العدد : ١٧٧٣٦ - الأربعاء ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٦ - الأربعاء ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

مقالات

ثقافة السفر ... جواز العبور إلى رحلة ناجحة

بقلم محمود النشيط.

الأربعاء ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬عالمٍ‭ ‬تجاوز‭ ‬فيه‭ ‬السفر‭ ‬حدود‭ ‬الترفيه‭ ‬ليصبح‭ ‬وسيلةً‭ ‬للتعلّم‭ ‬والتبادل‭ ‬الثقافي‭ ‬وبناء‭ ‬العلاقات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬امتلاك‭ ‬تذكرة‭ ‬الطائرة‭ ‬أو‭ ‬حجز‭ ‬الفندق‭ ‬كافيًا‭ ‬لضمان‭ ‬رحلة‭ ‬ناجحة،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ "‬ثقافة‭ ‬السفر‭" ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مقومات‭ ‬المسافر‭ ‬الواعي،‭ ‬وعنصرًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬في‭ ‬نجاح‭ ‬الرحلات‭ ‬الفردية‭ ‬والجماعية‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

ومن‭ ‬واقع‭ ‬خبرةٍ‭ ‬امتدت‭ ‬لسنوات‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬إدارة‭ ‬الرحلات‭ ‬السياحية‭ ‬الجماعية،‭ ‬تبلورت‭ ‬لدي‭ ‬قناعة‭ ‬راسخة‭ ‬بأن‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬برنامج‭ ‬سياحي‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬التنظيم‭ ‬أو‭ ‬جمال‭ ‬الوجهة،‭ ‬بل‭ ‬يرتبط‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬بثقافة‭ ‬المسافر‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬الإيجابي‭ ‬مع‭ ‬الظروف‭ ‬والمتغيرات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تطرأ‭ ‬أثناء‭ ‬الرحلة‭. ‬فالسفر،‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬دقة‭ ‬التخطيط‭ ‬له،‭ ‬يظل‭ ‬عرضة‭ ‬لظروف‭ ‬تشغيلية‭ ‬أو‭ ‬مناخية‭ ‬أو‭ ‬لوجستية‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬خارجة‭ ‬عن‭ ‬إرادة‭ ‬الجميع،‭ ‬وهنا‭ ‬تظهر‭ ‬قيمة‭ ‬الوعي،‭ ‬وسعة‭ ‬الصدر،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭.‬

وتشير‭ ‬بيانات‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬للسياحة‭ (‬UN‭ ‬Tourism‭) ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬السياح‭ ‬الدوليين‭ ‬تجاوز‭ ‬1‭.‬4‭ ‬مليار‭ ‬سائح‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬في‭ ‬مؤشر‭ ‬واضح‭ ‬على‭ ‬عودة‭ ‬الحركة‭ ‬السياحية‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الجائحة‭ ‬تقريبًا‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تؤكد‭ ‬الدراسات‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬شركات‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬السياحية‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬المسافرين‭ ‬لا‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬تعقيدات‭ ‬السفر‭ ‬نفسها،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬نقص‭ ‬المعلومات‭ ‬المسبقة‭ ‬أو‭ ‬سوء‭ ‬التصرف‭ ‬في‭ ‬المواقف‭ ‬الطارئة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الثقافة‭ ‬السياحية‭ ‬ضرورة‭ ‬لا‭ ‬رفاهية‭.‬

وتتنوع‭ ‬أنماط‭ ‬المسافرين‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال؛‭ ‬فهناك‭ ‬المسافر‭ ‬كثير‭ ‬الخبرة،‭ ‬والمسافر‭ ‬الموسمي،‭ ‬ومن‭ ‬يخوض‭ ‬تجربة‭ ‬السفر‭ ‬الأولى،‭ ‬وآخر‭ ‬اضطرته‭ ‬الظروف‭ ‬إلى‭ ‬السفر‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الفارق‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الرحلات‭ ‬التي‭ ‬قام‭ ‬بها‭ ‬الشخص،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬أسلوب‭ ‬تعامله‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬واحترامه‭ ‬للأنظمة‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬المستجدات‭. ‬فكثيرًا‭ ‬ما‭ ‬نجد‭ ‬مسافرًا‭ ‬قليل‭ ‬الخبرة،‭ ‬لكنه‭ ‬يضفي‭ ‬على‭ ‬الرحلة‭ ‬روحًا‭ ‬إيجابية‭ ‬تجعله‭ ‬محبوبًا‭ ‬بين‭ ‬الجميع،‭ ‬بينما‭ ‬قد‭ ‬يفسد‭ ‬غياب‭ ‬المرونة‭ ‬عند‭ ‬آخرين‭ ‬متعة‭ ‬رحلة‭ ‬كاملة‭.‬

ويرى‭ ‬المختصون‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬والسلوك‭ ‬السياحي‭ ‬أن‭ ‬ثقافة‭ ‬المسافر‭ ‬تبدأ‭ ‬قبل‭ ‬مغادرة‭ ‬المطار،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬عادات‭ ‬وتقاليد‭ ‬المجتمع‭ ‬المضيف،‭ ‬والإلمام‭ ‬بالقوانين‭ ‬المحلية،‭ ‬واحترام‭ ‬الخصوصيات‭ ‬الثقافية‭ ‬والدينية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الالتزام‭ ‬بالسلوك‭ ‬الحضاري‭ ‬في‭ ‬الأماكن‭ ‬العامة‭. ‬فالمسافر‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬نفسه‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬صورة‭ ‬وطنه‭ ‬وثقافته‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬ثقافة‭ ‬السفر‭ ‬عن‭ ‬منظومة‭ ‬التربية‭ ‬والقيم‭. ‬فالأسرة‭ ‬والمدرسة‭ ‬تؤديان‭ ‬دورًا‭ ‬محوريًا‭ ‬في‭ ‬غرس‭ ‬مفاهيم‭ ‬احترام‭ ‬الوقت،‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬الممتلكات‭ ‬العامة،‭ ‬والالتزام‭ ‬بالنظام،‭ ‬وتقبل‭ ‬الاختلاف،‭ ‬وهي‭ ‬قيم‭ ‬تنتقل‭ ‬تلقائيًا‭ ‬مع‭ ‬الإنسان‭ ‬أينما‭ ‬ذهب‭. ‬كما‭ ‬أصبحت‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬والمنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬مصدرًا‭ ‬مهمًا‭ ‬لتعزيز‭ ‬الوعي‭ ‬السياحي،‭ ‬شريطة‭ ‬انتقاء‭ ‬المحتوى‭ ‬الهادف‭ ‬والابتعاد‭ ‬عن‭ ‬السلوكيات‭ ‬السلبية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تسيء‭ ‬للمسافر‭ ‬أو‭ ‬لبلده‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬إدراج‭ ‬مفاهيم‭ ‬ثقافة‭ ‬السفر‭ ‬ضمن‭ ‬برامج‭ ‬التعليم‭ ‬والأنشطة‭ ‬المدرسية‭ ‬والجامعية،‭ ‬باعتبارها‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المواطنة‭ ‬العالمية،‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬أجيال‭ ‬أكثر‭ ‬وعيًا‭ ‬واحترامًا‭ ‬للتنوع‭ ‬الثقافي‭. ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬للجهات‭ ‬المعنية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬وزارات‭ ‬السياحة‭ ‬والخارجية،‭ ‬بالتعاون‭ ‬مع‭ ‬شركات‭ ‬السفر‭ ‬والطيران،‭ ‬إطلاق‭ ‬مبادرات‭ ‬توعوية‭ ‬ومنصات‭ ‬رقمية‭ ‬تقدم‭ ‬للمسافرين‭ ‬أدلة‭ ‬إرشادية‭ ‬مبسطة‭ ‬حول‭ ‬الأنظمة‭ ‬المحلية،‭ ‬وآداب‭ ‬السفر،‭ ‬وإدارة‭ ‬المواقف‭ ‬الطارئة،‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬الوعي‭ ‬المجتمعي‭. ‬لقد‭ ‬أصبحت‭ ‬السمعة‭ ‬السياحية‭ ‬للدول‭ ‬ترتبط‭ ‬اليوم‭ ‬بسلوك‭ ‬زوارها‭ ‬ومواطنيها‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬بقدر‭ ‬ارتباطها‭ ‬بجمال‭ ‬وجهاتها‭. ‬فالمسافر‭ ‬المثقف‭ ‬يترك‭ ‬انطباعًا‭ ‬إيجابيًا‭ ‬يدوم‭ ‬طويلًا،‭ ‬ويصبح‭ ‬سفيرًا‭ ‬غير‭ ‬رسمي‭ ‬لبلده،‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬جسور‭ ‬التفاهم‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭.‬

وفي‭ ‬موسم‭ ‬السفر،‭ ‬نتمنى‭ ‬أن‭ ‬يحمل‭ ‬كل‭ ‬مسافر‭ ‬معه‭ ‬حقيبتين؛‭ ‬الأولى‭ ‬تضم‭ ‬احتياجاته‭ ‬الشخصية،‭ ‬والثانية‭ ‬مليئة‭ ‬بالوعي‭ ‬والاحترام‭ ‬والصبر‭ ‬وحسن‭ ‬التصرف‭. ‬فهذه‭ ‬هي‭ ‬الأمتعة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُفرض‭ ‬عليها‭ ‬رسوم‭ ‬إضافية،‭ ‬لكنها‭ ‬تصنع‭ ‬الفارق‭ ‬الحقيقي‭ ‬بين‭ ‬رحلة‭ ‬عابرة‭ ‬وتجربة‭ ‬لا‭ ‬تُنسى‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا