭ ‬ما‭ ‬للمرة‭ ‬الخامسة‭ ‬أو‭ ‬تذكيرهم‭ ‬بمواعيد‭ ‬تناول‭ ‬الأدوية،‭ ‬ولو‭ ‬قصرنا‭ ‬هذه‭ ‬المهام‭ ‬على‭ ‬البشر‭ ‬وحدهم،‭ ‬فإننا‭ ‬سنحصر‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يحظون‭ ‬بالفعل‭ ‬بدعم‭ ‬بشري‭.‬

ثم‭ ‬يطبق‭ ‬غيتس‭ ‬المبدأ‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭. ‬وهنا‭ ‬قد‭ ‬نكون‭ ‬استبقنا‭ ‬الأحداث‭ ‬قليلاً؛‭ ‬إذ‭ ‬إنني‭ ‬أفضل‭ ‬وصف‭ ‬‮«‬الملاذ‭ ‬البشري‮»‬‭ ‬لهذا‭ ‬الحيز‭ ‬المخصص‭ ‬للبشر،‭ ‬كما‭ ‬تروق‭ ‬لي‭ ‬هذه‭ ‬الاستعارة‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها‭.‬

لقد‭ ‬دأبنا‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬طويل‭ ‬على‭ ‬تهيئة‭ ‬مساحات‭ ‬وتكييفها‭ ‬بوعي‭ ‬لتلائم‭ ‬احتياجاتنا؛‭ ‬وتلك‭ ‬هي‭ ‬آلية‭ ‬عمل‭ ‬المدينة‭ ‬الحديثة،‭ ‬حيث‭ ‬تُنقل‭ ‬الأنشطة‭ ‬الصناعية‭ ‬الثقيلة‭ ‬إلى‭ ‬خارج‭ ‬المدينة،‭ ‬وتُخصص‭ ‬المساحات‭ ‬الداخلية‭ ‬للمناطق‭ ‬السكنية‭ ‬والمتنزهات‭ ‬والمطاعم‭.‬

لكن‭ ‬فكرة‭ ‬إنشاء‭ ‬‮«‬ملاذ‮»‬‭ (‬لحماية‭ ‬مهنة‭ ‬ما‭) ‬تبدو‭ ‬منطقية‭ ‬عندما‭ ‬يتضح‭ ‬تماماً‭ ‬ما‭ ‬نريد‭ ‬الحفاظ‭ ‬عليه،‭ ‬وعندما‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬المؤكد‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬الشيء‭ ‬آخذ‭ ‬في‭ ‬الزوال‭ ‬بالفعل‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬يقترح‭ ‬غيتس‭ ‬مناقشة‭ ‬فكرة‭ ‬هذا‭ ‬الملاذ‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتضح‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬المهنة‭ ‬أو‭ ‬ذلك‭ ‬المجال‭ ‬في‭ ‬طريقه‭ ‬للاختفاء‭.‬

وهنا‭ ‬تفقد‭ ‬هذه‭ ‬الاستعارة‭ (‬فكرة‭ ‬الملاذ‭) ‬جدواها‭ ‬عند‭ ‬تطبيقها‭ ‬على‭ ‬المهن؛‭ ‬فالمهنة‭ ‬خيار‭ ‬غير‭ ‬مناسب‭ ‬للحماية،‭ ‬لأنها‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المهام‭ ‬المتغيرة‭ ‬باستمرار‭. ‬

لنأخذ‭ ‬مهنة‭ ‬أخصائي‭ ‬الأشعة‭ ‬كمثال‭ ‬على‭ ‬ذلك‭. ‬في‭ ‬عام‭ ‬2016،‭ ‬نصح‭ ‬جيفري‭ ‬هينتون‭ -‬أحد‭ ‬مبتكري‭ ‬الشبكات‭ ‬العصبية‭ ‬الحديثة‭- ‬بالتوقف‭ ‬عن‭ ‬تدريب‭ ‬أخصائيي‭ ‬الأشعة،‭ ‬متوقعاً‭ ‬أن‭ ‬تتفوق‭ ‬الخوارزميات‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬الصور‭ ‬الطبية‭ ‬خلال‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭. ‬

ها‭ ‬قد‭ ‬مرت‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭. ‬لقد‭ ‬أصبحت‭ ‬الخوارزميات‭ ‬بالفعل‭ ‬بمثابة‭ ‬‮«‬رأي‭ ‬ثانٍ‮»‬،‭ ‬إذ‭ ‬تساعد‭ ‬الأطباء‭ ‬في‭ ‬مقارنة‭ ‬الصور‭ ‬بمخزون‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬الخبرات‭ ‬المتراكمة‭. ‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تزايد‭ ‬عدد‭ ‬أخصائيي‭ ‬الأشعة،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬هناك‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬أعدادهم؛‭ ‬إذ‭ ‬تظل‭ ‬مهام‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬المرضى،‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬الحالات‭ ‬المعقدة‭ ‬أو‭ ‬المثيرة‭ ‬للجدل،‭ ‬وتحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬التشخيص،‭ ‬أموراً‭ ‬تقع‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬الطبيب‭.‬

‭ ‬والسؤال‭ ‬هنا‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬الحفاظ‭ ‬عليه‭ ‬بالضبط؟‭ ‬هل‭ ‬المهنة‭ ‬بأكملها‭ ‬أم‭ ‬مجرد‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬مهامها‭ ‬الفرعية؟

يبدي‭ ‬غيتس‭ ‬ثقة‭ ‬تامة‭ ‬بأن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الوظائف‭ ‬ستختفي‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭. ‬فهو‭ ‬يتحدث‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬خاصة‭ ‬عن‭ ‬المحامين‭ ‬والمبرمجين‭ ‬والأطباء‭ ‬وموظفي‭ ‬خدمة‭ ‬العملاء‭ ‬والعاملين‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬التصنيع،‭ ‬ويرى‭ ‬أن‭ ‬الوظائف‭ ‬المبتدئة‭ ‬وتلك‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬المستويات‭ ‬المتوسطة‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬عرضة‭ ‬لخطر‭ ‬الزوال‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬طفرة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

لكن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بدأ‭ ‬للتو‭ ‬في‭ ‬الاندماج‭ ‬ضمن‭ ‬سير‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬الشركات‭. ‬تشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬نجاح‭ ‬مشاريع‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬كانت‭ ‬تبلغ‭ ‬حوالي‭ ‬10‭% ‬قبل‭ ‬عام،‭ ‬أما‭ ‬الآن‭ ‬فقد‭ ‬وصلت‭ ‬إلى‭ ‬الثلث‭ ‬تقريباً‭. ‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬النمو‭ ‬سريع،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬ينبغي‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬قياسه؛‭ ‬إذ‭ ‬يتم‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عمليات‭ ‬محددة‭ ‬بدأت‭ ‬فيها‭ ‬هذه‭ ‬التقنية‭ ‬بتوليد‭ ‬الإيرادات،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬لم‭ ‬يمتد‭ ‬أثرها‭ ‬بعد‭ ‬ليشمل‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭.‬

وفي‭ ‬عام‭ ‬2023،‭ ‬وعند‭ ‬مناقشته‭ ‬لمخاطر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬كتب‭ ‬بيل‭ ‬غيتس‭ ‬عبارة‭: ‬‮«‬لقد‭ ‬مررنا‭ ‬بهذا‭ ‬من‭ ‬قبل‮»‬،‭ ‬مستشهداً‭ ‬بأمثلة‭ ‬مثل‭ ‬السيارات‭ ‬والحواسيب‭ ‬الشخصية‭ ‬والإنترنت؛‭ ‬حيث‭ ‬تعلم‭ ‬المجتمع‭ ‬مراراً‭ ‬وتكراراً‭ ‬التعايش‭ ‬مع‭ ‬تقنيات‭ ‬كانت‭ ‬تثير‭ ‬مخاوفنا‭ ‬في‭ ‬البداية‭. ‬

غير‭ ‬أنه‭ ‬بعد‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات،‭ ‬حمل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬مقاله‭ ‬الجديد‭ ‬عنوان‭: ‬‮«‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬مختلفة‮»‬‭.‬

يدور‭ ‬النقاش‭ ‬برمته‭ ‬حول‭ ‬هاتين‭ ‬العبارتين،‭ ‬وهي‭ ‬قضية‭ ‬أقدم‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬مفهوم‭ ‬الشبكات‭ ‬العصبية؛‭ ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1964،‭ ‬حذّر‭ ‬مؤلفو‭ ‬تقرير‭ ‬‮«‬الثورة‭ ‬الثلاثية‮»‬‭ (‬Triple‭ ‬Revolution‭) ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬ليندون‭ ‬جونسون‭ ‬من‭ ‬‮«‬ثورة‭ ‬سيبرانية‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬ستوفر‭ ‬الحواسيب‭ ‬والآلات‭ ‬المؤتمتة‭ ‬إنتاجية‭ ‬شبه‭ ‬غير‭ ‬محدودة،‭ ‬مع‭ ‬تقليل‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬العمالة‭ ‬البشرية‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد‭.‬

لقد‭ ‬أشاروا‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬السرعة‮»‬‭ ‬باعتبارها‭ ‬الفارق‭ ‬الجوهري‭ ‬عن‭ ‬الثورات‭ ‬السابقة‭. ‬لقد‭ ‬انقضت‭ ‬ستون‭ ‬عاماً‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين،‭ ‬وتضاعفت‭ ‬أعداد‭ ‬الأمريكيين‭ ‬في‭ ‬القوى‭ ‬العاملة‭ ‬بمقدار‭ ‬2‭.‬7‭ ‬مرة؛‭ ‬إذ‭ ‬ارتفعت‭ ‬من‭ ‬58‭ ‬مليوناً‭ ‬إلى‭ ‬159‭ ‬مليوناً‭.‬

وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬التحولات‭ ‬السابقة‭ ‬كانت‭ ‬سلسة؛‭ ‬فهي‭ ‬تبدو‭ ‬كذلك‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الكتب‭ ‬الدراسية‭. ‬لقد‭ ‬اختفى‭ ‬سائقو‭ ‬العربات‭ ‬التي‭ ‬تجرها‭ ‬الخيول‭ ‬وحل‭ ‬محلهم‭ ‬سائقو‭ ‬السيارات‭. ‬ولكن‭ ‬إذا‭ ‬سبق‭ ‬لك‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الخيول،‭ ‬فأنت‭ ‬تدرك‭ ‬حقيقةً‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬معرفة‭ ‬كيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الحصان‭ ‬لا‭ ‬تساعدك‭ ‬في‭ ‬اجتياز‭ ‬اختبار‭ ‬قيادة‭ ‬السيارة‭.‬

لم‭ ‬يتحول‭ ‬عامل‭ ‬إضاءة‭ ‬المصابيح‭ ‬إلى‭ ‬فني‭ ‬كهرباء،‭ ‬ولا‭ ‬عامل‭ ‬مقسم‭ ‬الهاتف‭ ‬إلى‭ ‬مهندس‭ ‬اتصالات‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬الأمر‭ ‬صعباً‭ ‬على‭ ‬أفراد‭ ‬بعينهم‭.‬

يتمثل‭ ‬الدرس‭ ‬العملي‭ ‬هنا‭ ‬في‭ ‬الآتي‭: ‬عليك‭ ‬مساعدة‭ ‬الفرد،‭ ‬أما‭ ‬محاولة‭ ‬حماية‭ ‬المهنة‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها‭ ‬فهي‭ ‬مسعىً‭ ‬لا‭ ‬طائل‭ ‬منه‭. ‬وأنا‭ ‬أتفق‭ ‬مع‭ ‬‮«‬غيتس‮»‬‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬استثمار‭ ‬المال‭ ‬والجهد‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬التأهيل‭ ‬المهني‭ ‬أمرٌ‭ ‬مجدٍ‭.‬

أحيانًا،‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬استبدال‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭. ‬فأجهزة‭ ‬الصراف‭ ‬الآلي،‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬مصممة‭ ‬حرفيًا‭ ‬لتحل‭ ‬محل‭ ‬الصرافين،‭ ‬ولكن‭ ‬مع‭ ‬ازدياد‭ ‬انتشارها،‭ ‬لم‭ ‬ينخفض‭ ‬عدد‭ ‬الصرافين‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭: ‬فقد‭ ‬احتاجت‭ ‬الفروع‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬الموظفين،‭ ‬وأصبحت‭ ‬الفروع‭ ‬أقل‭ ‬تكلفة،‭ ‬وافتتحت‭ ‬البنوك‭ ‬المزيد‭ ‬منها،‭ ‬وجاء‭ ‬الانخفاض‭ ‬الكبير‭ ‬لاحقًا،‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬الخدمات‭ ‬المصرفية‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭ ‬والهواتف‭ ‬المحمولة‭.‬

يزعم‭ ‬بيل‭ ‬غيتس‭ ‬أن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬قد‭ ‬دخلت‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الفكري‭ ‬والإبداعي‭. ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬موجودة‭ ‬منذ‭ ‬زمن‭ ‬طويل‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬تم‭ ‬إصدار‭ ‬جهاز‭ ‬Fairlight‭ ‬CMI‭ (‬المُركِّب‭ ‬الرقمي‭): ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬بإمكان‭ ‬الموسيقي‭ ‬تسجيل‭ ‬أي‭ ‬صوت،‭ ‬وتوزيعه‭ ‬على‭ ‬لوحة‭ ‬المفاتيح،‭ ‬وتحويله‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬موسيقية‭ ‬جديدة‭.‬

وجدت‭ ‬موسيقى‭ ‬الهيب‭ ‬هوب،‭ ‬التي‭ ‬نشأت‭ ‬على‭ ‬أجهزة‭ ‬التسجيل،‭ ‬صوتها‭ ‬على‭ ‬جهاز‭ ‬أخذ‭ ‬العينات؛‭ ‬وولدت‭ ‬موسيقى‭ ‬‮«‬الجنجل‮»‬‭ ‬و‭:‬التريب‭ ‬هوب‮«‬‭ ‬من‭ ‬العينات‭ ‬الصوتية،‭ ‬وظهرت‭ ‬مهن‭ ‬جديدة‭ ‬مثل‭ ‬مُنتجي‭ ‬الإيقاعات‭.‬

يتناول‭ ‬غيتس‭ ‬أيضاً‭ ‬نماذج‭ ‬المستقبل،‭ ‬واصفاً‭ ‬أنظمة‭ ‬ذكاء‭ ‬اصطناعي‭ ‬ستكون‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬‮«‬الرؤية‭ ‬والاستماع‭ ‬والتحدث‭ ‬والاستنتاج‮»‬،‭ ‬وأداء‭ ‬مهام‭ ‬مادية،‭ ‬والعمل‭ ‬بدقة‭ ‬تكاد‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬الأخطاء‭ ‬ودون‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إشراف‭ ‬بشري‭ ‬مستمر‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬المقال‭ ‬لا‭ ‬يستخدم‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬العام‮»‬‭ (‬AGI‭) ‬صراحةً،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الوصف‭ ‬ينطبق‭ ‬عليه‭ ‬تماماً؛‭ ‬فهو‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬ذكاء‭ ‬اصطناعي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬حل‭ ‬مجموعة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المشكلات‭ ‬بمستوى‭ ‬أداء‭ ‬يضاهي‭ ‬القدرات‭ ‬البشرية‭ ‬أو‭ ‬يفوقها‭.‬

وفي‭ ‬الواقع‭ ‬فإن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬غير‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحالي؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬تعريف‭ ‬متفق‭ ‬عليه‭ ‬عالمياً‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬العام‭ ‬ولا‭ ‬معيار‭ ‬قياسي‭ ‬موحد‭ ‬له،‭ ‬كما‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يعلم‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬تطوير‭ ‬النماذج‭ ‬الحالية‭ ‬سيؤدي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬تحقيقه‭.‬

وهكذا‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬مقترحات‭ ‬اليوم‭ -‬التي‭ ‬تشمل‭ ‬‮«‬نظام‭ ‬الاحتياطي‭ ‬البشري‮»‬‭ ‬ومؤسسات‭ ‬جديدة‭ ‬وفرض‭ ‬ضرائب‭- ‬تستند‭ ‬في‭ ‬حجتها‭ ‬الرئيسية‭ ‬إلى‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬لم‭ ‬تظهر‭ ‬إلى‭ ‬الوجود‭ ‬بعد‭.‬

لماذا‭ ‬لا‭ ‬نستعد‭ ‬مسبقاً؟‭ ‬لأن‭ ‬للإجراءات‭ ‬الاستباقية‭ ‬السابقة‭ ‬لأوانها‭ ‬ثمناً؛‭ ‬فالقواعد‭ ‬التي‭ ‬تُسنّ‭ ‬لتنظيم‭ ‬تقنيات‭ ‬غير‭ ‬موجودة‭ ‬بعد‭ ‬قد‭ ‬تعيق‭ ‬التقنيات‭ ‬القائمة‭ ‬بالفعل‭. ‬ومما‭ ‬يذكر‭ ‬أن‭ ‬غيتس‭ ‬طرح‭ ‬فكرة‭ ‬فرض‭ ‬‮«‬ضريبة‭ ‬على‭ ‬الروبوتات‮»‬‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2017،‭ ‬أي‭ ‬قبل‭ ‬وقت‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬ظهور‭ ‬الموجة‭ ‬الحالية‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬التوليدي؛‭ ‬إذ‭ ‬يبدو‭ ‬الأمر‭ ‬وكأن‭ ‬‮«‬ChatGPT‮»‬‭ ‬يمثل‭ ‬مريضاً‭ ‬جديداً‭ ‬لوصفة‭ ‬طبية‭ ‬كُتبت‭ ‬مسبقاً‭.‬

وتتمثل‭ ‬الحجة‭ ‬الأخيرة‭ ‬لغيتس‭ ‬في‭ ‬السرعة‭ ‬غير‭ ‬المسبوقة‭ ‬لتطور‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬وبالفعل،‭ ‬تشهد‭ ‬النماذج‭ ‬تحديثات‭ ‬تكاد‭ ‬تكون‭ ‬شهرية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬يتغير‭ ‬بوتيرة‭ ‬توازي‭ ‬سرعة‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬الشركات،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬حالات‭ ‬الاستخدام‭ ‬الناضجة‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬التوليدي‭ -‬بخلاف‭ ‬مجال‭ ‬تطوير‭ ‬البرمجيات‭- ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬محدودة‭ ‬للغاية،‭ ‬ولم‭ ‬يتحقق‭ ‬بعدُ‭ ‬الأثر‭ ‬المالي‭ ‬المترتب‭ ‬على‭ ‬معظمها‭.‬

لقد‭ ‬استغرق‭ ‬الأمر‭ ‬نحو‭ ‬40‭ ‬عاماً‭ ‬حتى‭ ‬أحدثت‭ ‬الكهرباء‭ ‬طفرة‭ ‬ملموسة‭ ‬في‭ ‬الإنتاجية؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬استبدال‭ ‬المحرك‭ ‬البخاري‭ ‬بمحرك‭ ‬كهربائي‭ ‬كافياً،‭ ‬بل‭ ‬تطلب‭ ‬الأمر‭ ‬إعادة‭ ‬تصميم‭ ‬المصانع‭ ‬بالكامل‭.‬

وتعتمد‭ ‬السرعة‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها‭ ‬على‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬تبدأ‭ ‬فيها‭ ‬بحساب‭ ‬الوقت؛‭ ‬فإذا‭ ‬بدأنا‭ ‬الحساب‭ ‬منذ‭ ‬نشأة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬كمجال‭ ‬علمي‭ ‬في‭ ‬خمسينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬فإننا‭ ‬نجد‭ ‬أنه‭ ‬استغرق‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬70‭ ‬عاماً‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬المنازل‭ ‬العادية‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فقد‭ ‬حقق‭ ‬جهاز‭ ‬‮«‬الغراموفون‮»‬‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬فترة‭ ‬تتراوح‭ ‬من‭ ‬30‭ ‬إلى‭ ‬40‭ ‬عاماً‭ ‬فقط،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬الاستعانة‭ ‬بالإنترنت‭ ‬أو‭ ‬الهواتف‭ ‬الذكية‭ ‬أو‭ ‬بيل‭ ‬غيتس‭.‬

 

{‭ ‬خبير‭ ‬عالمي‭ ‬في‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا